أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - منتصف الحلم بتوقيت بغداد قراءة برؤية - أريك فروم(1)















المزيد.....

منتصف الحلم بتوقيت بغداد قراءة برؤية - أريك فروم(1)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 13:45
المحور: الادب والفن
    


هذه القراءة ربما ستكون فريدة من نوعنها، أو ربما قُل قراءة غير تقليدية، تظهر لأول مرة – بحسب علمي – إذ سنعتمدها على ما طُرح عالم النفس الفيلسوف أريك فروم، أي بحسب رؤياه، كطرح عالج فيه الكثير من قضاياه النفسية والسلوكية، ما يخص الإنسان من الداخل، وما لا شك، كان الشعراء قد تطرقوا اليها، من خلال اشعارهم، لكن بصورة غير مباشرة، فمن وجهة نظري القاصرة، أظن إن الشاعر يمكن له أن يأخذ دور عالم النفس وعالم الاجتماع والفيلسوف، حيث يكتب الشعر مثل نيتشة، وينظر في الفلسفة كالمعري، ويغور في اعماق النفس مثل دوستويفسكي.
وسنرى ذلك واضحا جليا للشاعر طالب حسن في هذه المجموعة(2). "كلما حاولنا/ استعادة الحلم/ نسمع من يهذي:/ الصمت خير من النوم"(3). الحلم يأتي على نحوين: حلم اليقظة، وحلم المنام، الأول يسعى الإنسان فيه إلى مستقبل مشرق يزيد في سموه الوظيفي، الذي من خلاله يرتقى ذروة المجد، ليصل بالتالي إلى السعادة الحقيقية، والتي بها يتجاوز معاناة الحياة التي بُلينا بها ونحن نشق عتبات الوجود المضنية؛ حيث أحيانا يصل الأمر بالإنسان إلى انهيار القيم الانسانية لديه، ليفقد على إثرها الأخلاق، والتي هي ميزته الوحيدة التي تميزه عن بقية المخلوقات. وهذا ما تنبأ به دوستويفسكي، وعبر عنه أريك فروم.
"وإن تنبؤ دوستويفسكي فانهيار كل القيم الأخلاقية، إذ كف عن الايمان بالله تحقق جزئيا. وتلك القيم الأخلاقية الخاصة بالمجتمع الحديث التي جرى تقبلها بصفة عامة من جهة القانون والقيادة، مثل احترام الملكية والحياة الفردية تبقى سليمة. ولكن تلك القيم الانسانية التي تتجاوز نظامنا الاجتماعي تفقد في الحقيقة تأثيرها وتقلبها"(4).
(الوردة التي خرجت/ من رحم أصابعي/ صارحت امرأة مهجورة/ رملتها الحروب) (5). وقد تعني المرأة استقرار الحياة، وبها يكتمل معناها الصحيح، بل وديمومتها والوصول إلى غاية الانسان في هذا الوجود، حيث وصفها بالوردة، والوردة تعني الجمال، فمن دون الجمال لا يكون معنى متكامل للحياة؛ لكن ثمة من ينغص على الحياة جمالها، ألا وهي الحروب، بمأساتها وقسوتها، وهذا هو ديدن الحروب، كما شاهدنا في الحربين العالميتين: الأولى والثانية.
وفي الحروب يظل الانسان، مع ذلك، متمسك بالحياة ويبحث عن السعادة، والخلاص من تلك الحروب، بأي وسيلة كانت، لكن شبح الحروب يظل يداهم مخيلته، وبالتالي يظل محبط من داخله. وكذا "إن الانسان المحبط يشعر بالفراغ من داخله، كأنه مكتوف الأيدي، وكأن شيئا ينقصه لكي يصبح نشطا. وإذا أكل شيئا ما، فأن الشعور بالفراغ، بالشلل، بالضعف قد يختفي لمدة ما، ويشعر أنه ذا قيمة، وليس عدما. إن المرء يشعر بالأشياء لكي يخفي الفراغ الداخلي. وهذا هو الانسان الخامل، الذي يظن بأنه قليل القيمة.."(6)
وفي مكان آخر يذكر فروم، وهو يتحدث عن الحرب العالمية الأولى، ويعزوها إلى المصالح الاقتصادية: "وكانت الحرب العالمية الأولى تحرضها المصالح الاقتصادية ومطامح القيادة السياسية والعسكرية والصناعيين من كلا الطرفين".(7)
(لم أعد أفهم/ اذا كان الكل ملائكة/ فمن أشعل هذه الحرائق/ ومن فتح الأبواب على مصراعيها/ لتدخل هذه الكلاب/ الشرسة)(8). هذه التعبيرات الرمزية، تعطي انفعالات نفسية، للوهلة الأولى، للشاعر وهو يميط اللثام عن كينونة نفسه، حول صراعات ذاتية، ازاء واقع وصل ذروته، من الخذلان النفسي والوجودي، حيث عبّر عنه بنوع من القتامة والضبابية، ليصف لنا بذلك ضبابية وصل اليها الانسان المعاصر، لأسباب لم يبح بها الشاعر، بل اراد من القارئ أن يشاركه ذلك، لكن أي قارئ هذا الذي يعنيه الشاعر؟. ربما يعنيه القارئ الذي يحمل في دواخله من قيم انسانية محض، انسان واع يقض الضمير، عميق الحدس.
لهذا "تعد النزعة الانسانية واحدة من أهم التطورات الأخاذة في العقد الحالي.. إن العلاقة بين النزعة الانسانية والنهضة متباينة: فالبعض يتحدث عن انسانية النهضة، لكن في الحقيقة ثمة تعريف محدد للنزعة الانسانية كما أشارت له حركان القرن الخامس والسادس عشر المنادية بالعودة الى التعليم الكلاسيكي... النزعة الانسانية بأنها فلسفة عالمية شاملة للإنسان.. ولديها أصول تعود الى 2500 عاما بداية من الانبياء في الغرب وتعاليم بوذا في الشرق"(9)
(لابد وأن مات للتو/ هذا الطائر الذي أشعل/ غنائه رماد الجوانح).(10) صورة تشاؤمية أخرى يصورها لنا الشاعر، برمزية شاهقة، تختصر عوالم كثيرة متعدد، لواقع لا يمكن ان ينكره أحد، أنه "الموت" والموت هذا هو نهاية كل الاشياء، أو قُل ختام الأشياء، بما فيها الانسان – كمحلوق - حيث يضمحل وينتهي وجوده في هذه الحياة المادية، وفي هذه الحقيقة الدامغة، ينقسم الفلاسفة الى قسمين: ماديون ودينيون. القسم الأول أي الماديون، يرون أن ما بعد الموت لا توجد حياة أخرى؛ فهو الفناء – يامن قهر عباده بالموت والفناء – فنحن جئنا الى الحياة عن طريق الصدفة: التطور كما في النظرية الداروينية. والقسم الثاني وهم الدينيون، فيعتقدون أن الانسان حين يموت سيذهب: أما الى الجنة واما الى النار، أي حياة ثانية أخرى سيعيشها الانسان.(11)
وبين هذا وذاك، "فالإنسان بطبيعة وجوده لابد من أن يحاط بالمتناقضات التي يختم عليه حلها دون أن يصل فيها الى نهاية. والمرحلة الانسانية القادمة هي أن يواجه فيها الانسان الاسباب الحقيقية والواقعية للصراع الانساني والتي عليه أن يكون فيها مغامرا، شجاعا، بعيد الخيال، قادرا على الألم والمتعة..".(12)
(منتهى الحماقة/ ان نؤمن بمن باع ضميره/ في سوق النخاسة). هنا صورة أخرة، يجود بها علينا الشاعر، وهذه المرة مختلفة بعض الشيء، عن سابقاتها، أنها تدعونا للخوض في الأخلاق، ويمكن القول بأن الشاعر في الصورة، يتحول الى فيلسوف اخلاق، حيث يتطرق الى موضوعة الضمير، والضمير عادة ما يناقشونه في الفلسفة الأخلاقية، مثل الفيلسوف الالماني ايمانويل كانت، إذ يعدونه فيلسوف أخلاق، ومن أهم كتبه في هذا الاطار هو كتابه" نقد العقل العملي"
"ليس الضمير الانساني صوت سلطة نتوق الى ارضائها ونخشى اغضائها، وقد انغلت في ذاتها؛ إنه صوتنا، الموجود في كل كائن بشري والمستقبل عن العقوبات والمكافآت الخارجية. ما طبعت هذا الضمير؟ لماذا بسمعه ولماذا نستطيع أن نصبح أصماء عنه؟.. هو استجابة شخصيتنا الكلية لأدائها الوظيفي".(13)
مَن هو أريك فروم؟
وُلد فروم في المانية عام 1900، وهاجر الى الولايات المتحدة الامريكية هربا من الاضطهاد النازي عام 1932، اشتغل بالجامعة الامريكية كأستاذ في العلاج النفسي. وفي سنواته الاخيرة انتقل الى سويسرا وتوقف عن الكتابة والنشاط الفكري الى أن توفى عام 1979. (14)
الهوامش
-----
(1) أعمال اريك فروم الكاملة 21 كتابا بطبعات مختلفة ودور نشر متعددة.
(2) طالب حسن "منتصف الحلم بتوقيت بغداد" منشورات دار السرد – بغداد، الطبعة الأولى لسنة 2025.
(3) المصدر السابق ص 16.
(4) أريك فروم، ثورة الأمل، ص 204، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الحكمة، الطبعة الأولى لسنة 2010.
(5) طالب حسن، مصدر سابق ص 19.
(6) أريك فروم، الانسان المستلب، ص 63، الرباط، من دون ذكر سنة الطبع، ترجمة د. حميد شلهب، تقديم: د. راينر فونك.
(7) أريك فروم، التشريح التدميرية البشرية جـ أول - ص 312، دار نينوى، الطبعة الأولى لسنة 2016، ترجمة محمود منقذ الهاشمي.
(8) طالب حسن، مصدر سبق ذكره، ص 62.
(9) أريك فروم، عن العصيان، ص 45، دار روافد للنشر الطبعة الأولى – القاهرة للعام 2016، بترجمة يوسف نبيل.
(10) طالب حسن، مصدر ذكر أكثر من مرة، ص 79.
(11) كتب كثيرة جدا تتحدث عن ذلك، يمكن مراجعة كتاب "افكار حول الموت والازلية" للفيلسوف لودفيج فيورباخ، الطبعة الثانية، منشورات دار الرافدين.
(12) اريك فروم، الانسان بين الجوهر والمظهر، ص 12، مقدمة لطفي فطيم للكتاب، عالم المعرفة بالرقم: 140، الكويت، ترجمة سعد زهران لسنة 1989.
(13) اريك فروم، الانسان من أجل ذاته، ص 190، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، القاهرة الطبعة الأولى لسنة 2007.
(14) اريك فروم، الانسان بين الجوهر والمظهر، ص 8 -مصدر سبق ذكره.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البديل: الأخلاق والعلم
- هذيان في زمن هش
- قراءة في كتاب (النقد الأدبي في روسيا ما بعد السوفييتية)
- حسين مردان.. شاعر التمرد
- لماذا الإساءة إلى السياب؟
- الصعاليك الجدد/ 4
- صعاليك العراق الجُدد/ 3
- صعاليك العراق: شعرٌ يُكتب على حافة الخراب/ مقدمة
- منحة المبدعين بين الاستحقاق والمنّة
- معارض الكتب.. جعجعة بلا طحين
- أدباء مرضى نفسيين: ما هو التعالي الفارغ؟
- لماذا نعيش إذا كانت الحياة بلا معنى؟
- فصول الحزن الدفين قراءة في نص(رياح) لـ عبد الإله الفهد
- تجربتي الأدبية وزيف البشر
- المتاهة التي نسكنها
- بلدٌ غنيّ وفنانٌ جائع لماذا انهار رضا الخياط؟
- من هم أدباء الدمج؟
- السفر الى الماضي والى الحاضر - كتاب يضلّ الفكر باسم المعرفة
- فضيحة من العيار الثقيل تهز المشهد الثقافي
- ما عاد لي وطنٌ


المزيد.....




- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...
- كأس الأمم الأفريقية: مدرب ساحل العاج :- المنتخب المصري لا يج ...
- بين الفيلم والرواية: أعمال فنية كشفت حدود الخيانة الإبداعية ...
- الفيلم التونسي-صوت هند رجب- ينضم إلى القائمة الطويلة لجوائز ...
- فيلم في بلاد آرتو: رحلة إلى أرمينيا لمواجهة أشباح الحرب
- للأسبوع الرابع.. -أفاتار 3- يتربع على عرش السينما الأميركية ...
- انعقاد أعمال اللجنة الفنية الشبابية المعاونة لمجلس وزراء الش ...
- أردوغان: الحفاظ على الفنون الإسلامية أمر بالغ الأهمية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - منتصف الحلم بتوقيت بغداد قراءة برؤية - أريك فروم(1)