عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 16:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس صحيحا أن الحكم في تونس اليوم يعيش مأزق شرعية. أو أن الرئيس لم يعد يتمتّع بشعبية تفوق شعبية خصومه. المأزق الحقيقي يتمثل في طبيعة الحكم الفردي ورفض الرئيس لإدارة الدولة بالسياسة. وهذا ما ما أدى إلى عجزه عن إدارة تلك الشرعية الشعبية ضمن منطق الدولة والمؤسسات والسياسات العمومية.
فحتّى من داخل المنطق الشعبوي، فشل الرئيس في تحويل الغضب الشعبي الذي رافق 25 جويلية وما تلاه، إلى مشروع وطني إصلاحي، يُغيّر حياة الناس نحو الأفضل، ويقطع مع مأساة مرحلة الحكم السّابقة، وينجز إصلاحات حقيقية، تُغطّي على التفرّد بالسلطة وتُبرّره على أنه "مرحلة استثنائية ضرورية" في مسار إصلاحي.
عِداء الرّجل للأحزاب، وافتقاده لمشروع إصلاحي ممكن وعقلاني، وغياب الاستراتيجية السياسية التي تُصلح الإدارة وتوجّهها، ترك فراغا فادحًا من حوله، احتلّته البيروقراطية الإدارية الرّافضة لكلّ تغيير، والعاجزة، بحكم طبيعتها، على إصلاح نفسها، وحتى على افتراض استعدادها للتغيير، فرئيس الجمهورية لم يُزوّدها بخطّة واضحة تلتزم بها وتُطبّقها.
من هنا، من هذا التّيه، دخل النظام في عدم التمييز بين السياسة والفساد، وبين المعارضة والجريمة، وبين الدولة والسلطة ... كلّ هذه الأمور أسهمت في الحفاظ على عوامل الأزمة العامة المتراكمة، بل عمّقتها على نحو مُخيف.
لم يصل الرئيس قيس سعيّد إلى قصر قرطاج نتيجة مصادفة، ولم يُفرض على التونسيين بفعل القوّة أو الانقلاب العسكري. لقد جاء نتيجة بركان غضب شعبي عميق، راكمته سنوات من الفشل السياسي الحكومي والبرلماني، والفشل الاقتصادي والاجتماعي والأمني، مسار أسود قادته منظومة حركة النّهضة الفاسدة والمعادية للديمقراطية وللدولة نفسها. الأمر الذي أهدر وعود الثورة المتعلقة بالشغل والكرامة والعدالة ومحاربة الفقر وإصلاح الإدارة.
منظومة النهضة الإجرامية هي التي جعلت من حدث 25 جويلية 2021 لحظة استثنائية في الوعي الجمعي، حيث وُلدت فيها انتظارات واسعة لدى عموم المواطنين، وكذلك لدى النخب السياسية والنقابية والمدنية، التي عبرت من خلالها بياناتها الصادرة في ذلك الوقت، على أملها في أن تكون تلك اللحظة بداية مسار تصحيحي يعيد الاعتبار للسياسة، ويُنقذ الدولة من الشلل، ويضع حدًا لهيمنة الفساد على القرار العمومي.
غير أنّ التجربة اللاحقة أظهرت أنّ الإشكال الجوهري في مسار الرئيس قيس سعيّد يتصل بعجز بنيوي عن تحويل تلك الشرعية الشعبية العريضة إلى قدرة فعلية على الحكم، وإلى سياسات عمومية واضحة، وإلى منظومة قرار عقلانية تُدار بها الدولة في مواجهة الخراب والتحديات التي خلفتها المرحلة السابقة.
كان جزء واسع من الشعب ينتظر من 25 جويلية مسارًا سياسيًا جديدًا، يقوم على إعادة تنظيم الحياة السياسية، وتحرير مؤسسات الدولة من قبضة المال الفاسد، وإصلاح القضاء، وبناء توازن جديد بين السلطة والمجتمع، بما يسمح بإعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها. كما انتظرت النخب، حتى تلك التي تردّدت في مساندة الإجراءات الاستثنائية، أن تكون تلك اللحظة مدخلًا إلى إصلاح سياسي عميق يُعيد للسياسة معناها، ويُخرج البلاد من منطق الصراعات العبثية نحو أفق واعد.
لكن المسار الذي تبلور لاحقًا لم يُفضِ إلى إعادة تنظيم السياسة، بل قاد تدريجيًا إلى نزع السياسة من المجال العام، وإلى تهميش الفضاء الحزبي والمدني بِرُمتِه. وهنا، لستُ مع القائلين ب"فاشية النظام"، لأن الأحزاب لم تُمنع ولم يتمّ التضييق الامني عليها. ولكن في نفس الوقت لست مع أنصار الرئيس الذين يُبرّؤون السلطة من تهميشها المُتعمّد للأحزاب والمنظمات والجمعيات وشيطنتها وتجريمها على بكرة أبيها. فلقد تمّ ذلك عن وعي، دون أن يُرافقه بناء بديل سياسي مؤسّسي قادر على توجيه الدولة وإدارة الصراع الاجتماعي.
كما هو معلوم، تميّز خطاب الرئيس، قبل وصوله للحكم وبعده، بنقد جذري للمنظومة الحزبية والبرلمانية، وهو نقد تشارك فيه شرائح واسعة من المجتمع، بالنظر إلى ما راكمته تلك المنظومة من إخفاقات. غير أنّ هذا النقد كان يفترض إصلاح المنظومة. أما مقصود الرئيس فلم يكن إصلاح منظومة فاسدة، بل رفض جميع الوسائط المدنية التي تشكل شرايين الدولة الحديثة وأوعيتها. ولذلك عجز الرئيس قيس سعيّد على بناء مشروع سياسي بديل على تلك المنظومة، وأخفق في تأسيس رؤية اقتصادية واجتماعية وإدارية واضحة، يتوحد حولها شعبه. فبعد تركيز السلطات في يده، غابت البرامج، ولم تظهر سياسات عمومية متماسكة، وبقيت الدولة تُدار عبر خطابات عامة. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهد أُزيحت فيه السياسة من الفضاء العام، دون أن تُستبدل برؤية إصلاحية، ما ترك الإدارة العمومية، بما تحمله من أعطاب مزمنة وشبكات مصالح، عارية من أي توجيه سياسي واضح، وقابلة للاستمرار في منطقها التقليدي القائم على التعطيل والفساد والمحسوبية.
رئيس الدولة لم يُهمّش الأحزاب والمنظمات والجمعيات لأنّ بعضها فاسد، وإنما يرفضها لأنها أحزاب ومنظمات وجمعيات وكفى. وحين نزَع السياسة من المجال العام، وهمّش تلك الوسائط دُفعة واحدة، كان يعتقد أن مراكز النفوذ داخل الدولة ستختفي، لكن النتيجة كانت عكسية، إذ مكّنها بقدرة واسعة على التحرّك بحرية أكبر، لتسيطر على الشارع، وتواصل توجيهها للإدارة على نحو أكثر سهولة وأكثر فاعلية، خاصة وقد تبيّن أنها لا تخضع لتوجيه سياسي صارم من السلطة السياسية عبر مخطط مفروض عليها تنفيذه. ومن جهة أخرى لا تخضع لرقابة شعبية ديمقراطية منظّمة ومسنودة من الدولة. وهكذا، دون أن يعلم الرئيس، تحوّلت السلطة في حدّ ذاتها بذاتها، إلى مقاول رسمي لإنتاج الفساد، ومقاومة الإصلاح، وإفراغ القرار السياسي المجرد من مضامينه العملية.
بهذا المعنى، لم تؤدِّ شعارات محاربة الفساد إلى تفكيك منظوماته العميقة داخل أجهزة الدولة، بقدر ما ساهمت في خلق مناخ خوف وارتياب عطّل الإدارة، وعمّق القطيعة مع الكفاءات، وأضعف قدرة الدولة على الإنجاز، في ظل غياب إصلاح مؤسسي حقيقي للقضاء ورسم معايير واضحة ونزيهة للمحاسبة غير قابلة للتلاعب بها.
غياب المشروع السياسي، وإنهاء دور الأحزاب، أدى إلى تفاقم العجز عن الإصلاح، ودفع بالرئيس إلى اعتماد خطاب التخويف والتحذير الذي يقوم على تقسيم المجتمع إلى ثنائية ميتافيزيقية: "شعب طاهر" في مواجهة "نخب فاسدة". أقول ثنائية ميتافيزيقية لأنه لا يوجد شعب بلا نُخب.
صحيح أن هذا الخطاب وجد صدى لدى جزء من الرأي العام الغاضب، ولكنه أسهم في تمزيق النسيج الوطني، وفي تعميق الاستقطاب، وفي إضعاف إمكانيات بناء توافقات وطنية ضرورية لأي مسار إصلاحي. وليس هنالك أيّ شك في أن دولة تُدار بمنطق فصل الشعب عن نخبته، الأشبه بخلع القلب عن الجسد، هي دولة فاشلة تتعمّد تشويه المشهد السياسي والمدني، وتشويه نفسها. لن تقدر أبدا على توحيد مواطنيها حول مشروع مشترك. بل أن هذه المنهجية المُشوّهة تدفعها لتكون طرفا في صراع مجتمعي مفتوح، بدل أن تكون إطارًا مدنيا جامعًا للإرادة العامة وتنظيمها.
من أخطر ما أفرزته سياسة حرمان الدولة من السياسة خلال سنوات حكم الرئيس قيس سعيّد، هو توسيع استعمال تهم الإرهاب بلا ضوابط، لتشمل معارضين سياسيين سلميين وشخصيات وطنية لم تتورّط يومًا في العنف. هذا التوسيع أفضى إلى تمييع مفهوم الجريمة الإرهابية، ويأضعف المعركة الحقيقية ضد الإرهاب، ويأربك الرأي العام، وحوّل الصراع السياسي إلى ملف أمني. والسبب الأصلي هو احتلال العقل الأمني مكان العقل السياسي الذي يميّز بدقّة بين الجريمة السياسية والمعارضة السياسية. فالعقل الأمني حين يتجاوز فضاء اختصاصه ويتولّى إدارة الفضاء السياسي، فورِا يُقوّض أسس دولة القانون، ويُحوّل القضاء إلى أداة صراع، بدل أن يكون مؤسسة تحمي الحقوق وتضمن العدالة.
عندما نضع النّقاط على الأحرف في هذه القضية الوطنية الخطيرة، لا يهمّ إن كُنّا من أنصار المعارضة أو من أنصار الرئيس، بل الذي يهمّ الدّولة أساسا هو أن تفريغ الفضاء الوطني من السياسة، لا يمكن أن يُنتج إلا التطرف. ذلك أن حرمان المجتمع من السياسي لا يجعله أكثر استقرارًا، كما يعتقد أنصار السلطة، بل يُشوّه دور الدولة وضبطها للصراع، من خلال الاعتماد على الرؤية الأمنية الخالصة من الأعلى، وسَدّ قنوات الاحتجاج والتعبير والتنظيم من الأسفل، من خلال تهميش الأحزاب والنقابات والجمعيات.
حينئذٍ لا يختفي الاحتجاج، بل يبحث عن مسارات أخرى أقل تنظيمًا وأكثر خطورة، لكون هذا النوع من الفراغ هو البيئة المناسبة لولادة العنف وتمدّده.
بهذا المعنى، مثلما تساهم سياسات إفراغ المجال السياسي في توسّع الفساد، تساهم أيضا في إنتاج شروط التطرف، مهما كانت شعارات محاربته قوية وصاخبة.
من جهة أخرى لا شكّ أنّ السياسة الخارجية مرآة لتوازنات السياسة الداخلية وقدرتها على التنظيم والقرار. ومن يحكم بلا سياسة في الداخل، يتكلّم بلا وزن في الخارج. وهذا يعني أن تعثّر الحكم في إدارة الدولة يؤدّي إلى تآكل المصداقية على المستوى الخارجي. فغياب رؤية واضحة ومعلنة يُربك الشركاء، ويُضعِفُ موقع تونس التفاوضي، في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى وضوح استراتيجي وإلى دبلوماسية نشطة تخدم مصالحها في البدء والمنتهى.
ختامًا تونس في حاجة إلى سياسة تُنظّم الصراع
وإلى دولة تُدار بالكفاءة والمسؤولية والقدرة على التمييز بين الإجرام والمعارضة. وتحتاج إلى فضاء ديمقراطي يسمح بالاختلاف. وهذه أمور ممكنة جدا ومقدور على إنجازها، ودونها ستستمرّ أزمة الحكم في تعميق أزمة البلاد، حتى تتآكل هذه الشرعية الهُلامية التي تتغذّى من الغضب، وتنقلب إلى غضب مُضاد آجلًا أم عاجلًا.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟