أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - العراق يدور داخل صندوق مغلق














المزيد.....

العراق يدور داخل صندوق مغلق


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 17:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كان المشهد العراقي في الأسابيع الماضية يقدّم نفسه مثل شاشة قديمة فقدت توازن صورتها. فتصريحات زعماء الإطار التنسيقي الذي تنضوي تحته أحزاب وميلييشيات إيران، تكشف دون موارية الصراع بالأسنان على منصب رئيس الحكومة، سياسة العض ماركة مسجلة في المنطقة الخضراء منذ عام 2003. هناك عض مالي وعض طائفي وعض ضغائن وكراهية في قائمة تتجدد في العراق وحده!
ومن يعول على الوعود الأميركية يتناسى أنهم كانوا السبب في الوصول إلى نقطة الفشل المستمرة. أما تصريحات مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعراق جديد خالي من الميليشيات، فهي مجرد تهديدات منزوعة القوة بمجرد استعادة سياسة التخادم الأميركي الإيراني المستمرة في العراق. مع ذلك دعونا نترقب لنرى إن كانت سياسية ترامب الجديدة في العراق نوعا من الحل الذي يبحث عنه العراقيون لاستعادة بلدهم المختطف!
هكذا الألوان تتداخل. الخطوط تهتز. والوجوه السياسية تظهر بلا ملامح واضحة. كل شيء يتحرك ببطء، كأن الزمن في بغداد يختبر قدرته على التمدد. ومع ذلك، هناك صوت الشارع الهادر: إلى أين يمضي البلد؟ وإلى متى تبقى السياسة مجرد إعادة تدوير لإنهاك الناس؟
المشهد لا يحتاج إلى خيال واسع. يكفي أن تنظر إلى التصريحات اليومية من محمد شياع السوداني إلى نوري المالكي وحتى محمد الحلبوسي، تلك التي تُقال بثقة زائفة، وكأننا أمام مسرحية يعرف الجمهور نهايتها منذ زمن. الأحزاب تتحدث عن “الإصلاح” بحماسة، ثم تعود إلى مقاعدها المتربعة منذ أكثر من عقدين، غير مستعدة للتنازل عن شيء. الحكومة تعد بـ”خطط استراتيجية”. لكنها خطط تولد بلا أقدام. تمشي بالكاد. ثم تتبخر.
هناك مفارقة عراقية ثابتة: السياسي الذي يتكلم أكثر هو الأقل قدرة على الفعل. والشارع الذي يصمت أكثر هو الأكثر قدرة على التغيير. مفارقة مُربكة. لكنها تكشف أن النظام السياسي لا يسمع إلا نفسه. لا يسمع غيره. كأن البلاد تدور داخل صندوق مغلق، والجميع يبحث عن نافذة لا وجود لها.
في هذا السياق، تبدو العلاقة بين بغداد وجيرانها مجرد معادلة تتبدل بتغيير الولاء وفق منطق انتهازي مكشوف للعراقيين برمتهم. فمرة تتقدم لغة التهدئة. ومرة ترتفع نبرة التوتّر. وغالبا ما تكون سياسة الانصياع كما يحدث في العلاقة مع إيران. كل شيء قابل للتغيير. إلا حقيقة واحدة: العراق ما زال ساحة مفتوحة لتجاذبات كثيرة. تجاذبات تستهلك موارده. تلتهم مؤسساته. وتترك الناس أمام سؤال مرّ: لماذا لا يملك البلد حق تقرير مصيره الكامل رغم كل ما يُقال عن “السيادة”؟
النفوذ الإيراني مثال صريح. نفوذ يختار أن يكون ثابتًا حيث ينبغي للدولة أن تتحرك. يتمدد في لحظة الفراغ. ويملأ المؤسسات بما يكفي لإرباك أي مشروع يريد أن يمشي نحو استقلال حقيقي. ومع ذلك، ثمة من يصرّ على تكرار الخطاب نفسه: “العراق مستقل”. جملة تُقال بكثير من الثقة، لكنك حين تدقق فيها، لا تجد إلا فراغًا واسعًا يبتلع معناها.
الغرب يراقب. يكتب تقاريره. ينشر تحليلاته. لكنه في العمق يدرك أن المشهد العراقي لا يتيح رفاهية الحسم. نيويورك تايمز تتحدث عن “ديمقراطية معلّقة” وبلد يديره “لصوص دولة”. فايننشال تايمز ترى عراقًا يملك موارد من ذهب، لكن السياسة تُحوّل الذهب إلى غبار. أما الغارديان فتتساءل بدهشة: كيف لبلد يملك هذا التاريخ أن يعيش بهذا القدر من العجز؟ أسئلة تأتي من عواصم بعيدة، لكنها تُصيب جوهر الألم.
ولأن السياسة مرآة، فإن ما يظهر فيها اليوم ليس سوى صورة متعبة لطبقة سياسية أدمنت البقاء مهما كانت التكلفة. طبقة تتصرف كأن الزمن ملك لها. كأن الناس خارج الحساب. وكأن العراق مجرد جغرافيا تُدار ببرود لا يليق بتاريخها.
لكن ثمة شيء يتغير رغم الصمت. يتغير في الوعي. في النقاشات اليومية. في الأجيال الجديدة التي شبعت من خطاب الماضي. أجيال لم تعد تؤمن بالشعارات القديمة. تبحث عن شيء أبسط: دولة طبيعية. دولة لا تُدار بالاستثناءات. ولا بالخوف. ولا بسطوة سلاح الميليشيات الذي يتقدّم حين يفشل الكلام.
في السنوات الأخيرة، بدا العراق مثل رجل خرج من حرب طويلة لكنه لم يجد بابًا يعود منه إلى حياته. يقف في منتصف الطريق. ينظر إلى الوراء بحزن. وإلى الأمام بتردد. ومع ذلك، يملك إصرارًا غريبًا على الاستمرار. إصرارًا يشبه عناد العراقيين حين يرفضون الاستسلام رغم كل ما مرّوا به.
السياسة اليوم تعيد إنتاج اللعبة القديمة، لكن الشارع لم يعد كما كان. لم يعد مستعدًا لتصديق الوعود. ولا للرضوخ. هناك شيء يتحوّل في الأعماق. شيء يشبه بداية كلام جديد، حتى لو لم يكتمل بعد. فهل اقترب العراق من انفجار طنجرة الضغط الكاتم؟
ثم تأتي لحظة السؤال الحتمي: هل تحتاج بغداد إلى زلزال سياسي كي تعيد ترتيب بيتها؟ أم يكفي أن تعترف الطبقة السياسية أن هذا البلد أكبر من حساباتها؟ سؤال بسيط. لكنه يبدو عسيرًا على من بنى وجوده على التعطيل لا البناء.
وهنا تظهر المفارقة الأشد وضوحًا: كلما ازداد الحديث عن “التوافق”، ازداد الانقسام. وكلما ارتفع خطاب “الإصلاح”، ازداد الخراب. كأن ثمة لعنة لغوية تحوّل الكلمات الجميلة إلى أفعال قبيحة حين تصل إلى التطبيق.
العراق اليوم لا يحتاج إلى نظريات. يحتاج إلى واقعية شجاعة. يحتاج إلى قرار يُتخذ لصالح المستقبل، لا لصالح البقاء في الماضي. يحتاج إلى دولة تستعيد مؤسساتها قبل أن تستعيد خطابها. وإلى سياسة تفهم أن الناس لم يعودوا مادة تكميلية في مشهد طويل وممل.
في النهاية، يبقى العراق أكبر من محنته. بلد يرفض أن ينكسر رغم كل ما ينكسر فيه. بلد لا يسمح لنفسه أن يكون نسخة كئيبة مما يريد الآخرون له أن يكون. عراق يتنفس بصعوبة، لكنه يتنفس. وربما هذا يكفي كبداية.
لأن الدولة التي تتذكر نفسها، ولو متأخرة، تستطيع أن تعود. وتستطيع أن تنقذ ما تبقى من ملامحها قبل أن تضيع تمامًا في زحمة الشعارات. وما على الساسة إلا أن يدركوا أن الوقت يضيق. وأن الناس لم تعد تقبل أن تبقى المتاهة قدرًا دائمًا.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ريان شرقي يربك فلسفة غوارديولا
- هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث
- أصدقائي الموتى في رأس العام
- العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه
- صندوق أكاذيب البصرة
- مكابرة دنزل واشنطن على السنين والثراء
- من يملك الإعلام العراقي؟ الجواب سهل!
- الملهم غوارديولا.. أخلاقي عندما يتعلق الأمر بفلسطين
- إحسان الإمام يعيد نبض القلوب
- عفيفة إسكندر وشهد الراوي
- المعادل الطائفي في العراق
- الحقيقة المؤجلة عند الشريان وقطيش
- زمن النسيان العام
- باب انتخابي دوّار لا يفضي إلى وطن
- المستقبلية في ألحان كاظم الساهر
- بغداد تتفوق على برافدا في الخيال السياسي
- تونس مختبر الذاكرة


المزيد.....




- ترامب: كوبا لن تحصل على نفط فنزويلا وعليها عقد اتفاق -قبل فو ...
- -منطق المطوّر العقاري-.. تحليل يكشف دوافع ترامب الحقيقية ورا ...
- حمد بن جاسم يعلق على احتمال -انضمام تركيا- للاتفاق الدفاعي ب ...
- -مستعد للعودة إلى طهران-.. من هو رضا بهلوي نجل آخر شاه لإيرا ...
- من بورت سودان إلى الخرطوم.. إعلان رسمي بعودة الحكومة السودان ...
- وسط تهديدات ترامب.. أوروبا تناقش نشر قوات في غرينلاند
- صحف عالمية: تحركات أوروبية محتملة لعسكرة غرينلاند
- إسرائيل في حالة تأهب قصوى مع تصاعد الاحتجاجات الإيرانية وخطر ...
- موقع زيتيو: أنس الشريف الشخصية الأكثر تأثيرا في مجال الصحافة ...
- -على حافية الهاوية-.. بحث إسرائيلي يكشف تدهور الصحافة بعهد ن ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - العراق يدور داخل صندوق مغلق