أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظم زغير التورنجي - التناقض بوصفه عقيدة: حين يتحوّل النفاق إلى سياسة رسمية















المزيد.....

التناقض بوصفه عقيدة: حين يتحوّل النفاق إلى سياسة رسمية


ناظم زغير التورنجي

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 16:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أبو حازم التورنجي

ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يكن زلة لسان عابرة، إنما كان اعترافًا مكثفًا، خرج على غير قصد، يفضح جوهر السياسة الأمريكية المعاصرة، ويكشف السبب الحقيقي والهدف المباشر لعدوانٍ يتجاوز كل ما استقر عليه العالم من معايير وقيم، ويضرب عرض الحائط أبسط المبادئ التي يفترض أن تحكم العلاقات الدولية. لقد تحولت الشرعية الدولية، ومعها الأمم المتحدة ومجلس الأمن وسائر الهيئات المعنية بإدارة العلاقات بين الدول وحماية السيادة والاستقلال وحق الشعوب في اختيار مسار تطورها، إلى مجرد حبر على ورق.
في سرديته الطويلة والمفبركة، حاول ترامب أن يظهر الولايات المتحدة، التي قال إنها باتت "أعظم دولة يهابها العالم"، دولةً أكثر هيبة واحترامًا من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه كشف، من حيث لا يدري، عن عجزها المريع أمام ما سماه "مافيات المخدرات" التي تزرع الموت والتفكك الأخلاقي والجريمة المنظمة. روى، هو ووزير دفاعه، ثم رئيس هيئة الأركان، تفاصيل عملية "بطولية" لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته "في ظلمة الليل" بعد قطع شبكة الإضاءة، لتتحرك القوات الخاصة مستخدمة المناظير الليلية، خوفًا من أن تكتشفها الحماية الرئاسية "المحدودة العدد".
غير أن الإندهاش لم يقف عند هذا الحد. فالسردية نفسها تحدثت، بلا أدنى شعور بالسخرية، عن سنوات طويلة انشغلت خلالها كل الأجهزة الأمنية والاستخبارية، والقوات المسلحة، وإدارة الأمن القومي، وباختصار "إدارة أقوى رئيس في العالم"، بمراقبة تحركات مادورو، وانشغالاته، وكل ما يتعلق بإدارته لشؤون فنزويلا. ولم يشر ترامب، بطبيعة الحال، إلى أن الرجل الذي شغل هذه المنظومة الهائلة لم يكن يحميه سوى عدد محدود من أفراد الحرس الجمهوري!
ولا يكتمل هذا المشهد العبثي إلا بما يشبه النكتة السوداء، أو ذاك النمط من السخرية التي لا تقال إلا في سياق إنكار البديهيات، كأن يقال إن "الموساد هو من قتل الإمام علي"، أو أن "سلاح الميليشيات المنفلتة لن يسلم إلا للمهدي المنتظر". فقد تحدث ترامب وقادة جيشه بزهو وتمجيد عن قوة بلادهم، مشيرين إلى أن مئات الطائرات الحربية والمسيرات، والمروحيات، والسفن العسكرية، وآلاف الجنود والضباط، شاركوا في عملية اختطاف رئيس كان ينام في سريره إلى جانب زوجته من دون خوف من شعبه أو قلق من انقلاب.
وهنا نصل إلى بيت القصيد.. لماذا جنّد رئيس أقوى دولة في العالم كل هذه القوات والأسلحة المتطورة لاختطاف رئيس دولة مستقلة؟ هل لأن مادورو، كما زعم، يقود شبكات لتصدير المخدرات إلى الولايات المتحدة، ويتسبب يومياً بموت آلاف الشابات والشباب ضحايا الإدمان؟
الإجابة الحقيقية جاءت في اللحظات الأخيرة من خطاب ترامب، في تلك الفقرة الصاعقة التي قال فيها، بنشوة لا تخطئها الأذن، إن شركات النفط الأمريكية تستطيع الآن الذهاب إلى فنزويلا والاستثمار في نفطها، بعد أن "استعادت" الولايات المتحدة، عبر هذه العملية العسكرية "البطولية"، "البنية التحتية النفطية التي بنيناها نحن وسرقوها منا". ولم يقل، بالطبع، إن الشعب الفنزويلي، هو من أمّم تلك البنية لأنها شيدت بأموال الفنزويليين، تماماً كما صار محمد مصدق مارقاً حين أمم النفط في إيران في الخمسينيات، وكما صار عبد الكريم قاسم هدفًا للإطاحة به حين أمم الأراضي غير المستثمرة من شركات النفط التي بلغت ٩٠٪ وأسّس شركة النفط الوطنية.
إذن هكذا تتجلى "البطولة الخارقة" لأقوى دولة في العالم: اختطاف رئيس منتخب لدولة مستقلة لأنه "سرق" بنية تحتية نفطية. ولأجل ذلك تمت فبركة أكذوبة المخدرات، وتم ترويج حكاية الزوارق الصغيرة المكشوفة التي يفترض أنها تشرف على تهريب السموم إلى قلب الولايات المتحدة، زوارق يمكن رؤيتها وقصفها بالعين المجردة. وكأن الرئيس المختطف، الذي شغل الولايات المتحدة بكل إمكاناتها، قد تغافل عن مشاهدة أفلام مافيا المخدرات، التي تقدمها هوليود الأمريكية، وبالتالي لم يتعلم شيئاً من أساليبها الأكثر ذكاءً وتعقيداً في تهريب بضائعها من دول العالم كافة.
ألم يكن بإمكان ترامب، إذًا، أن يوكّل إحدى الميليشيات المستوطنة في منطقتنا بمهمة اختطاف مادورو، من دون الحاجة إلى هذه الفضيحة المدوية؟ مقابل، مثلاً، رفع اسمها أو اسم قائدها من قوائم العقوبات، ومكافأته بتنصيبه رئيساً، ما دام الإرهاب والميليشيا، في المنطق الأمريكي السائد، شهادة جاهزة على الكفاءة والبراعة والوطنية والقدرة على قيادة بلد؟
لكن الأخطر من كل ذلك، أن ما جرى مع فنزويلا لا يكشف فقط عن عدوانية إمبراطورية متغطرسة، بل عن تحول عميق في بنية النظام العالمي نفسه، حيث لم تعد الدولة الوطنية هي الوحدة الأساسية في الصراع، بل صارت عائقاً يجب تجاوزه. لم تعد السيادة قيمة، بل عبئاً، ولم يعد الاستقلال حقاً، بل شبهة!
في هذا العالم الجديد، تقاس شرعية الدول بمدى انصياعها للأسواق، لا بتمثيلها لشعوبها، وبمدى فتحها لحقولها وموانئها وشركاتها العابرة للقارات، لا بقدرتها على حماية مواردها.
فنزويلا، في هذا السياق، لم تعاقب لأنها فاشلة، بل لأنها حاولت أن تكون دولة. حاولت أن تقول: هذا نفطنا، هذه مواردنا، وهذا قرارنا.
تلك الإرادة الوطنية في عصر الشركات العابرة للحدود خطيئة لا تغتفر. فالانقلابات لم تعد تدبر فقط في الثكنات، إنما في البورصات. والعقوبات لم تعد أداة ضغط مؤقتة بل نظام حكم دائم، والانتخابات لم تعد معياراً للشرعية إنما تفصيلاً يمكن تجاوزه متى ما تعارض مع مصالح رأس المال المعولم.
من هنا، لا تبدو قصة مادورو استثناءً، بل نموذجاً.
نموذجاً لعالم لم يعد يحتاج إلى احتلال كلاسيكي، ولا إلى إدارة استعمارية مباشرة، لأن التفاهة نفسها صارت أداة حكم، ولأن الدولة جرى تفكيكها من الداخل، وتحويلها إلى كيان هش ومحاصر وقابل للابتزاز أو للإزاحة، متى ما تجرأ على الخروج عن النص!
نفاق فخري كريم: حين تتحوّل البراغماتية إلى تبرير للهيمنة
لا يكمن نفاق فخري كريم في تبدّل مواقفه فحسب، بل في منهجه الخطابي الذي يموّه التبعية بلغة عقلانية ناعمة، ويقدّم الانصياع للهيمنة بوصفه «واقعية سياسية». فهو لا يدافع صراحة عن السياسات الأمريكية، لكنه يعيد إنتاج سرديتها، ويمنحها غطاءً ثقافيًا وأخلاقيًا تحت مسمّى النقد أو الحكمة.
يتحدث فخري كريم عن الديمقراطية والشرعية، لكنه يتجاهل أن الولايات المتحدة لا تعترف بأي شرعية لا تخدم مصالحها. ينتقد الأنظمة التي تحاول حماية مواردها أو الخروج عن الوصاية، بينما يصمت ـ أو يبرر ـ حين تُنتهك السيادة، وتُخنق الشعوب بالعقوبات، وتُفرض الحكومات بالقوة أو الحصار.
التناقض الفاضح يظهر حين يُدين «الشعبوية» و«الخطاب الراديكالي»، لكنه يتقبّل، بل يبرّر، أكثر أشكال العنف السياسي فجاجة حين تصدر عن المركز الإمبريالي. فتصبح مقاومة الهيمنة «مغامرة»، بينما يتحول العدوان إلى «إدارة مصالح».
في خطاب فخري كريم، لا تكون المشكلة في اختطاف رئيس دولة، أو تدمير اقتصاد شعب كامل، بل في «سوء إدارة» الضحية. وهكذا تُقلب المعادلة: الجلاد عقلاني، والضحية متهورة.
هذا النمط من التفكير لا ينتج نقدًا، بل تطبيعًا مع القوة. ولا يصنع وعيًا، بل يروّج لاستقالة أخلاقية، تُفرغ مفاهيم السيادة والاستقلال من معناها، وتختزل السياسة في سؤال واحد: ماذا يريد الأقوى؟
نفاق فخري كريم ليس موقفًا فرديًا، بل نموذج لمثقف اختار أن يكون وسيطًا لغويًا للهيمنة، لا شاهدًا عليها ولا ناقدًا لها. وفي زمن الانكشاف، لم يعد هذا الدور محايدًا، بل شريكًا في الجريمة الرمزية.



#ناظم_زغير_التورنجي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين جرأة التشخيص وحدود المقاربة الرفيق رشيد غويلب
- الإمبريالية حين تبدل أقنعتها: من هتلر إلى ترامب
- الوطن والطاغية والأمبريالية
- الحزب الشيوعي العراقي والماركسية في المرحلة الراهنة
- بين غزو العراق 2003 والتدخل الأمريكي الحالي في فنزويلا
- «دور التكتيك الصائب في تحقيق النصر الاستراتيجي»
- تشي جيفارا بين الثورة المصدَّرة والنظرية الماركسية
- قراءة نقدية
- كيف ستبدو مهمة الكولوبيل ستيفاني الأمريكية في العراق
- من الصراع من أجل الفوز إلى الصراع من أجل البقاء
- المثقف العراقي الى أين ؟
- ليس فقط أنهيار الزراعة في العراق بل الموت عطشا !
- الأراضي العراقية الممنوحة او المسلوبة
- المشهد الثقافي العراقي بين تقديس الغيبيات والولائية السلطوية ...
- التغاضي الأمريكي عن أنتهاكات حقوق الأنسان في العراق
- ارصدة الدولة العراقية( من عائدات النفط )تحت سيطرة وتحكم الول ...
- النفط العراقي في منظار السياسة الأمريكية
- وضع المرأة العراقية في ظل قوانين الأحوال الشخصية
- تحالف سائرون؟ في الانعاش ؟ أم أحيل على المعاش ؟
- اجراء سلطوي استفزازي ،لتصعيد القتل والقمع


المزيد.....




- جنيفر لوبيز تسرق الأضواء بفستان برغندي من زهير مراد في لوس أ ...
- تصميم جديد لـ -Joy Awards- وأبرز لحظات حفل غولدن غلوب الـ83 ...
- مصري يقابل آخر -ساحرات رومانيا-.. ما الذي اكتشفه؟
- المستشار الألماني: أفترض أن النظام الإيراني يعيش أيامه أو أس ...
- الخارجية الأمريكية لمواطنيها في إيران: -غادروا البلاد الآن- ...
- بين القوة والدبلوماسية ـ ترامب يدرس خيارات لاحتواء إيران
- احتجاجات غير مسبوقة في إيران.. هل تسقط النظام هذه المرة؟
- ماذا تعني دعوة العليمي إلى إغلاق السجون غير القانونية؟
- غزيون: نموت من البرد وخيامنا تتطاير
- -غادروا فورا-.. رسالة تحذيرية من أميركا لمواطنيها في إيران


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظم زغير التورنجي - التناقض بوصفه عقيدة: حين يتحوّل النفاق إلى سياسة رسمية