أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - عسكرة المجتمع وتحولات الوعي















المزيد.....

عسكرة المجتمع وتحولات الوعي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 20:21
المحور: المجتمع المدني
    


تُعد ظاهرة عسكرة المجتمع من الظواهر المركبة التي تتداخل فيها السياسة بالتربية، والثقافة بالسلطة، والأمن بالحياة اليومية، وهي لا تقتصر على وجود المؤسسة العسكرية بوصفها جهازاً رسمياً تابعاً للدولة، بل تتجاوز ذلك إلى نشر الثقافة العسكرية داخل الفضاء المدني ولا سيما بين فئة الشباب وطلبة المدارس عبر الرموز والممارسات والخطابات والطقوس اليومية.
ومع مرور الزمن، تتحول هذه الثقافة من كونها استجابة ظرفية لتهديدات أمنية أو سياسية إلى نمط تفكير وسلوك يتغلغل في الوعي الجمعي ويعيد تشكيل تصور الفرد لذاته ولمجتمعه ولدوره في الحياة.

إن خطورة عسكرة المجتمع لا تكمن في حضور العسكر بحد ذاته، بل في تحويل القيم العسكرية مثل الطاعة والانضباط الصارم والامتثال ومنطق القوة والصراع إلى قيم عليا تحكم المجال المدني على حساب القيم المدنية التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة مثل التعدد والحوار والاختلاف والمشاركة والتفكير النقدي.
وحين تُقدَّم هذه القيم العسكرية بوصفها ضرورية وطبيعية، فإنها تفقد طابعها الاستثنائي وتتحول إلى جزء من الحياة اليومية، بل إلى معيار للحكم على الأفراد وسلوكهم وانتمائهم.

تُعد فئة الشباب وطلبة المدارس الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة، لأنهم يعيشون مرحلة تكوّن الهوية وبناء منظومة القيم. فالمدرسة، حين تتحول من فضاء تربوي مدني إلى فضاء ذي طابع شبه عسكري، لا تعود مؤسسة لإنتاج المعرفة بقدر ما تصبح جهازاً لإعادة إنتاج الطاعة والانضباط.
الوقفات الصباحية ذات الطابع العسكري والأناشيد التعبوية واللغة التي تمجد القوة والسلاح، كلها تساهم في ترسيخ صورة محددة للمواطنة تقوم على الامتثال لا على الوعي، وعلى التنفيذ لا على السؤال.

هذا النوع من التنشئة لا يمر دون آثار بعيدة المدى، إذ يتربى الفرد على رؤية العالم من خلال ثنائيات حادة مثل الصديق والعدو، والنصر والهزيمة، والقوة والضعف.
ومع الوقت، ينعكس هذا التصور على العلاقات الاجتماعية اليومية، فيصبح الخلاف تهديداً، والنقد خروجاً عن الصف، والتنوع مصدر ريبة لا مصدر غنى.
وهكذا تتآكل المساحات الرمزية التي تسمح بالحوار والتفاوض ويحل محلها منطق الصراع والإقصاء.

ولا تقف عسكرة المجتمع عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والثقافية الأوسع، فالمناسبات السنوية والاحتفالات العامة كثيراً ما تُغلَّف بخطاب عسكري واستعراضي، يُعاد من خلاله إنتاج الذاكرة الجمعية على أساس القوة والتعبئة.
ومع تكرار هذه الطقوس، تتحول إلى عادات راسخة ويعاد تعريف الهوية الجماعية بوصفها هوية مقاتلة قبل أن تكون هوية مدنية.

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مضاعفاً في هذا السياق، إذ تساهم في تطبيع العسكرة وتحويلها إلى مادة استهلاكية يومية.
فصور السلاح ومقاطع الاستعراض والخطابات الحماسية، تُقدَّم بوصفها رموزاً للهيبة والرجولة والنجاح، خصوصاً لدى الشباب.
وبهذا، لا تعود العسكرة مجرد خيار وظيفي أو مؤسسي، بل تتحول إلى أسلوب حياة وهوية رمزية يسعى كثيرون إلى تقمصها.
ولا يقل تأثير ألعاب الفيديو الحديثة خطورة عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أصبحت بعض هذه الألعاب فضاءً رقمياً لإعادة إنتاج الثقافة العسكرية بصورة جذابة ومكثفة.
فالألعاب التي تقوم على الحروب الحديثة والأسلحة المتطورة والجيوش النظامية أو شبه النظامية، لا تكتفي بتقديم العنف بوصفه وسيلة للانتصار، بل تعيد تشكيل وعي اللاعب من خلال تطبيع منطق القتل وتحويل الحرب إلى تجربة ترفيهية خالية من أبعادها الإنسانية والأخلاقية.
ومع تكرار اللعب، يتماهى اللاعب ولا سيما الطفل أو المراهق مع دور الجندي أو المقاتل ويتشرب مفردات العسكر ومنطق الصراع بوصفه الشكل الطبيعي للعالم.

إن خطورة هذه الألعاب لا تكمن فقط في محتواها العنيف، بل في بنيتها الرمزية التي تمجد التفوق العسكري والتكنولوجيا القتالية والحلول القسرية وتُقصي في المقابل قيم التفاوض والحوار والتعايش.
كما أن بعض هذه الألعاب تُعيد إنتاج سرديات سياسية معينة، تُظهر طرفاً بوصفه دائماً العدو وطرفاً آخر بوصفه حاملاً للشرعية والقوة، ما يرسخ تصورات نمطية ويسهم في عسكرة الخيال الجمعي.
وبهذا المعنى، تصبح ألعاب الفيديو جزء من منظومة أوسع تعمل على عسكرة الوعي، لا عبر الإكراه، بل عبر المتعة والتفاعل وهو ما يجعل أثرها أكثر عمقاً واستدامة.

يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء مفهوم الهيمنة الثقافية عند أنطونيو غرامشي ( فيلسوف ومفكر سياسي ايطالي)، حيث لا تُفرض العسكرة بالقوة المباشرة فقط، بل عبر قبول المجتمع لها بوصفها ضرورة أخلاقية ووطنية.
فحين تُقدَّم القيم العسكرية على أنها القيم الصحيحة والطبيعية، يصبح المجتمع نفسه شريكاً في إعادة إنتاجها دون حاجة دائمة إلى القمع الصريح.
وهذا ما يفسر قدرة العسكرة على التغلغل العميق في الوعي الجمعي.
من منظور ميشيل فوكو (فيلسوف ومؤرخ فرنسي)، يمكن فهم عسكرة المجتمع باعتبارها امتداداً لآليات السلطة الحديثة التي تعمل من خلال الانضباط وتطبيع الأجساد والعقول.
فالمدرسة، بوصفها مؤسسة انضباطية، تُدرب الأفراد على تنظيم الوقت وضبط السلوك، وحين تتسلل القيم العسكرية إليها، تتحول إلى ما يشبه الثكنة الرمزية التي تنتج الفرد المطيع القابل للضبط وتهمش التفكير النقدي بوصفه خروجاً عن النظام.
أما بيير بورديو (عام اجتماع وفيلسوف فرنسي)، فيتيح لنا فهم عسكرة المجتمع من خلال مفهوم العنف الرمزي، وهو عنف غير مرئي يمارس عبر اللغة والرموز والمعايير الاجتماعية.
فعندما يُقدَّم العسكر بوصفه النموذج الأعلى للبطولة والنجاح، تُقصى النماذج المدنية الأخرى مثل المثقف والفنان والمعلم والمهندس والطبيب والفاعل الاجتماعي .. الخ، ويُعاد إنتاج البنية السلطوية ذاتها عبر التنشئة الاجتماعية لا عبر القهر المباشر.
وتُميّز حنّة آرندت (فيلسوفة المانية - أمريكية) بين السلطة والعنف، وترى أن الإفراط في العنف دليل على ضعف السلطة لا قوتها، ومن هذا المنظور، فإن عسكرة المجتمع تعكس تراجع الفضاء السياسي المدني، حيث يُستعاض عن الحوار والمشاركة بالقوة والاستعراض. وحين يتربى جيل كامل على منطق العنف، تُفرّغ السياسة من معناها وتتحول إلى إدارة صراعات لا إلى بناء مشترك.
وعند ماكس فيبر (عالم اجتماع وفيلسوف سياسي واقتصادي الماني)، تُعرف الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر العنف المشروع، غير أن الإشكال يبدأ حين تتسرب رمزية هذا العنف إلى المجال الاجتماعي اليومي، فيختل التوازن بين الدولة والمجتمع وتفقد الحياة المدنية استقلاليتها. فالعسكرة هنا لا تعني قوة الدولة بقدر ما تعني تمددها غير المنضبط داخل تفاصيل الحياة اليومية.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن لعسكرة المجتمع بعض الجوانب الإيجابية في سياقات معينة، مثل تعزيز الانضباط والشعور بالمسؤولية، وتقوية الانتماء الوطني في المجتمعات التي تواجه تهديدات حقيقية، وتنمية روح التضحية والعمل الجماعي.
غير أن هذه الإيجابيات تظل مشروطة ومؤقتة وتتحول سريعاً إلى عبء حين تُفصل عن إطار مدني ديمقراطي.
في المقابل، تتمثل أخطر سلبيات عسكرة المجتمع في تآكل الحياة المدنية وتطبيع العنف وإنتاج أجيال مأزومة نفسياً ترى العالم كساحة صراع دائم.
كما تؤدي هذه الظاهرة إلى إضعاف الإبداع والتفكير النقدي، لأن العقل العسكري يقوم على الأوامر والتنفيذ لا على السؤال والابتكار، ما يخلق حالة من الجمود الفكري تعيق تطور المجتمع.

إن نقد عسكرة المجتمع لا يعني الدعوة إلى إضعاف الدولة أو تجاهل التحديات الأمنية، بل يعني إعادة الاعتبار للحياة المدنية بوصفها الأساس الحقيقي لبناء المجتمعات المستقرة. فالمجتمع المتوازن هو ذاك الذي ينجح في حماية أمنه دون أن يضحي بإنسانيته، وفي بناء أجيال ترى في العقل والحوار والاختلاف مصادر قوة لا علامات ضعف. فالمجتمعات لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالفكر والقيم والقدرة على التعايش والإنسان يجب أن يبقى في مركز العملية الاجتماعية، لا العسكر.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الترامبية ومنطق القوة العارية
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي
- أوكرانيا وصراع المستقبل الجيوسياسي
- التسول الممنهج وتفكيك المجتمع
- استعراض المسؤول وصناعة الوهم السلطوي
- طغيان الولاء وموت العقل
- خرائط الشخصية وأنماط الذات


المزيد.....




- جمعية الإغاثة الطبية: الأزمة بغزة تفوق الوصف.. والمجتمع الدو ...
- لماذا يموت أطفال غزة بعد وقف إطلاق النار؟ اليونيسيف تجيب
- تقرير لهآرتس يكشف تفاصيل مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيي ...
- لهذه الأسباب يتجنب بعض المهاجرين التحدث مع الإعلام
- أكبر مجزرة في تاريخ إيران المعاصر لن تُدفن في صمت
- أسير من غزة يروي تفاصيل مؤلمة عن اعتقاله وتعرضه للتعذيب على ...
- اليونيسف: نقص الوقود والدواء يتفاقم في غزة.. و4 آلاف طفل بحا ...
- هآرتس تكشف تفاصيل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. شنقا خلال ...
- اليونيسف: 100 طفل قتلوا في غزة بعد وقف إطلاق النار
- فرنسا: ماكرون يخطط لإطلاق -المفوضية العليا للتنوع والشتات- ل ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - عسكرة المجتمع وتحولات الوعي