صالح بوزان
الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 18:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في كِتابي «الثَّورَةُ الَّتي غدِرَ بِها أَبْناؤُها»، والَّذي صَدَرَ في القامِشلي والقاهِرَةِ سَنَةَ 2022، ثَمَّةَ فَصلٌ تَوَقَّفتُ فيه عِندَ فِكرَةِ القَوميَّةِ والوَطَنِيَّةِ في الفِكرِ القَوميِّ العَرَبيِّ السُّوريِّ. أُورِدُ هُنا مَقطَعًا مِن هذا الفَصلِ، ثُمَّ أَبني عَلَيهِ رُؤيَتي لِما يَجري اليَومَ في الحيين الشيخ مقصود والأشرفية.
يَبدأُ هذا المَقطَعُ كَما يَلي: "لَم تُعَرَّف هُوِيَّةُ الشَّعبِ السُّورِيِّ تعريفًا مُطابِقًا لِلوَاقِعِ حتّى الآن. هُناكَ مَن يَعتَبِرُهُ آرامِيًّا أو سُريانيًّا. وهُناكَ مَن يَعتَقِدُ أنّهُ عَرَبيٌّ بِالكامِل. لٰكِنَّ الحَقيقَةَ مُخالِفَةٌ لِهذا وذاكَ. فَقَدِ انحَصَرَت في الخَريطَةِ السُّوريَّةِ الحَديثَةِ شُعوبٌ عَديدةٌ تاريخياً. وبِمَعًنى آخرَ، يُعَدُّ الشَّعبُ السُّورِيُّ مَجموعةً مِنَ الشُّعوبِ والأقليّاتِ، يَتَكوَّنُ مِن عَرَبٍ وكُردٍ وآشوريّينَ وسُريانٍ وتُركُمانٍ وأَرْمَنٍ وجاجانَ وآراميّينَ وشَرَكْسٍ وبَقايا يَهودٍ.
كانَت هذهِ البُقعةُ الَّتي نُسَمّيها اليَومَ سُورِيّا مَسرَحًا لِصِراعِ الغُزاةِ مُنذُ فَجرِ التّاريخِ. يَأتي غازٍ بِجَيْشِهِ فيَحتَلُّها ويُقيمُ عَلَيها دَولتَهُ لِفَترَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، ثُمَّ يَأتي غازٍ آخَرُ لِيَطرُدَ الغازيَ الأوَّلَ ويَجلِسَ على صَدرِ هذهِ المَنطِقَةِ وشُعوبِها، وهٰكذا دَوالِيكَ. لَم يَكُنِ الغازي يَحتَلُّ هذهِ الخَريطَةَ الَّتي نُسَمّيها سُورِيّا فَحَسبُ، بَل كان يَحتَلُّ، في الغالِبِ، الشَّرقَ الأوسَطَ كُلَّهُ. وكانَ لِتَعَدُّدِ الغُزاةِ، مِن حيثُ الجِنسِيَّةِ والقَوميَّةِ والثقافة والدِّيانةِ، تَأثيرٌ مُتَعَدِّدٌ على شُعوبِ المَنطِقَةِ.
كانَ آخِرُ غازٍ، قبل الفرنسيين، غَزا سُورِيّا هو السُّلطانُ سَليمُ الأوَّلُ العُثمانيُّ عامَ 1516، حَيثُ انتَزَعَها مِن يَدِ المَماليكِ الشَّراكِسَةِ وضَمَّها إلى الإِمبراطوريَّةِ العُثمانيَّةِ حتّى نِهايَةِ الحَربِ العالَميَّةِ الأُولى. وخِلالَ هذهِ الحَربِ دَخَلَت فَصيلَةٌ مِن جَيشِ الشَّريفِ حُسينٍ بِقيادَةِ الأَميرِ فَيصَل، ومَعَهُ فَصيلَةٌ مِنَ الجَيشِ الأُستراليِّ الإنكليزي بِقيادَةِ الميجَرِ آرثُر أُولون. وتَوَّجَ الإِنكليزُ هذا الأَميرَ مَلِكًا على سُورِيّا في 8 آذارَ 1920.
لا نَجِدُ في التّاريخِ أنَّ الشُّعوبَ الأَصليَّةَ الَّتي سَكَنَت سُورِيّا حَكَمَت نَفْسَها بِنَفْسِها يَومًا. ورُبَّما كانَت زَنوبيا استِثناءً في حُكمِ تِلكَ المِنطَقَةِ الصَّحراويَّةِ. وَقَد وَرَدَ في كِتابِ «دَليلِ الجُمهوريَّةِ السُّوريَّةِ» الَّذي صَدَرَ بَعدَ الاستِقلالِ من فرنسا ما يَلي:
(كانَت سُورِيّا مُنذُ فَجرِ التّاريخِ مَطمَعَ أَنظارِ الغُزاةِ والفاتِحينَ. فَلا يَكادُ الأَمرُ يَستَتِبُّ فيها لِفاتِحٍ حتّى يَغزوَها فاتِحٌ آخَرُ يَنتَزِعُها مِن يَدِهِ ويَبسطُ سُلطانَهُ عَلَيها ويَفرِضُ فيها تَقاليدَهُ وعاداتهِ ويَنشُرُ مَدَنيَّتَهُ وأَساليبَهُ. وكانَ السُّكّانُ المَحلِّيّونَ يَقتَبِسونَ مِن هذا وذاكَ ما يَتَّفِقُ مَعَ مَشارِبِهِم وأَهوائِهِم، مِمّا جَعَلَهُم سَريعي التَّطوُّرِ والانتِقالِ مِن حالٍ إلى حالٍ). (1)
تُشيرُ الوَقائِعُ إلى أنَّ الإِنكليزَ هُم الَّذينَ طَرَدوا العُثمانيّينَ مِن سُورِيّا، لا العَرَبَ (السنة)، وأنَّهُم كانوا وَراءَ تَنصيبِ أَميرٍ حِجازيٍّ مَلِكًا على سُورِيّا تابِعًا لَهُم.
عِندَما قَدِمَ الأَميرُ فَيصَلُ إلى دِمَشقَ خَرَجَ وُجَهاءُ المَدينَةِ لِاستِقبالِهِ، ودَخَلوا مَعَهُ إلى دِمَشقَ، وتَوَجَّهوا إلى دارِ الحُكومَةِ لِيَستَقبِلوا الأَميرَ مُهَنِّئينَ. ((2)
أَصدَرَ فَيصَلُ بِتاريخِ 5 تِشرينِ الأوَّلِ عامَ 1918 بَلاغًا يُذَكِّرُنا بِتَصريحاتِ كُلِّ غازٍ يَحتَلُّ بَلَدًا آخَر. يَبدأُ البَلاغُ بِتَقديمِ الشُّكرِ لِلسُّوريّينَ على ما أَبدَوهُ مِن عَطفٍ ومَحبَّةٍ وحُسنِ قَبولٍ لِجُيوشِهِ المَنصورَةِ، والمُسارَعَةِ إلى البَيْعَةِ لَهُ بِاسمِ مَولانا السُّلطانِ أَميرِ المُؤمِنينَ الشَّريفِ حُسينٍ نَصَرَهُ اللهُ.
لَم تَتَغَيَّرِ الصُّورَةُ بَينَ الماضِي والحاضِرِ. فَقَد سَبَقَ أنِ استَقبَلَ وُجَهاءُ المُدُنِ السُّوريَّةِ الغازيَ العُثمانيَّ وهَنَّأوهُ بالنَّصرِ على المَماليكِ في مَرجِ دابِق، وقَدَّموا لَهُ الطّاعَةَ وحَقَّ السِّيادَةِ عَلَيهِم. وَقالَ الغازيُ العُثمانيُّ حينَها ما يُشبِهُ كَلامَ الأَميرِ فَيصَل، وما يُشبِهُ كَلامَ نابُليونَ بونابَرت عِندَما احتَلَّ مِصر، وكَما قالَ أَحفادُ نابُليونَ عِندَما دَخَلوا دِمَشقَ بِقيادَةِ الجِنرالِ غورو".
ينتهي هنا الاقتِباسُ مِن كِتابي. ويُعطينا هذا المُوجَزُ التّاريخيُّ المكثف فِكرَةً عَن أنَّ الشَّعبَ الَّذي نُسَمّيهِ اليَومَ «الشَّعبَ السُّورِيَّ» تَسمِيَةٌ هُلامِيَّةٌ. فعِندَما تَمَّ طَردُ العُثمانيِّينَ مِن سُورِيّا، شَعَرَ سُكّانُ المِنطَقَةِ، ولا سِيَّما في المُدُنِ الكُبرى، أَنَّهُم لا يَملِكونَ هُوِيَّةً خَاصَّةً بِهِم. فَمَن هُم؟
هَل هُم شَعبٌ إِسلاميٌّ؟ وإِذا كانَ الأَمرُ كَذٰلِكَ، فَكَيفَ يَقبَلُ شَعبٌ إِسلاميٌّ أَن يَفصِلَهُ الإِنكليزُ المَسيحيّونَ الكفرة عَن دَولَةِ الخِلافَةِ الإِسلاميَّةِ؟ أَم هُم شَعبٌ عَرَبيٌّ؟ لٰكِنَّ هذا الشُّعورَ لَم يَكُن حاضِرًا عِندَ عامَّةِ العَرَبِ السُّوريِّين. فهم لَم يَتَمَرَّدوا يَومًا ضِدَّ الاِحتِلالِ العُثمانيِّ خلال أربعة قرون لكونهم عرباً يتمايزون عن الترك. أَم هُم شَعبٌ سُورِيٌّ لَهُ هُوِيَّتُهُ الخَاصَّةُ؟ وإِذا كانَ الأَمرُ كَذٰلِكَ، فَلِماذا قَبِلَ أَن يَكونَ المَلِكُ عَلَيهِ شَخصًا غَيرَ سُورِيٍّ، جاءَ مِنَ الحِجازِ، في سِياقٍ بدا أَنَّهُ جاءَ بِأَمرٍ مِنَ الإِنكليزِ؟ وتَبَيَّنَ لاحِقًا أَنَّ المَلِكَ فَيصَل لَم يَكُن لَدَيهِ شُعورٌ وَطَنيٌّ واضِحٌ تُجاهَ سُورِيّا، فَبِمُجَرَّدِ أَن هَدَّدَهُ الجِنرالُ غورو بِالدُّخولِ إلى دِمَشقَ، غادَرَها إلى العراق ليَبحث عَن أَرضٍ يَملِكُها وعرش يضعه فوق صدر الشعب العراقي بمساعدة الإنكليز. في المُقابِلِ، يُستَحضَرُ مَشهَدُ استِشهادِ يُوسُفَ العَظمَةِ الكُرديِّ وابنِ دِمَشقَ على أَرضِها في ميسلون. وتُروى عَنهُ عِبارَتُهُ المَشهورةُ أنَّهُ سيَدافِعُ عَن البَلَدِ حتّى الشَّهادَةِ كي لا يُقالَ إِنَّ الفَرنسيّينَ دَخَلوا دِمَشقَ سِلمًا.
انطِلاقًا مِن هذا السِّياقِ، تُطرحُ الأسئلة التالية: هَل يَرتَبِطُ الاِحتِلالُ التُّركيُّ لِأَجزاءٍ مِن سُورِيّا اليوم بـ "الوَطنيَّةِ السُّورِيَّةِ" المزعومة؟ وهل يتفق مع ِأيديولوجيَّةِ القَوميَّةِ العَرَبيَّةِ ورِسالَتِها «الخَالِدَةِ» كما ادعى البعثيون؟ ألا يَرتَبِطُ هُجومُ مِيليشياتِ الجَولاني على حَيَّي الأَشرَفيَّةِ والشَّيخِ مَقصودٍ للتغطية على شعورهم الضمني بأنهم ارتكبوا الخيانة في باريس بالرضوخ للإملاءات الاسرائيلية؟
منذ 2011 يَتَّهِمونَ الكرد بِالاِنفِصالِ، كَذِبًا وافِتراءً، ويدّعون أن محاربتهم للكرد ينطلق من حرصهم على «كُلِّ شِبرٍ مِن تُرابِ سُورِيّا»، في الوقت نفسه يرحبون بالاحتلال التركي لمساحات واسعة من أرض سوريا، والتنازل عن الجولان لإسرائيل.
يجب أن نتساءل: أين وطنية العرب السنة الذين يدعون الأكثرية؟
جميع حكّام دمشق منذ العصر الأموي وحتى أحمد الجولاني لم يحسبوا حساباً يوماً للشعب، لأنهم كانوا يدركون أن الأكثرية السنية لا تفهم من الوطنية سوى الولاء للحاكم، والولاء للغازي، والولاء لمغتصب السلطة، سواءً أكان خارجياً أم داخلياً.
مشكلة سوريا المعاصرة ترتبط بطبيعة الأكثرية العربية السنية. فهي تعتبر نفسها سيّدة على المكوّنات السورية الأخرى. وفي الوقت نفسه تتقن هذه الأكثرية العبودية للحاكم المتسلّط. لقد هتف آلاف العرب السنة للدكتاتور حافظ الأسد في الاستفتاءات خلال ثلاثين عاماً.
إن أوائل السوريين الذين حاولوا وضع اللبنات الأولى لوطنية سورية جامعة كانوا من الأقليات في الثورة السورية التي قامت ضد الاحتلال الفرنسي. وهم سلطان باشا الأطرش الدرزي، والشيخ صالح العلي العلوي، وإبراهيم هنانو الكردي. هذه الوطنية التي مزّقها عبد الناصر في زمن الوحدة، ثم حزب البعث بقيادة ميشيل عفلق، وحافظ الأسد وبشار الأسد.
إن الدعوات الكردية والدرزية والعلوية اليوم لتأسيس وطنية سورية جديدة تنبع من إدراك مسبق بأن «الوطنية» التي روّج لها حافظ الأسد وبشار الأسد، ويتبنّاها اليوم صاحب مقولة «أطيعوني» وحاشيته، هي وطنية تخص الحاكم ولا علاقة لها بالوطن والشعب.
لقد سعت الحكومة التركية بالاتفاق مع حكّام دمشق، وفي ظل الصمت الأمريكي والأوروبي، افتعال هذا الهجوم على حيي الأشرفية والشيخ مقصود بالقوة. والهدف الأساسي من هذا الهجوم هو جر قسد إلى معركة شاملة مع الجيش التركي. لكن قيادة قسد أوعى من أن تنزلق لهذا الفخ. وحتى لو سيطر جيش الحمشات والحمزات ووزارة الدفاع الجولاني على هذين الحيين، فإن ذلك نصر باهت في ظل خضوع حكام دمشق المُذِلّ لإسرائيل.
يدرك القاصي والداني أن الكرد في هذين الحيين قاتلوا بالأسلحة الخفيفة ضد حكومتين، حكومة الجولاني وحكومة أردغان، ببسالة وشرف، ما أدّى إلى انتصار معنوي كبير. لقد عزّزوا وحدة الأمة الكردية في الأجزاء الأربعة من كردستان بالأفعال لا بالشعارات. وقف الزعماء الكرد مع إخوتهم، وقامت المظاهرات في المدن الكردية ضد هذه الحملة المسعورة لحكام دمشق، بل هتف الكرد في البرلمان التركي نصرة لكفاح إخوتهم في هذين الحيين. وستتعزز هذه الوحدة أكثر فأكثر.
في الختام، أريد أن أقول لكل العقلاء من السوريين: إن تثبيت هوية سورية قابلة للحياة لا يكون بشعار القومية الأحادية، ولا بشعار ديني أو طائفي، ولا بتأبيد «وطنية السلطة» بالقوة العسكرية، بل بإعادة تأسيس الوطن كعقد مواطنة متساوية يضمن حقوق جميع المكوّنات، ويقيّد القوة بالقانون، ويمنع تحويل الخلاف السياسي إلى إباحة للدم أو تخوين جماعي. ومن دون ذلك تبقى «الهوية السورية» تسمية زائفة قابلة للاختراق، وتبقى الجغرافيا مرشحة لتكرار دورتها القديمة: صراع خارجي، وتنازع داخلي، ووطنية تُستهلك في الخطاب ولا تُنتج في الواقع.
مراجع
1. الدولة السورية. كتاب صدر بمناسبة استقلال سوريا عام 1947. الصفحة 18.
2. المصدر السابق. الصفحة 23.
#صالح_بوزان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟