أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - المعاملة رقم 412/ب














المزيد.....

المعاملة رقم 412/ب


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 13:45
المحور: الادب والفن
    


​"في دهاليز الروتين، لا نموتُ لأن قلوبنا توقفت، بل لأننا تحوّلنا إلى أرقامٍ سقطت سهواً من سجلّ الذاكرة."
​منذ خمسة عشر عاماً، وسعاد تمارس طقسها الرتيب خلف مكتبٍ خشبيّ تآكلت أطرافه في ركنٍ منزوٍ بـ "مديرية التقاعد". لم تكن مجرد موظفة، بل كانت "خزانة الأسرار الرقمية" للمكان؛ ففي زحام الدائرة المكتظة وصخب المراجعين، غاب اسمها عن الألسن ليحل محله رقم مكتبها، وصارت ذاكرتها التي لا تخون هي المرجع الأخير لكل إضبارة تائهة. كانت تستحضر أرقام الإحالات وتواريخ الصدور بلمحة خاطفة، كأنها خُلقت لتكون أرشيفاً حياً في جسد إنسان.
​عرفتها الردهات بنزاهةٍ صامتة لا تشوبها شائبة؛ لا تساوم، لا تشتكي، ولا تسمح لنفسها بترَف الشعور الذي قد تفرضه مأساة مراجعٍ أو دموع أرملة. كانت تنجز مهامها بدقة باردة، محولةً الحكايات البشرية المنكسرة أمام شباكها إلى تسلسلات رقمية صماء. الوجوه تتبدل، الأصوات تختلط، والحكايات تتشابه حتى تفقد ملامحها وتغدو محض "أوراق" تنتظر الختم.
​ذات صباحٍ لاهب، وقف أمام شباكها رجلٌ غزا التعبُ ملامحه، يرتجف قلمه وهو يوقع "المعاملة رقم 412/ب". لسببٍ يجهله المنطق البيروقراطي، ولأول مرة منذ دهور، خرقت سعاد صمتها المعتاد. نظرت إلى عيني الرجل، ووعدته بنبرة خفيضة: "اتركها عندي يا حجّي.. أنا سأنهيها لك".
​في اليوم التالي، ظل الكرسي خاوياً، وساد صمتٌ مريب في أروقة الدائرة. وفي اليوم الثالث، حين لم يأتِ صوت صرير مكتبها، دفعت النخوة بعض زملائها لتفقدها في شقتها بـ "السيدية". هناك، وجدوا جمهرة من الجيران واجمة أمام بابها؛ لقد فارقت سعاد الحياة فوق سجادة صلاتها، بهدوءٍ يشبه عزلتها القديمة، وتاركةً خلفها فجوةً لم يسدها سوى الغياب.
​أقيم لها عزاءٌ يليق بـ "الست سعاد" الموظفة المثالية، وضجت الدائرة بأحاديث الزملاء عن نزاهتها. ولكن، بمجرد انقضاء الأيام الثلاثة، استعاد الروتين سطوته؛ جلس موظف جديد على الكرسي ذاته، وبدأ يقلب الأضابير بآلية خالية من الذاكرة.
​وحين عاد المراجع العجوز بآماله الخضراء يسأل عن "وعد" الست سعاد، أجابه الموظف الجديد وهو يمسح الغبار عن المكتب:
"الموظفة التي كانت هنا ماتت.. ومعاملتك فُقدت في زحام الأوراق. عليك أن تبدأ من الصفر!".
​هناك، وسط لجيج الأصوات، سقطت الحقيقة المرة:
سعاد التي وهبت عمرها لترتيب حيوات الآخرين كملفاتٍ مرقمة، انتهت هي الأخرى كـ "رقمٍ" سقط من سجل الخدمة، ليُغلق ملفها بختم النسيان.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية


المزيد.....




- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...
- كأس الأمم الأفريقية: مدرب ساحل العاج :- المنتخب المصري لا يج ...
- بين الفيلم والرواية: أعمال فنية كشفت حدود الخيانة الإبداعية ...
- الفيلم التونسي-صوت هند رجب- ينضم إلى القائمة الطويلة لجوائز ...
- فيلم في بلاد آرتو: رحلة إلى أرمينيا لمواجهة أشباح الحرب
- للأسبوع الرابع.. -أفاتار 3- يتربع على عرش السينما الأميركية ...
- انعقاد أعمال اللجنة الفنية الشبابية المعاونة لمجلس وزراء الش ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - المعاملة رقم 412/ب