|
|
مقدمة مؤلف - الانسان ارتقاء نوع من اجل البقاء او انحراف طفروي للفناء - - مؤلف كتابي غير منشور
أمين أحمد ثابت
الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 15:33
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
مقدمة الكاتب
لم يعد الإنسان، في أفق المعرفة العلمية المعاصرة، يُفهم بوصفه كيانًا منغلقًا على ذاته أو معطًى أنطولوجيًا مكتملًا، بل أصبح يُقرأ بوصفه ظاهرة كونية–مادية عالية التعقيد، نشأت عند تقاطع طويل بين قوانين الفيزياء، وتفاعلات الكيمياء الحيوية، وآليات الانتقاء التطوري، بحيث يشكل الدماغ الإنساني إحدى أكثر البنى التي بلغ فيها تنظيم المادة مستوى يسمح لها بتمثيل ذاتها، وإعادة توصيف علاقتها بالكون الذي انبثقت منه. ومن هذا المنظور، فإن الوعي لا يظهر كاستثناء غامض داخل نظام مادي أعمى، بل كخاصية ناشئة عن تعقيد متراكم، تجعل من السؤال عن المعنى امتدادًا للسؤال عن التنظيم، لا قطيعة معه. لقد كشفت علوم الأعصاب الحديثة أن الدماغ لا يعمل بوصفه جهاز استقبال سلبي للمثيرات، بل كنظام تنبؤي نشط، يعيد باستمرار بناء نماذج داخلية للعالم، ويقيس الفارق بين ما يتوقعه وما يتحقق فعليًا، معدّلًا بنيته الوظيفية على أساس هذا الفارق. غير أن هذه القدرة، التي شكلت شرط التفوق التطوري للإنسان، تحمل في ذاتها قابلية الانحراف حين تصبح النماذج الذهنية أكثر ثباتًا من الواقع، وحين تتحول القدرة على التوقع إلى أداة لتبرير الاستمرار بدل تصحيح المسار. وهنا يظهر الخلل لا بوصفه نقصًا في المعرفة، بل فائضًا في التمثيل غير الخاضع للضبط العصبي والزمني. إن التقدم في التقنيات النانو-عصبية والواجهات الدماغية–الحاسوبية يكشف أن الحدود التقليدية بين الدماغ وأدواته الخارجية لم تعد صالحة، إذ أصبح بالإمكان دمج عناصر تقنية ضمن المخطط العصبي الوظيفي ذاته، بما يجعل التقنية امتدادًا مباشرًا للجهاز العصبي. هذا التداخل، على ما يحمله من وعود علاجية ومعرفية، يضاعف في الوقت ذاته هشاشة النظام، لأن أي خلل في منطق التصميم أو في معايير التحسين ينتقل مباشرة إلى مستوى التنظيم العصبي، حيث لا يعود الخطأ تقنيًا فحسب، بل وجوديًا، يمس طريقة الإدراك واتخاذ القرار ذاتها. ومن منظور كوني أوسع، تكشف الفيزياء الحديثة وعلم الكونيات أن الكون ليس بنية ساكنة أو مكتملة، بل عملية مستمرة من التحول، تخضع لقوانين احتمالية، وتوازنات غير مستقرة، وتاريخ طويل من الانفجارات والتمايزات. إن إدراك الإنسان لهذا الطابع الديناميكي للكون يفرض إعادة نظر جذرية في كل تصور يجعل من المعنى حالة نهائية، أو من الحقيقة بنية مغلقة. فكما أن الكون نفسه لا يبلغ حالة اكتمال، كذلك لا يمكن للمعرفة الإنسانية أن تدّعي بلوغ نقطة نهاية، دون أن تتحول إلى بنية معيقة للفهم. في هذا السياق، يُعاد النظر في المسألة الدينية لا بوصفها نقيضًا للعلم، بل بوصفها إحدى أقدم الاستجابات المعرفية لمحدودية الإنسان أمام اتساع الكون وغموض قوانينه. فالدين، في جذره العميق، يمثل محاولة رمزية لتنظيم العلاقة بين الإنسان والنظام الكوني، ومحاولة لتوليد انسجام نفسي واجتماعي يسمح بالاستمرار داخل عالم غير قابل للسيطرة الكاملة. غير أن هذه الوظيفة تتحول إلى عامل اختلال حين يُفصل الدين عن حركته التاريخية، ويُجمد في صيغ نهائية ترفض المراجعة، وتتعامل مع منتجات العقل بوصفها مطلقات لا تخضع لقوانين التطور المعرفي. إن الجدل المادي العلمي، حين يُفهم بوصفه أداة تحليل لا أيديولوجيا نفي، لا يسعى إلى إلغاء البعد الرمزي في التجربة الإنسانية، بل إلى ربطه بشروطه العصبية والكونية، بحيث يصبح المعنى وظيفة ناشئة عن تعقيد مادي، لا كيانًا مفارقًا له. ومن هذا المنظور، لا يكون التعارض الحقيقي بين العلم والدين، بل بين الانفتاح والجمود، وبين المعرفة بوصفها عملية تصحيح مستمرة، والمعرفة بوصفها يقينًا مغلقًا. وتكشف الدراسات العصبية أن الدماغ البشري مهيأ بطبيعته لإنتاج السرديات الكلية، والبحث عن الأنماط، وربط الأحداث ضمن أطر تفسيرية شاملة، وهي القدرة التي أنتجت الأسطورة، والدين، والفلسفة، والعلم بوصفها تجليات مختلفة لآلية عصبية واحدة، تختلف لا في أصلها، بل في درجة خضوعها للتجربة والتصحيح. فالعلم يتميز بقدرته على مراجعة ذاته عبر الخطأ، بينما تنحرف البنى الدوغمائية حين ترفض هذه الإمكانية، وتتعامل مع المعنى بوصفه حالة منتهية. وعلى مستوى الحضارة، يظهر أن الأزمة المعاصرة لا تكمن في تضخم المعرفة أو التقنية، بل في اختلال العلاقة بين السرعة والفهم، وبين القدرة على الفعل والقدرة على إدراك نتائجه. فالمنظومات التقنية تعمل وفق منطق تسارع أسي، بينما يظل الدماغ الإنساني محكومًا بقيود فيزيولوجية تحدد سرعة المعالجة وعمق الدمج، ما يخلق فجوة تنظيمية تتسع مع الزمن، وتُضعف آليات التصحيح الذاتي التي ميزت الأنظمة الطبيعية. من هنا، تنطلق هذه المقدمة بوصفها إطارًا جدليًا لا يسعى إلى الحسم، بل إلى التفكيك، ولا يدّعي تقديم إجابات نهائية، بل يعمل على إعادة صياغة السؤال حول الإنسان، بوصفه كائنًا بالغ القدرة، محدود البنية، يقف عند تقاطع العصبي والكوني، والعلمي والرمزي، والمادي والمعنوي. إنها مقدمة تُغلق شكليًا لتفتح معرفيا، وتنهي التمهيد لتبدأ المساءلة، وتترك عمدًا أفقها مفتوحًا، لأن ما لا يحتمل التوسيع، لا يحتمل الحقيقة.
أمين أحمد ثابت
مقدمة ومدخل استهلالي مفصل للكتاب المؤلف
لم يعد ممكنا، في لحظة المعرفة الراهنة، مقاربة الإنسان بوصفه معطى ثابتا أو كيانا مكتمل التكوين، بل أصبح يُنظر إليه كعملية مفتوحة، تخضع لإعادة تشكيل مستمرة بفعل تداخل معقّد بين البنية العصبية البيولوجية من جهة، والبنى التقنية–المعرفية التي أنتجها بنفسه من جهة أخرى، بحيث لم يعد الحد الفاصل بين ما هو طبيعي وما هو مُصنَّع حدًا واضحًا أو صالحًا للتفسير التقليدي. إن التقدم المتسارع في علوم الدماغ، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات النانو-عصبية، يكشف بصورة متزايدة أن ما نطلق عليه “العقل الإنساني” ليس جوهرًا مجردًا، بل منظومة مادية عالية التنظيم، تعمل وفق قوانين فيزيائية وكيميائية دقيقة، لكنها في الوقت ذاته قادرة على توليد سلوكيات تتجاوز التوقع الخطي البسيط. ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لم يعد: ما هو الإنسان؟ بل: كيف يعمل الإنسان بوصفه نظامًا ماديًا-عصبيًا قادرًا على إعادة إنتاج شروط فعله، بل وتجاوزها، أحيانًا على نحو يهدد استقراره البنيوي ذاته. إن هذا التحول في زاوية النظر يفرض إعادة صياغة شاملة لمفهوم الوعي، والإرادة، والذكاء، بوصفها ظواهر ناشئة عن تفاعلات عصبية قابلة للرصد والتعديل، لا بوصفها خصائص ميتافيزيقية مستقلة عن الجسد. وتشير الأبحاث النيرولوجية المعاصرة إلى أن الدماغ الإنساني يعمل بوصفه منظومة تنبؤية بالدرجة الأولى، إذ لا يقتصر دوره على استقبال المعلومات من البيئة، بل يقوم باستمرار ببناء نماذج داخلية للعالم، ويقيس الفجوة بين ما يتوقعه وما يحدث فعليًا، معدّلًا سلوكه على أساس هذه الفجوة. غير أن هذه القدرة التنبؤية، التي شكّلت أساس التفوق التطوري للإنسان، تحمل في داخلها قابلية كامنة للانحراف، حين تصبح النماذج الداخلية أكثر تأثيرًا من الواقع ذاته. فمع تضخم الذاكرة الرمزية، وقدرة التخزين، والتجريد، لم يعد الدماغ يعمل فقط على تقليل الخطأ التنبؤي، بل صار قادرًا على تبرير هذا الخطأ، وإعادة تأطيره معرفيًا، بما يسمح باستمرار أنماط سلوكية غير متزنة، طالما أنها منسجمة مع النموذج الذهني السائد. وهنا يظهر البعد المادي الخالص للمأزق: فالعطب لا يكمن في غياب البيانات، بل في طريقة معالجتها داخل شبكة عصبية أصبحت قادرة على حماية ذاتها من التصحيح.
إن التطورات في مجال التقنيات النانو-دماغية، التي تسمح بالتدخل المباشر في الخلايا العصبية، وتعديل الإشارات الكهرو-كيميائية، تكشف بوضوح أن ما يُسمى بالقرار الحر ليس حدثًا منفصلًا عن شروطه الفيزيولوجية، بل نتيجة لتراكم عمليات دقيقة يمكن، من حيث المبدأ، التأثير فيها أو إعادة توجيهها. هذا الاكتشاف لا ينفي المسؤولية الإنسانية، لكنه يعيد تعريفها بوصفها مسؤولية عن بنية النظام، لا عن لحظة الاختيار المعزولة. وفي هذا الإطار، يصبح الإنسان كائنًا مسؤولًا عن تنظيم شروط وعيه بقدر ما هو مسؤول عن أفعاله، لأن القدرة على الفعل ذاتها أصبحت قابلة للتضخيم أو التشويه بفعل التقنية. ومن هنا، لا يعود الخطر في التقنية ذاتها، بل في انسجامها مع بنية عصبية تطورت أصلًا ضمن شروط بيئية بطيئة الإيقاع، بينما تُدفع اليوم إلى العمل داخل زمن اصطناعي متسارع، يتجاوز قدرتها الطبيعية على التكيف.
إن الجدل المادي-العلمي، في صيغته المعاصرة، لا يتعامل مع الإنسان بوصفه “استثناءً كونيًا”، بل بوصفه حالة خاصة من تنظيم المادة، خاضعة للقوانين نفسها التي تحكم سائر الظواهر الفيزيائية، مع اختلاف في درجة التعقيد لا في طبيعة الجوهر. غير أن هذا المنظور، بدل أن يفضي إلى تواضع معرفي، كثيرا ما يستخدم لتبرير نزعة سيطرته التي يرى في قدرته التقنية امتدادا مشروعا لقوانين الطبيعة نفسها. هذا الخلط بين الوصف والتبرير يمثل أحد أخطر الانزلاقات الفكرية، إذ يتم الانتقال من القول بأن الإنسان قادر ماديًا على الفعل، إلى افتراض أن كل ما هو ممكن تقنيًا هو مبرر وجوديًا. وهنا يفقد الفكر العلمي وظيفته النقدية، ويتحول إلى أداة عقلنة لمسار قد يكون، في جوهره، غير قابل للاستدامة على المدى الطويل. هذا وتكشف دراسات اللدونة العصبية أن الدماغ الإنساني لا يتوقف عن إعادة تشكيل نفسه استجابةً للتجربة، وأن أنماط الاستخدام المعرفي والتقني تترك بصماتها المادية على الشبكات العصبية ذاتها. وهذا يعني أن العلاقة بين الإنسان وتقنيته ليست علاقة خارجية، بل علاقة تشكّل متبادل، حيث لا يغير الإنسان أدواته فحسب، بل يعيد تشكيل جهازه العصبي بما يتلاءم مع منطق هذه الأدوات. وفي ظل الانتشار الواسع للواجهات الرقمية، والخوارزميات التنبؤية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال المطروح هو: أي نوع من الأدمغة نعيد إنتاجه؟ وهل يقود هذا التشكّل العصبي الجديد إلى تعزيز القدرة على الفهم المركب، أم إلى اختزال التجربة الإنسانية في أنماط استجابة سريعة، عالية الكفاءة، لكنها فقيرة العمق؟
وقد اشير تجريبيا الى إن أحد الملامح اللافتة في الأبحاث العصبية الحديثة هو اكتشاف التوتر البنيوي بين دوائر المكافأة قصيرة المدى، ودوائر التقييم طويل المدى داخل الدماغ. فبينما تدفع الأولى نحو الاستجابة السريعة، والاستهلاك، والتكرار، تعمل الثانية على تقدير العواقب، وتأجيل الإشباع. غير أن البيئة التقنية المعاصرة، بما تحمله من تسارع وتحفيز دائم، تميل بشكل منهجي إلى تضخيم الدوائر الأولى على حساب الثانية. هذا الاختلال لا يُنتج فقط سلوكًا فرديًا مندفعًا، بل يعيد تشكيل الثقافة ذاتها بوصفها امتدادًا لنمط عصبي مهيمن، حيث يصبح التوسع، والإنتاج، والتراكم، قيمًا بديهية، لا تخضع لمساءلة جدية حول جدواها النهائية. وهنا يتقاطع العصبي بالاقتصادي، والمادي بالفكري، في مسار واحد يعيد إنتاج نفسه باستمرار.
وعودة للمستقرأ من منظور مادي صارم، يمكن النظر إلى الحضارة الإنسانية المعاصرة بوصفها تضخيمًا غير مسبوق لقدرة الدماغ على التأثير خارج نطاقه البيولوجي المباشر. غير أن هذا التضخيم لم يكن مصحوبًا بتوسيع موازٍ لقدرة الدماغ على استيعاب نتائج هذا التأثير. فالفجوة بين الفعل والأثر اتسعت إلى حد جعل التصحيح التلقائي، الذي يميز الأنظمة الطبيعية، غير فعّال. إن هذا الخلل لا يعني أن النظام سينهار بالضرورة، لكنه يعني أنه يعمل خارج شروط الاتزان المثلى، وأن أي صدمة كبرى قد تؤدي إلى تصحيحات عنيفة، لا تدريجية. ومن هنا، يصبح تحليل الإنسان بوصفه نظامًا ماديًا-عصبيا شرطا أساسيا لفهم مصير المنظومات التي أنتجها. وتظهر أبحاث الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في مجالات الشبكات العصبية العميقة، أن الذكاء، في جوهره، لا يحتاج إلى وعي أو معنى لكي يكون فعالًا، بل إلى بنية قادرة على تحسين أدائها وفق معيار محدد. غير أن هذا الاكتشاف، حين يُسقط على الإنسان، يكشف مفارقة مقلقة: فالإنسان نفسه قد بدأ يعمل، في كثير من السياقات، بوصفه نظام تحسين أعمى، يسعى إلى تعظيم مؤشرات معينة للنجاح، دون مساءلة المعايير ذاتها. وهكذا، يلتقي الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني في نقطة حرجة، حيث يصبح التفوق التقني مرآة تعكس محدودية التعريف الذي يمنحه الإنسان لذاته ولمعنى تقدمه. وعليه فإن إعادة إدخال البعد العصبي-المادي في تحليل الفكر الإنساني لا تهدف إلى اختزاله، بل إلى تحريره من الأوهام التي علّقها بذاته. فالفهم العلمي العميق للدماغ لا يقلل من قيمة الإنسان، بل يضعها ضمن إطار واقعي يسمح بمساءلة المسار بدل تمجيده. إن تجاهل هذه المعطيات، أو التعامل معها بوصفها تهديدًا للخصوصية الإنسانية، لا يخدم إلا استمرار نمط فكري منفصل عن شروطه المادية. ومن هنا، فإن المقدمة التي بين أيدينا لا تنطلق من نزعة تقويضيه، بل من محاولة تأسيس أرضية تحليلية صلبة، تبنى عليها مساءلة لاحقة أكثر دقة وجرأة. وعلى ما سبق نحاول السعي هنا إلى تثبيت فرضية مركزية مفادها أن الإنسان، بوصفه كائنا عصبيا-ماديا فائق التعقيد، قد دخل مرحلة تاريخية أصبحت فيها قدرته على الفعل أسرع من قدرته على الفهم، وأوسع من قدرته على الضبط. إن هذا الاختلال لا يُختزل في أزمة أخلاق أو سياسة، بل يمثل نتيجة منطقية لمسار تطوري-تقني لم يُدمج فيه مفهوم الحد بوصفه عنصرا بنيويا - دون إعادة ربط التقدم العلمي بفهم عميق لحدود الدماغ، ووظائفه، وقابليته للتشويه تحت ضغط التسارع، يبقى الإنسان مهددا بأن يتحول من كائن منتج للمعنى إلى نظام فعال يفتقر إلى البوصلة. ومن هنا، تنطلق هذه الدراسة بوصفها محاولة علمية-فكرية لتفكيك هذا المسار، لا من خارجه، بل من قلب بنيته المادية ذاتها.
وباستزادة من محتوى التقدم المعرفي التراكمي في علوم الأعصاب التجريبي لا يكتفي اليوم بوصف البنية التشريحية للدماغ أو تحديد وظائف مناطقه، بل يتجه بصورة متزايدة إلى فهم الدماغ بوصفه نظامًا ديناميا غير خطي، يعمل عبر شبكات مترابطة تتغير خصائصها الوظيفية تبعًا للسياق، والتاريخ التجريبي، وشروط التحفيز المستمرة. هذا الفهم يقوّض التصورات الاختزالية التي ترى في السلوك الإنساني سلسلة استجابات بسيطة، ويكشف بدلًا من ذلك عن بنية معقّدة يكون فيها الفعل نتيجة لتفاعل مستويات متعددة من التنظيم العصبي، تمتد من النشاط الجزيئي داخل المشابك العصبية إلى الأنماط الكلية للنشاط الشبكي. غير أن هذه الصورة، على عمقها العلمي، تطرح إشكالية مادية دقيقة، تتمثل في أن النظام كلما ازداد تعقيدًا، ازدادت حساسيته للاختلالات الصغيرة، وأصبح أكثر عرضة لانزلاقات تراكمية لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تعيد تشكيل المسار على المدى الطويل. وفي هذا الإطار، لا يعود السؤال عن قدرة الدماغ على التكيف سؤالًا مطلقًا، بل سؤالًا عن حدود هذا التكيف حين يتعرض النظام لضغوط زمنية وتقنية تتجاوز الإيقاع الذي تطورت ضمنه بنيته البيولوجية. وهنا تظهر الدراسات المعاصرة في مجال الواجهات الدماغية–الحاسوبية أن الدماغ قادر على دمج عناصر تقنية خارجية ضمن مخططه الوظيفي الداخلي، بحيث تصبح الأدوات امتدادًا فعليًا للجهاز العصبي، لا مجرد وسائل مساعدة خارجية. هذا الدمج، الذي يمثل ذروة في تاريخ التفاعل بين الإنسان والتقنية، يكشف في الوقت ذاته عن هشاشة غير مسبوقة، لأن أي خلل في تصميم هذه الواجهات أو في منطق عملها لا يبقى محصورًا في المجال التقني، بل ينتقل مباشرة إلى مستوى التنظيم العصبي ذاته. إن هذا التداخل العميق يفرض إعادة نظر جذرية في مفهوم الاستقلال الذاتي للعقل، إذ لم يعد الدماغ يعمل ضمن حدود بيولوجية مغلقة، بل داخل بيئة هجينة، تتقاطع فيها الإشارات العصبية الطبيعية مع تدفقات معلومات اصطناعية، تخضع لمنطق الكفاءة والتحسين، لا لمنطق الاتزان الحيوي. وهنا تظهر مفارقة مادية صريحة: فكلما ازدادت قدرة الإنسان على توسيع مداركه عبر التقنية، تقلصت قدرته على ضمان أن هذا التوسيع يخدم استقراره البنيوي. وعليه في ضوء ما سبق أعلاه ، يصبح من الضروري إعادة تقييم مفهوم الذكاء ذاته، لا بوصفه مقدارًا كميًا يمكن تعظيمه بلا نهاية، بل بوصفه وظيفة تنظيمية تهدف، في أصلها التطوري، إلى تقليل المخاطر الوجودية. غير أن الذكاء الإنساني، في سياقه الحضاري المعاصر، قد انفصل تدريجيًا عن هذه الوظيفة، وأصبح يعمل بوصفه أداة تعظيم للأثر، لا أداة ضبط له. إن هذا الانفصال يتجلى بوضوح في المسافة المتزايدة بين القدرة على الابتكار والقدرة على التنبؤ بالعواقب البعيدة المدى، وهي مسافة لا يمكن ردمها بمزيد من البيانات أو النماذج الحسابية وحدها، لأنها ترتبط ببنية القرار ذاتها، وبالطريقة التي يُمنح بها الوزن العصبي للمكافأة الفورية مقارنة بالتكلفة المؤجلة. وهنا، يتحول الذكاء من عامل أمان إلى عامل مخاطرة، لا بسبب نقصه، بل بسبب فائضه غير المنظم. وتشير الأبحاث في علم الأعصاب الاجتماعي إلى أن الدماغ الإنساني تطور ضمن سياقات جماعية محدودة الحجم نسبيا، حيث كان الفعل الفردي مرتبطًا مباشرة بردود فعل اجتماعية ملموسة. غير أن المنظومات التقنية الحديثة قد فصلت الفعل عن هذا الإطار، ووسّعت نطاق التأثير إلى مستويات لم يعد الدماغ قادرًا على تمثيلها وجدانيًا أو أخلاقيًا. هذا الانفصال بين نطاق الفعل ونطاق الإدراك يولّد فراغًا تنظيميًا، تملأ فيه القرارات بمعايير تقنية أو اقتصادية مجردة، لا ترتبط بتجربة حسية مباشرة للنتائج. ومن منظور مادي، فإن هذا التحول يعطّل إحدى أهم آليات الضبط العصبي، وهي الربط بين الفعل والأثر عبر منظومات الانفعال والتعاطف، ما يسمح باستمرار أنماط سلوكية عالية التأثير دون كوابح داخلية فعالة.
وتذهب العلوم التجريبية الدقيقة نحو اتجاهات ابعد ، والتي تتمثل بإمكانية التعامل الادخالي لتقنيات النانو-عصبية، القادرة على التفاعل مع الخلايا العصبية على مستوى الجزيئات والبروتينات، يفتح أفقًا جديدًا لفهم الدماغ، لكنه في الوقت ذاته يعمّق الإشكال الأخلاقي–العلمي، لأن القدرة على التعديل الدقيق لا تعني بالضرورة القدرة على التنبؤ الكلي. فالدماغ، بوصفه نظامًا معقدًا، لا يستجيب للتدخلات الخطية بصورة متناسبة، بل قد يُنتج تأثيرات مضاعفة أو غير متوقعة. ومن هنا، يصبح التحكم التقني في الدماغ سلاحًا ذا حدين، إذ يمكن أن يُستخدم في العلاج والتأهيل، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أداة لإعادة تشكيل السلوك وفق معايير خارجية لا تنبع من منطق التوازن الحيوي، بل من منطق الأداء والإنتاجية. وهذا التحول، إن لم يُفهم ضمن إطاره المادي التطوري، يحمل في طياته خطر إعادة تعريف الإنسان بوصفه موردا قابلا للضبط، لا كيانًا يسعى إلى الاتزان. وعودة الى منظور الفكر المادي العلمي، حين يُفهم على نحو نقدي عميق، لا يختزل الإنسان إلى آلية، بل يرفض في المقابل كل تصور يعفيه من شروطه الفيزيائية. غير أن الاستخدام الأداتي لهذا الفكر قد أدى، في كثير من السياقات، إلى تبرير اختلالات بنيوية بوصفها نتائج طبيعية للتقدم. وهنا يحدث الخلط بين ما هو ممكن علميًا، وما هو قابل للاستمرار وجوديًا. فالقوانين الطبيعية لا تمنح شرعية تلقائية لكل استغلال ممكن لها، بل تفرض في المقابل حدودًا صارمة لا تظهر آثار تجاوزها إلا بعد تراكم طويل. ومن هذا المنظور، فإن تجاهل البعد العصبي–الزمني في تحليل التقدم العلمي يؤدي إلى إنتاج معرفة عالية الدقة، لكنها فاقدة للبوصلة الوجودية. كما ويتجلى أحد أعمق مظاهر الأزمة المعاصرة يتمثل في اختلال العلاقة بين السرعة والفهم. فبينما تعمل المنظومات التقنية وفق منطق تسارع أسي، لا يزال الدماغ الإنساني محكومًا بقيود فيزيولوجية تحدد سرعة المعالجة، وعمق الدمج، وقدرة التقييم. هذا التفاوت لا يمكن تجاوزه بمجرد تحسين الواجهات أو زيادة التحفيز، لأنه متجذر في بنية الجهاز العصبي ذاته. وحين يُدفع الدماغ للعمل باستمرار خارج نطاقه الأمثل، تظهر أنماط جديدة من الإرهاق المعرفي، والتبسيط الإدراكي، والاعتماد على القوالب الجاهزة، وهي أنماط قد تزيد الكفاءة السطحية، لكنها تضعف القدرة على التفكير التركيبي العميق. وهنا يتجسد الخطر الحقيقي: ليس في فقدان الذكاء، بل في تحوله إلى أداة سريعة بلا عمق.
وإذا ذهبنا الى التفكير من منظور تطوري، يمكن النظر إلى هذه المرحلة بوصفها لحظة انفصال بين مسار الانتقاء الطبيعي ومسار الانتقاء التقني. فالانتقاء الطبيعي يعمل ببطء، ويعاقب الاختلالات تدريجيًا، بينما يعمل الانتقاء التقني بسرعة، ويكافئ الأداء حتى لو كان على حساب الاستقرار طويل الأمد. هذا التباين يخلق فجوة تنظيمية لم يسبق للحياة أن واجهتها بهذا الحجم. إن الإنسان، بوصفه نقطة الالتقاء بين هذين المسارين، يجد نفسه في وضع غير مسبوق، حيث يمتلك القدرة على تسريع التحولات دون امتلاك آليات بيولوجية موازية لاستيعابها. ومن هنا، لا يعود السؤال عن السيطرة على الطبيعة، بل عن السيطرة على مسار السيطرة ذاته. وعليه سيكون جليا علينا لإعادة التفكير في مفهوم البقاء، في ضوء هذه المعطيات، تفرض تجاوز الفهم الكلاسيكي الذي يربطه بالاستمرار الكمي أو بالتوسع الدائم. فالبقاء، من منظور مادي–عصبي، هو قدرة النظام على الحفاظ على توازنه الوظيفي ضمن حدود متغيرة، لا قدرته على تعظيم إنتاجه بلا قيود. غير أن هذا الفهم يصطدم بمنظومات معرفية واقتصادية ترى في الحد تهديدا، وفي الضبط عائقًا، وفي التوقف فشلًا. وهكذا، يُعاد إنتاج الاختلال بوصفه فضيلة، ويُقصى الاتزان بوصفه نقصا في الطموح. وهذه المفارقة تمثل جوهر الأزمة التي يسعى هذا العمل إلى تفكيكها. وعليه، فإن هذه المقدمة، بما راكمته من معطيات عصبية، وتقنية، ومادية، لا تهدف إلى إغلاق السؤال، بل إلى فتحه على اتساعه الحقيقي. فهي لا تدّعي تقديم تفسير نهائي لمسار الإنسان، ولا تزعم امتلاك وصفة تصحيح جاهزة، بل تسعى إلى تثبيت نقطة انطلاق تحليلية ترى في الإنسان كائنًا بالغ القدرة، لكنه محدود البنية، وفي التقدم مسارًا مشروطًا لا مطلقًا. ومن هذا الموضع المفتوح، يمكن توسيع النقاش، وتعميقه، وإدخال طبقات إضافية من التحليل، سواء على مستوى النماذج العصبية الدقيقة، أو على مستوى الجدل الفلسفي المادي، أو على مستوى انعكاسات هذا المسار على مستقبل الوعي الإنساني ذاته. فالمقدمة، هنا، لا تُغلق الكتاب، بل تتركه عمدًا في حالة توتر معرفي خلاق، يسمح بإعادة البناء بدل الاكتفاء بالوصف، ويُبقي السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يستمر في توسيع قدرته، دون أن يعيد تعريف معنى الاستمرار نفسه؟ وفي معرض لبعد آخر واخير في محتوى هذا المؤلف مهم ايراده والمتمثل بمفهوم ومسألة الدين واشكاليته في تجليه وتجسده الواقعي البشري بمعرف تجسد طابعه ومفهومه الشخصان المتفق بين الافراد والمختلف من فرد لآخر ، واهمية تناول هذا البعد بوصفه ظاهرة إنسانية كلية، لا كمجرد منظومة اعتقادية مغلقة أو خطاب معياري أخلاقي، بل كبنية رمزية-أنطولوجية نشأت في صلب الصراع الوجودي للكائن البشري مع شروط بقائه المادي والرمزي، حيث يتداخل فيه البيولوجي بالثقافي، والغريزي بالميتافيزيقي، في محاولة الإنسان الدائمة لإنتاج معنى يتجاوز هشاشته العضوية وزمنه الفاني، الأمر الذي يجعل من الدين وظيفة مزدوجة الاحتمال: إمّا أداة ارتقاء نوعي تعيد تنظيم علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، أو انحرافًا طفرويًا يجمّد طاقته التطورية ويعيد توجيهها نحو أنماط فناء بطيء، فردي وجماعي، تحت غطاء الخلاص المتخيَّل. ومن هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة الدين خارج جدلية البقاء، لأن الإنسان لم يكن يومًا كائنًا متدينًا لذاته، بل كائنًا مهدَّدًا باستمرار، اضطر إلى إنتاج أشكال رمزية كبرى لتسكين القلق الوجودي الناتج عن وعيه بالموت، وهو وعي لا تمتلكه الكائنات الأخرى، ما يجعل الدين نتاجًا مباشرًا لتطوّر الوعي وليس لعامل غيبي منفصل، بل لاحتكاك العقل الناشئ بحدود الطبيعة، حيث تحوّل الخوف من الفناء إلى منظومة اعتقاد تُعيد ترتيب العالم على نحو يمنح الإنسان وهم السيطرة والمعنى. فمن منظور المادية الجدلية، يُفهم الدين بوصفه بنية فوقية ناتجة عن شروط مادية محدّدة، لكنه ليس انعكاسًا آليًا بسيطًا لها، بل تعبيرًا جدليًا عن تناقضات الواقع الاجتماعي والاقتصادي في مرحلة تاريخية معينة، حيث يتشكّل الوعي الديني كاستجابة رمزية لصراع الإنسان مع الطبيعة ومع الإنسان الآخر، في سياق علاقات الإنتاج، ما يجعل الدين في لحظة ما عامل تماسك اجتماعي ورافعة تنظيمية للبقاء الجمعي، وفي لحظة أخرى أداة تبرير للهيمنة وتعطيل الحركة التاريخية. فالدين، في هذا الأفق، لا يُدان أخلاقيًا ولا يُمجَّد ميتافيزيقيًا، بل يُحلَّل بوصفه وظيفة تاريخية لعبت دورًا في ضبط العنف، وتكثيف المعنى، وتنظيم الجماعة، غير أنّ تحوّله إلى بنية مغلقة، تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة خارج الزمن، يجعله قوة معادية للتطور، لأن الجمود الأيديولوجي يتناقض مع الحركة الجدلية للتاريخ، حيث لا بقاء إلا عبر التغيّر، ولا ارتقاء إلا عبر نفي الأشكال المتقادمة. وهنا يتبدّى السؤال الجوهري: هل الدين لحظة ضرورية في تطوّر الوعي الإنساني، أم خطأ تاريخي تحوّل إلى عبء أنطولوجي؟ والإجابة الجدلية لا تنحاز إلى أحد الطرفين، بل ترى في الدين ظاهرة انتقالية، لعبت دورًا تطوريًا في لحظة ما، ثم تحوّلت، بفعل تثبيتها وتقديسها، إلى عائق أمام انبثاق وعي أكثر اتساقًا مع شروط العصر.
أما المادية الميكانيكية والوظيفية، فتتعامل مع الدين بوصفه آلية تنظيمية تشبه باقي الأنظمة الحيوية التي تنتجها الجماعات البشرية لضمان الاستقرار وتقليل الفوضى، حيث يُختزل الدين إلى مجموعة من الوظائف النفسية والاجتماعية: تخفيف القلق، ضبط السلوك، تعزيز الانتماء، وتبرير النظام القائم، دون الالتفات إلى عمقه الرمزي أو توتره الأنطولوجي، وهو اختزال يكشف جانبًا من الحقيقة لكنه يعجز عن الإحاطة بالظاهرة كاملة. في هذا المنظور، يصبح الدين أشبه بعضو اصطناعي أُضيف إلى الجسد الاجتماعي لتعويض نقص بنيوي في قدرة الإنسان على تحمّل اللايقين، غير أن هذا العضو، حين يستمر بعد زوال الحاجة الوظيفية إليه، قد يتحول إلى عبء يعيق الحركة، بل إلى ورم يستهلك طاقة الجسد بدل أن يخدم بقاءه، وهو ما يفسّر تحوّل بعض البنى الدينية من أدوات ضبط إلى مصادر عنف وصراع. وتكمن خطورة المقاربة الوظيفية الخالصة في أنها تفصل الدين عن سؤاله الوجودي العميق، فتتعامل معه كأداة صمّاء، متناسية أن الإنسان لا يعيش بالوظيفة وحدها، بل بالمعنى، وأن انهيار المعنى قد يكون أكثر فتكًا من غياب النظام، ما يجعل تجاوز الدين، من هذا المنظور، عملية محفوفة بالمخاطر إذا لم يُستبدل بإطار رمزي قادر على أداء الوظيفة الوجودية نفسها دون الوقوع في فخ الجمود. وفي المقابل، تذهب الميتافيزيقا الكونية إلى اعتبار الدين تعبيرًا عن اتصال الإنسان ببنية كونية أعمق، حيث لا يُختزل الوجود في المادة وحدها، بل يُنظر إليه كنسيج متعدد المستويات، تتداخل فيه الطاقة، والوعي، والمعنى، ويصبح الدين محاولة بدائية أو متقدمة – بحسب السياق – لقراءة هذا النسيج وإعادة تمثيله في صور ورموز وقصص كونية. غير أن الإشكال الجوهري في هذا التصور يتمثّل في القفز من الإحساس بالدهشة الكونية إلى اليقين المطلق، ومن التجربة الروحية الفردية إلى نظام عقائدي شامل، حيث يتحول السؤال المفتوح إلى جواب مغلق، والبحث إلى عقيدة، وهو التحول الذي يفرغ التجربة الميتافيزيقية من بعدها الديناميكي، ويحوّلها إلى سلطة معرفية تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية. وهكذا، فإن الدين، حين ينفصل عن تواضع السؤال الكوني، ويتحوّل إلى خطاب يقيني، يكفّ عن كونه أفقًا للتأمل، ويغدو أداة إقصاء وتكفير، ما يجعل الميتافيزيقا، بدل أن تكون حافزًا للارتقاء الوجودي، ذريعة لتثبيت بنى فكرية تعادي العقل وتكبح تطور الوعي. وبتعريج نحو الفكر اللاهوتي الميتافيزيقي، نجده يعيد مركزية الدين إلى فكرة الغاية المطلقة، حيث يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا مُوجَّهًا نحو خلاص يتجاوز العالم المادي، ويُفهم الوجود الأرضي كمرحلة اختبار لا كحقل تحقق، وهو تصور يمنح معنى قويًا للألم والموت، لكنه في الوقت ذاته يحمل قابلية عالية لفصل الإنسان عن واقعه التاريخي، وتحويل طاقته الفاعلة إلى انتظار سلبي لما بعد الحياة. في هذا السياق، يصبح السؤال عن الارتقاء البيولوجي أو الحضاري سؤالًا ثانويًا، لأن القيمة الحقيقية تُرحَّل إلى عالم آخر، ما قد يحوّل الدين من محرّك للبقاء إلى عامل تبرير للفناء، ليس بمعناه الفيزيائي فقط، بل بمعناه الحضاري، حيث تتآكل القدرة على الإبداع والتجديد لصالح الامتثال والطاعة. غير أن اللاهوت، في أعمق تجلياته، لا يخلو من بعد تحرري، حين يُفهم الإله بوصفه أفقًا للقيم العليا لا سلطة قمعية، وحين يتحول الإيمان إلى دافع أخلاقي لتحسين شروط الحياة، لا للهروب منها، وهو التوتر الداخلي الذي يجعل اللاهوت نفسه ساحة صراع بين نزعة ارتقائية ونزعة انحرافيه. وبمراجعة حصرية للمتجهات الفكرية الجدلية ، يتبدى الدين كظاهرة حدية تقف على تخوم الارتقاء والانحراف، حيث لا يمكن الحكم عليه بمعزل عن سياقه التاريخي، ولا عن البنية النفسية والاجتماعية التي يحتضنها، فالدين ليس جوهرًا ثابتًا، بل سيرورة، تتغير وظائفها ودلالاتها بتغيّر شروط البقاء، ما يجعل السؤال الحقيقي ليس: هل الدين حق أم باطل؟ بل: كيف يوظف الدين داخل منظومة الحياة؟ فحين يعاد تأويل الدين بوصفه خطابًا رمزيًا مفتوحًا، يحفّز المعنى دون أن يغلقه، ويمنح القيم دون أن يصادر العقل، يمكن أن يصبح عامل ارتقاء، يساهم في تماسك الإنسان أمام عبثية الوجود، أما حين يتحول إلى أيديولوجيا جامدة، تفرض نموذجًا واحدًا للوجود، وتكفّر الاختلاف، فإنه ينقلب إلى انحراف تطوري، يسرع مسارات الفناء الرمزي والمادي. وهكذا، فإن مأزق الدين ليس في وجوده، بل في تصلّبه، وليس في إيمانه، بل في ادعائه الاكتمال، حيث يتناقض الاكتمال مع الحياة، لأن الحياة، في جوهرها، نقص دائم وسيرورة لا تنتهي. وعليه، فإن الإنسان، بوصفه كائنا تطوريا واعيا، مطالب بإعادة مساءلة الدين لا لنفيه السطحي، ولا لتقديسه الأعمى، بل لإعادة إدراجه داخل مشروع الارتقاء النوعي، حيث يُفهم الإيمان كطاقة رمزية قابلة للتحويل، لا كقيد أنطولوجي، وحيث يُستعاد السؤال بدل الجواب، والبحث بدل اليقين، باعتبارهما شرطين أساسيين للبقاء في عالم متغيّر. إن الدين، في نهاية التحليل، مرآة للإنسان نفسه : فإن كان في حالة صعود، صعد به، وإن كان في حالة انغلاق، أغلقه داخل أسوار المعنى الموروث، ما يجعل الصراع الحقيقي ليس بين الدين والعلم، ولا بين الإيمان والمادية، بل بين عقل حيّ قادر على تجاوز أشكاله السابقة، وعقل ميت يتمسّك بأطلال اليقين خوفًا من المجهول. وبهذا المعنى، لا يكون السؤال: هل الدين ارتقاء أم انحرافًا؟ بل: أي إنسان نريد أن نكون، وأي دين يليق بكائن يسعى للبقاء لا عبر الهروب من العالم، بل عبر فهمه وتحويله. وبمنظور آخر لمنظور جدلية الظهور لنوع الانسان على أساس مفهوم الضرورة المفتاح الجدلي الأعمق لفهم ظهور نوع الإنسان، لأن السؤال عن الدين لا ينفصل عن السؤال الأسبق: لماذا وُجد الإنسان أصلًا؟ وهل كان ظهوره نتيجة حتمية لتحوّلات المادة في شروط أرضية محددة، أم أنه استجابة لإرادة كونية واعية استدعت نوعًا قادرًا على تمثّل الوجود والتفاعل مع قوانينه؟ فالضرورة هنا ليست مجرّد حتمية ميكانيكية، بل أفق تفسير يتصارع داخله المادي والميتافيزيقي، التاريخي والكوني. فمن منظور المادية الجدلية، لا يظهر الإنسان بوصفه معجزة انقطاع، بل بوصفه تتويجا مؤقتا لسلسلة طويلة من التحولات الكمية التي بلغت لحظة قفز نوعي، حيث تحوّلت المادة من التنظيم البيولوجي الغريزي إلى التنظيم الواعي، ما يجعل الوعي نفسه خاصية ناشئة لا جوهرًا مفارقًا، ويجعل الدين أحد متمثلات هذا الوعي في طوره الأولي، حين لم يكن العقل قد امتلك أدواته العلمية لتفسير العالم. وفق هذا التصور السابق ، فإن الضرورة التي أفرزت الإنسان ليست ضرورة غائية، بل ضرورة بنيوية نابعة من تعقّد المادة ذاتها، حيث إن تراكم التناقضات داخل البنى البيولوجية والاجتماعية أدّى إلى نشوء كائن قادر على الوعي بذاته وبمحيطه، لا لأن الكون “أراده”، بل لأن شروطه سمحت بذلك، في لحظة توازن هش بين الصدفة والقانون. غير أن هذه القراءة، على قوتها التفسيرية، تصطدم بسؤال لا تستطيع الإجابة عنه بالكامل: لماذا بلغ التطور هذه العتبة تحديدًا؟ ولماذا لم يتوقف عند أشكال أقل تعقيدًا؟ وهو سؤال يفتح ثغرة جدلية تسمح بعودة الميتافيزيقا من الباب الخلفي، لا بوصفها نقيضًا للمادة، بل بوصفها تأمّلًا في منطق الضرورة ذاته، وهل هو أعمى بالكامل أم يحمل انتظامًا يتجاوز المصادفة الخالصة. وهنا يتبدى الدين، في نشأته الأولى، كاستجابة رمزية لهذا الغموض، حيث حاول الإنسان تفسير ضرورته الخاصة عبر إرجاعها إلى قوة أعلى، لا هروبًا من العقل، بل لأن العقل ذاته كان في طور التشكل. في المقابل، تطرح الميتافيزيقا الكونية فرضية مغايرة، ترى في ظهور الإنسان ضرورة كونية لا أرضية فحسب، حيث يُفهم الوجود بوصفه نظامًا ديناميكيًا يسعى إلى الوعي بذاته عبر أشكال متعاقبة، ويغدو الإنسان إحدى تجليات هذا السعي، لا مركزه المطلق ولا صدفة عابرة، بل حلقة في سلسلة وعي كوني يتدرّج من المادة الصمّاء إلى العقل العاكس. في هذا الأفق، لا يعود السؤال: هل الإنسان نتاج المادة؟ بل: أي مادة هذه التي تنطوي على إمكانية الوعي؟ وهل المادة ذاتها محايدة أم مشبعة بإمكانات كامنة لا تنكشف إلا في شروط مخصوصة؟ وهنا تتقاطع الميتافيزيقا مع العلم، لا لتلغيه، بل لتوسيع أفق تساؤلاته، حيث تصبح الضرورة ليست فقط نتيجة قوانين فيزيائية، بل تعبيرًا عن انتظام كوني أعمق. ويعاد تأويل الدين، في هذا السياق، كذاكرة رمزية لهذا الانتظام، لا كنص حرفي عن الخلق، بل كحدس بدائي بأن الإنسان ليس معزولًا عن الكون، بل مندمج في سيرورته. بينما نجد الدين في الفكر اللاهوتي الميتافيزيقي، كما لو أنه يقدم تفسيرا بصيغة ثابتة محسومة سلفا في مسألة وجود الانسان كخلق خاص، يرى في خلقه ككائن مقصود وقد خُلق بإرادة واعية، لا كحلقة تطورية عمياء، بل كخليفة، أي ككائن مُنح الوعي ليحمل مسؤولية التعمير أو الإفساد، حيث لا تكون الضرورة هنا مادية ولا كونية مجردة، بل ضرورة إرادية نابعة من قصد الخالق في تجديد الحياة وإدارتها، وكذلك في إنهائها حين تستنفد غايتها. وفي هذا التصور، لا يظهر الدين كمنتج ثانوي للوعي، بل كجزء أصيل من بنية الإنسان، لأن الوعي نفسه مُشبَع منذ البداية بسؤال الغاية، لا بوصفه نقصًا معرفيًا، بل كشرط أنطولوجي، يجعل الإنسان مختلفًا عن سائر الكائنات. غير أن الإشكال الجدلي هنا يتمثّل في تحويل هذا القصد الإلهي إلى معرفة مكتملة، حيث ينتقل الإنسان من موقع الشاهد إلى موقع الناطق باسم الإرادة الكونية، وهو ما يفتح الباب لتحويل الدين من أفق أخلاقي مفتوح إلى سلطة مغلقة، تدعي تمثيل المطلق داخل النسبي.
ويتعقد المشهد أكثر حين يطرح سؤال الخلق الجيني أو التدخل الكوني، حيث تُفهم قصة الإنسان لا كخلق مباشر خارج قوانين الطبيعة، بل كإدارة واعية لهذه القوانين، سواء عبر توجيه المسار التطوري، أو إدخال طفرات نوعية، تجعل الإنسان نتاجًا ماديًا بالفعل، لكن ضمن أفق غائي أعلى، ما يخلق منطقة وسطى بين المادية الصرفة واللاهوت الحرفي. في هذه المنطقة الرمادية، يصبح الصراع الحقيقي ليس حول “كيف خُلق الإنسان”، بل حول “كيف نفهم ضرورته”، وهل هي ضرورة للبقاء البيولوجي فقط، أم ضرورة لظهور كائن قادر على حمل المعنى، حتى لو كان هذا المعنى عبئًا وجوديًا ثقيلًا. وهنا يظهر الدين بوصفه محاولة الإنسان الأولى لتحمّل هذا العبء، حيث تحوّل الوعي بالضرورة إلى سردية كونية تمنح الألم معنى، والموت وظيفة، والفناء جزءًا من نظام لا عبث فيه، حتى لو عجز العقل عن إدراكه بالكامل. لكن هذا التأويل، مهما بلغ من عمق، يظل محفوفًا بخطر تحويل الضرورة إلى تبرير، حيث يُستخدم الدين لتسويغ كل ما هو قائم بوصفه “إرادة كونية” أو “قضاء حتمي”، ما يؤدي إلى شلل أخلاقي وتاريخي، ويُفرغ الإنسان من دوره الفاعل، ويحوّله من كائن صانع للتاريخ إلى أداة داخل مخطط غامض. وهنا تعود المادية الجدلية لتذكر بأن الضرورة لا تُفهم إلا عبر الفعل، وأن التاريخ ليس مسرحًا لتنفيذ إرادات مسبقة، بل حقل صراع مفتوح، حيث تُعاد صياغة الضرورة نفسها عبر العمل البشري، ما يجعل الدين، إذا أراد أن يظل عامل ارتقاء، مطالبًا بالتخلّي عن ادّعاء التحكم بالمصير، والانخراط في جدلية الواقع. فالدين الذي ينكر الصراع، ينكر الحياة، والدين الذي يقدس الفناء باسم الخلاص، يسرّع انهيار النوع بدل أن يحميه.
من هنا، يتجلّى أن الخلاف بين الإنسان كمنتج مادي للتحوّل الأرضي، والإنسان كنتاج لإرادة كونية، ليس خلافًا بسيطًا بين تفسيرين، بل صراعًا بين نمطين من فهم الوجود: فهم يرى الإنسان كمرحلة عابرة بلا غاية، وفهم يراه مركز اختبار كوني للوعي والمعنى، وكلا الفهمين يحمل إمكانات ارتقاء وإمكانات فناء. ومن هنا يمكننا استخلاص استنتاجات بسيطة لفهم الوصول الى اليقين المعرفي النسبي ، وذلك بأنه حين تختزل المادية إلى آلية صماء، تفقد قدرتها على احتضان التساؤل الوجودي، وحين يختزل اللاهوت إلى يقين مغلق، يفقد قدرته على التجدّد، وتتحوّل الضرورة، في الحالتين، من أفق تفسير إلى قيد قاتل. إن الإنسان، بوصفه كائنًا يعيش على حافة الفناء، لا يستطيع أن يحيا بلا معنى، ولا أن يتطوّر داخل معنى مغلق، ما يجعل مصيره معلقًا بقدرته على إبقاء الضرورة مفتوحة، قابلة للتأويل، لا نهائية الادعاء. والذي عليه، يمكن التصور المتحرر عقليا في ادراك الدين ليس من خلال علاقته بضرورة ظهور الإنسان، كجواب نهائي مبهم الاغلاق فهما، بل من حيث كونه استنطاقا معرفيا لحقل توتر دائم بين المادة والكون، بين الإرادة والقانون، بين الخلق والتحوّل، حيث يتحدّد دوره النهائي وفق موقعه من هذا التوتر: إما كجسر نحو ارتقاء الوعي، أو كآلية إنكار تُسرّع الفناء. فالإنسان، سواء كان نتاج تحول مادي أرضي، أو نتيجة إرادة كونية خالقة، يظل الكائن الوحيد الذي يعرف أنه موجود، ويعرف أنه فانٍ، ويصنع، بين هذين الحدّين، دينه، وفلسفته، وتاريخه، ما يجعل الدين مرآة لقدرته على مواجهة الضرورة دون الخضوع لها، وعلى تحويل الفناء من نهاية عبثية إلى لحظة داخل سيرورة أوسع. وبهذا يمكننا أن نقول أن هذا الجزء الأخير بما حملته نهاية مقدمة المؤلف قد حاولت أن تصل بنا نحو شبه اكتمال للسؤال المركزي لمحتوى المؤلف ، والمقدم على هيئة عنوان للكتاب ، وهو التساؤل المصاغ ب : هل الإنسان ارتقاء أم انحراف ؟ ، او بصيغة أخرى ، هل دماغ الانسان بموسوم لفظ (عاقل ) ، يطبع نوعه بامتلاك وعيا نوعيا كافيا ليجعل من ضرورته شرطا للبقاء، أم يطبعه بوعي أشد وحشية ورعبا بجعل وجود نوعه نهاية لمعلن الفناء ؟ .
خاتمة مع تعميق محور الضرورة والصدفة وقبل الغلق الحتمي لمقدمة مؤلفنا هذا ، يمكننا التعرض الأخير لمبحث جدلية الرؤية التصورية الفكرية بين الضرورة والصدفة ، والتي تعد هي النقطة البؤرية المشكّلة لنواة الفهم التصوري التي ينبثق منها فهم كل من الإنسان والدين في آن واحد، فهي تجسد التوتر المستمر بين ما يُفرض على الكائن البشري من قوانين الطبيعة والمجتمع، وما يطرأ عليه من أحداث عشوائية غير متوقعة، ويُصبح الدين هنا مرآة لهذه العلاقة، إذ يحاول، من خلال الرموز والممارسات، ضبط الفوضى الناتجة عن الصدفة، وتحويلها إلى معنى، واحتواء الضرورة، وتحويلها من ضغط حتمي إلى أفق للتوجيه الأخلاقي والوجودي. من منظور المادية الجدلية، تصبح الضرورة تعبيرًا عن تراكم التناقضات في المادة والمجتمع، حيث يظهر الإنسان كنتيجة لا حتمية فحسب، بل كنتيجة لصراع داخلي بين القوى البنيوية للوجود، في حين تمثل الصدفة تلك اللحظات التي تكسر الاستمرارية، فتحدث تحوّلًا نوعيًا أو طفرة غير متوقعة، سواء في التطور البيولوجي أو في الثقافة، مما يجعل الدين أداة جدلية للتكيّف: فهو يكرّس الضرورة حين يحفظ الأنماط الاجتماعية والوعي الجماعي، ويحتوي الصدفة حين يقدم تفسيرًا أو طقوسًا تعيد ترتيب التوازن الاجتماعي والذهني. أما في المادية الميكانيكية والوظيفية، فتُفهم الضرورة بوصفها شرطًا ماديًا للحياة، يفرضه البناء البيولوجي والاجتماعي، والصّدفة بوصفها أحداثًا خارجة عن الحسابات الوظيفية، لا يمكن توقعها بدقة، لكنها تخلق فرصة لتعديل الوظائف وتطوير الآليات، فيصبح الدين هنا جهازًا وظيفيًا قادرًا على استيعاب المفاجآت، وضبطها ضمن نموذج استقراري، ما يعكس قدرة البشر على تحويل العشوائية إلى انتظام نسبي، وتحويل الضرورة إلى إطار قابل للتطبيق العملي. في المقابل، في الميتافيزيقا الكونية والفكر اللاهوتي، تتحوّل الضرورة إلى أفق غائي، حيث يكون للوجود هدف، وللإنسان مكانة محددة كخليفة أو ككائن قادر على حمل معنى الكون، بينما الصدفة تُمثل نقاطًا من الحرية الإلهية أو انفجارات محتملة في نظام الخلق، فالدين هنا ليس أداة ضبط فقط، بل وسيلة لتأمل العلاقة بين ما هو مكتوب في نظام الكون وما هو مفتوح للاختيار، بين ما هو قسري من الخلق وما هو طارئ من الحوادث، ويصبح إدراك الإنسان لهذه العلاقة شرطًا لإعادة التوازن بين البقاء والارتقاء، وبين التطور والفناء. ومن هذا المنظور الثلاثي، يظهر الدين كجسر مستمر بين الضرورة والصدفة، بين ما هو حتمي في وجود الإنسان وبين ما هو محتمل وغير متوقع، بحيث يُستثمر كلاهما في بناء الوعي والفعل، لا في الإخضاع أو التبرير الأعمى. فالمسألة ليست أن نختار بين الضرورة والصدفة، بل أن نفهم كيف يعملان معًا في تشكيل الإنسان، وكيف يمكن للدين أن يكون وسيلة للحفاظ على هذا التوازن، لا أداة للجمود أو الانحراف، بحيث يتحوّل الفناء من احتمال محتوم إلى لحظة يمكن إدراكها وتجاوزها عبر المعرفة والفعل والإيمان المدمج بالوعي. وبذلك نكون قد وصلنا الى ما و أخيرا بمحاولة بناء عرض خلاصي مستكمل حول جدلية المحور المركزية الذي يقوم عليه مؤلفنا حول " الدين، الإنسان، والوجود " بكونهم ليسوا مجرد حالات ثابتة، بل سيرورة تتخللها الضرورة والصدفة معًا، حيث يُصبح كل فعل، كل اعتقاد، وكل تأمل جزءًا من محاولة الإنسان المستمرة لإيجاد موقعه داخل هذا التوتر الوجودي العميق، وتحويله من تهديد للفناء إلى شرط للارتقاء النوعي، بحيث يظل السؤال مفتوحًا: كيف نجعل من الضرورة والفوضى متلازمين، لا متناقضين، في مسيرة الإنسان نحو المعنى والبقاء؟
#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
- الانسان : الافتراس والشراهة حين فقدت القوة حدودها - - جزء
...
-
حصار برياح انقلاب لاتقف قصيدة
-
ملحمة سداسية اليمن لابن ثابت الراوي
-
وحشية ما بعد الإمبريالية - صور متحولة للاستعمار -
-
اصوات لا يعلمها الكلام قصيدة نثر شعري
-
حين يعبر الملح جرحك - قصيدة نثر
-
كيف أحادثك وانت تهرب من يدي - قصيدة نثر شعري
-
نزوح تلميذة - هروب من الحرب - - قصة قصيرة / 31ديسمبر2025
-
كيف اصبح الوقت غريبا / قصيدة نثر
-
ملاك العام الجديد . . ما تسرب عن تلك الليلة - قصة قصيرة / 30
...
-
كتابي : - الانسان إرتقاء نوع او طفرة انحرف خبيث . . لمعلن ال
...
-
أهناك . . من يستحق أن تلتقيه - قصيدة نثر / 30 نوفمبر2025
-
ماذا أرى؟! - قصيدة / 25ديسمبر٢٠٢£
...
-
ماذا أرى؟! - قصيدة / 25ديسمبر٢٠٢&
...
-
وتهفو الرياح إليك / قصيدة نثر - 23اكتوبر 2023م
-
للإنسان أن يتعلم النباح قصة قصيرة
-
وتظل عالـــــقا / قصيدة نثرية
-
كم أنت وحدك . . مستوحش - قصيدة نثرية 18ديسمبر2025م ليلا
-
ويعتليك الوهم. قصيدة
-
الترحل البشري عبر الوعي والمعرفة
المزيد.....
-
إيران تعلن الحداد ثلاثة أيام على أرواح -ضحايا الاحتجاجات-
-
ما مدى مصداقية التهديد بتدخل أمريكي ضد طهران؟
-
في جدة.. برشلونة يحتفظ بلقب كأس السوبر الإسباني بنصر ناري عل
...
-
قراءة في موقف دول الخليج إزاء التطورات في إيران
-
-مسار الأحداث- يناقش مخططات إسرائيل لحسم الصراع في الضفة الغ
...
-
استنفار للجيش السوري بعد رصد حشود عسكرية لـ-قسد- شرق حلب
-
عودة الحكومة السودانية إلى العمل من العاصمة الخرطوم
-
رشيدة طليب: أسعى لإلزام واشنطن بمعاقبة إسرائيل ووقف تسليحها
...
-
كوبا ترد على ترامب بعد ضغوطه عليها من أجل إبرام اتفاق
-
ما الذي ينتظرنا في حفل جوائز غولدن غلوب الـ 83؟
المزيد.....
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
-
قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن
/ محمد الأزرقي
المزيد.....
|