أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عبدالحميد برتو - نظرة إلى عالم اليوم (12)















المزيد.....

نظرة إلى عالم اليوم (12)


عبدالحميد برتو
باحث

(Abdul Hamid Barto)


الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 16:23
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


دور طوفان الأقصى في الانكشاف الدولي

بدأت مرحلة جديدة على صعيد الوعي العالمي، بفضل بسالة الشعب الفلسطيني في غزة وتضحياته التي فاقت كل التصورات والتقديرات. جاءت تلك التضحيات التي قلَّت مثيلاتها، خاصة بعد فترة من اليأس، الخمول و خور العزائم، الذي ساد العالم منذ أكثر من أربعة عقود مضت. كانت عملية طوفان الأقصى أول هزة عنيفة، أفاق لها العالم بعد ضياع وخضوع مديدين. تناولنا أسباب تلك الغفوة الكونية عدة مرات. لقد أحيت حالة ظهور التململ الانساني، الذي حرّكته الوحشية التي صبت على الشعب الفلسطيني، خاصة عند الأجيال الشابة عوامل كثيرة عالمية، إقليمية وفي كل بلد على حدة. وقبل كل تلك العوامل المؤثرة. كان بروز و إنكشاف زيف كل ما طُرح أمام الناس، بوسائل الحرب الناعمة الاستعمارية، من ادعاءات مصاغة بخبرات متنوعة، توقدها مهارات المصالح اللئيمة.

كاد تختفي حالات، أهداف وشعارات، مثل: حركة التحرر الوطني، حقوق الكادحين، النضال من أجل التحرر الوطني حق مشروع، التوزيع العادل للثروات الوطنية وتعميم الخدمات العامة وغير ذلك من القيم والحقوق والمطاليب. بل هناك حالات غابت أصلًا، مثل: المعسكر الإشتراكي، الدعوة للبناء الاشتراكي وحقوق العمال، ولحد ما حتى الاضرابات العمالية والمهنية. حَلَّ محلها التوجه غربًا حيث الخلاص الموهوم. ولكن ماهي إلا سنوات قليلة لتظهر الحقائق جليّة، ويرفع الستار المضلل عن كل الشعارات الغربية المغرية بشكلها وطريقة بنائها، والتي في واقعها مادة ملوثة وجائرة، لا تؤمن سوى بالربح وقهر الآخر.

كانت أجيال كاملة ترى أو تسمع عن فظاعات الحروب. لكنها لأول مرة ترى اليوم حربًا فاقت بوحشيتها حتى خيال مجرمي الحروب السابقة. إنها حرب تستهدف الإبادة الشاملة، ليس ضد المقاتلين فقط، إنما ضد كل الناس، بل حتى ضد الشجر والحجر، ضد الماء والزرع والضرع. أختفت العنصرية، الأنانية الاستعمارية و روح العدوان المتأصلة بالعقول الحاكمة في الغرب، لأكثر من عام ونصف من زمن الجريمة ضد شعب غزة والشعب الفلسطيني عامة، وراء عبارة زائفة ومصممة بعناية، تقول: حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها. لاخفاء ما يقدمونه من دعم بالسلاح والخبرات والمعلومات التجسسية وغيرها. ولتغطية سلوك التواطؤ مع الإستيطان الإستعماري بطبعته الأكثر بشاعة. هذه المرة حاولوا خداع شعوبهم التي تعرفت على الحقائق بعبارات غامضة ودون وقع ملموس. بعد هذا الإفتضاح إنفردت أمريكا بالدعم المطلق للعدوان إلى يومنا هذا، دون احترام لذاتها وادعاءاتها التي باتت مقرفة حتى لقسم كبير من مواطنيها.

كانت تضحيات غزة جسام، لكن ثباتها فاق كل المعايير المعروفة تاريخيًا. كان طوفان الأقصى أول تمرد للشعوب بعد حالة الإنهيارات في أرجاء العالم كافة، التي أعقبت تفكيك الاتحاد السوفياتي السابق، حيث سادت حالة من الذهول، الركود، فقدان الأمل والخنوع. تركت هذه الحالة أثرًا سلبيًا على قوى وسياسة اليسار عامة، سواءً كان من أنصار السوفيت أم من خصومهم أو حتى من المعادين لهم. إن إنفراد دولة واحدة بمركز القطب الأوحد للعالم، يعني التمهيد لقيام دكتاتورية عالمية وحرمان الشعوب من حقها في بناء ذاتها الوطنية. كما جرى إخفاء الجشع والروح العدوانية والإبتزاز الأمبريالي ظاهريًا، خلف شعارات رائعة، صنعت بمهارات عالية جدًا. لكن ينبغي الاعتراف بأن تلك المهارات إستهوت أعدادًا غير قليلة من الوطنيين ضد أوطانهم.

جاءت الحرب على غزة لتكشف المستور كله ودفعة واحدة. فكانت الأصداء رائعة وعالية في أرجاء المعمورة كافة. هذا الوعي الجديد سوف يخلق الأدوات والوسائل والأفكار الخلاقة. ويعيد الإعتبار إلى خبرات الشعوب التي كاد يطويها النسيان. بديهي أن معارك الشعوب من أجل حقوقها مديدة وتتطلب تضحيات جسام. وهي لا تتوقف عند تجربة واحدة سواء كانت ظافرة أو منتكسة. كل نهضة عملاقة تبدأ بالتململ. وقد ذهب الكثير من المفكرين الأحرار مسافات أبعد في تصوراتهم عما خلقه صمود الشعب الفلسطيني في غزة، حيث اعتبروا ما يحدث اليوم في العالم بداية إنهيار مرحلة تاريخية كاملة.

اطلقت أحدى عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الإحتلال الاسرائيلي يوم 7 تشرين الأول/ اكتوبر 2023. فكان رد الفعل الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني عنيفًا و وحشيًا وغير مسبوق. مارس المحتل خلال أكثر من عامين أبشع سادية عَرفتها الحروب. قتل آلاف الأطفال والنساء و الشباب، هدمت المنازل، العمارات السكنية، المخابز، المستشفيات، البنى التحتية مشاريع الماء والكهرباء والامدادات وكل مقومات الحياة، على أساس وهم محاولات إقتلاع الفلسطينين من أرضهم، هذا إلى جانب سادية شهوة القتل. ومازال القتل مستمرًا وتواصلت و تتنوعت عمليات الإبادة إلى يومنا هذا، مارسوا قتل الحياة بصورة لم يسبق لها مثيل في أي حرب من كل الحروب الحديثة أو القديمة.

تعاني غزة من حصار يهدف التجويع لدفع الناس إلى ترك ديارها، ذلك منذ أكثر من 15 عامًا. وأخيرًا تم اغلاق المعابر لقطع شريان الحياة عن ملايين المواطنين. هذه الجرائم أثارت غضب الرأي العام الشعبي في العالم بأسره. ساهمت الحكومات الغربية في التستر على تلك الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين. لكن بشاعة جرائم العدوان السابق والراهن، عجز الغرب عن تغطيتها بالكامل. تعرى كذب الأنظمة أمام شعوبها. تراجع بعضهم على مهل بعد إفتضاح كذبهم أمام شعوبهم.

تجسدت في فلسطين بوضوح لاإنسانية القوى الكبرى الاستعمارية. بانت الفوارق الهائلة بين جمالية الشعارات وقبح الممارسات العملية والتطبيقية. برهنت التجربة العملية بأن الظلم لا تتم تعريته سوى من خلال عمليات مواجهته. تم ذلك بعد أن إكتشفت قطاعت واسعة من مختلف الشعوب الحقيقة السافرة بكل بشاعتها. هبت موجات واسعة من التضامن الشعبي، خاصة في المدارس والجامعات والمعامل وبين الأجيال الشابة. هنا برز دور النقابات العمالية والحركات الطلابية وغيرهما.

كشف العدوان الاجرامي الطبيعة الرعناء لمعظم الأنظمة العربية. تخلت تلك الأنظمة حتى عن الشعارات التي تاجرت بها عقود من أجل الاستمرار في حكمها. تخلت عن الإدعاء بمركزية القضية الفلسطينية العادلة. إذ أعاق إستبدادها التحرك الجماهير الأوسع تعبيرًا على طريق دعم النضال الفلسطيني. إنها تخشى من أي تحرك جماهيري في الشارع. إن للتحرك الجماهيري العربي الواسع دور كبير لو إنطلق. لأنه يدخل حالة مهمة تدفع الحكام العرب المهادنين إلى الحذر من دعم الإستهتار بمصير الشعب الفلسطيني.

تقع مسؤولية تفكيك الرواية الصهيونية على عاتق كل إنسان يحمل روحًا إنسانية فقط. عقدت الصهيونية حلفًا متينًا مع الغرب الاستعماري عامة، خاصة مع الولايات المتحدة. ينبغي إدراك حجم تغلغل القوى الصهيونية في الإعلام والنتاج الرقمي العالمي. لنصل إلى الناس لنشر حقيقة ما يجري. يتغير عالم اليوم بوتيرة أسرع. تتكثف أهمية دور اليسار في إعادة تعشيق نضالات الشعوب ببعضها البعض. تبقى فلسطين في قلب معركة الشعوب من أجل حقوقها، لأنها تواجه آخر إستعمار إستيطاني على وجه الكوكب، ولأنها تجسد حي لحق الشعوب في النضال ضد أي إحتلال، وحق استخدام جميع الوسائل النضالي التي أقرها تاريخ البشرية جمعاء، وتحريم القتل الجماعي وحروب الإبادة والتطهير العرقي وطرد السكان من أراضيهم، وانتهاك جميع الشرائع العادلة.

إن شعار حق الشعوب صغيرها وكبيرها في تقرير المصير، وفي إستخدام جميع وسائل النضال من أبسطها إلى أصعبها لنيل حقوقها، حق مشروع وليس موضع جدل. من المؤسف والمحزن إن بعض الأنظمة العربية وبعض القوى السياسية و بعض أصحاب القلم بحثوا عن وسائل تتغطى بها مواقفهم الذليلة والمهينة. تم ذلك من خلال تجنب الإشارة إلى حق أي شعب محتل، بأن يقاتل المحتل بكل الوسائل المتوفرة لديه. وفي تجاوز مقصود جرى التعكز على النهج السياسي لمنظمة حماس. إنطلق كل طرف عربي أو جهة سياسية أرادت أن تبرر خذلانها وجبنها من خلال إتهام منظمة حماس بالعلاقة مع حركة الأخوان المسلمين وأخرون أنطلقوا من إتهامها بالعلاقة مع أيران كل حسب ضيق أفقه. هنا تناسوا أن حرب التحرير الوطنية أو حرب الدفاع عن الأرض تدعم لا على أساس فكر المنظمة الرئيسية في ذلك النضال. إنما على أساس مشروعية وعدالة المطلب الرئيس التحرر الوطني، وإدانه جرائم المحتل التي قلَّ نظيرها في التاريخ الحديث.

إن قرابة ثلاث سنوات من القتل من أجل القتل ألم تقدم الدليل على هدف المحتل. هدف لا يرضى به كل مَنْ بَقِيَ لديه بقايا ضمير أو مجرد أحساس إنساني بسيط. جاء الموقف الأمريكي المُساند للغزو الإسرائيلي على قطاع غزة، وما رافق ذلك الغزو الى يومنا هذا من فظاعات ليثير غضب شعوب العالم أجمع، بما فيهم أجزاء واسعة من الشعب الأمريكي نفسه، خاصة في أوساط الأجيال الشابة وطلبة الجامعات. باتت حتى الحكومات الغربية الموالية لاسرائيل لا تتجرأ على إعلان مواقفها الداعمة لتل أبيب، من جراء تلك الفظاعات التي ترتكبها الأخيرة ضد شعب فلسطين وضد كل القيم الانسانية والأخلاقية.

كشف الحراك الطلابي في الجامعات الأميركية الرافض للعدوان على غزّة عمق التحولات في أوساط الشباب. كذلك تزايدت أعداد المنصّات المعارضة للصهيونية واللوبيات المالية. كما تكشف الفشل في السياسات الاقتصادية، خاصة ما يتعلق بالضمان الصحي والسكن وغيرهما. اتسعت الفجوات الإجتماعية تحت طائلة مؤثرات عرقية وغيرها من التمايزات. تصاعد الانزعاج من ضعف الإدارات الحكومية أمام الكوارث البيئية وأمام مصالح الشركات الكبرى. والأهم أن أعدادًا كبيرة من السواح الأمريكيين، صرحوا بأنهم أخفوا هوياتهم أمام مواطني الدول التي زاروها، خجلًا من موقف حكومتهم الداعم للعدوان البربري ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

بدأت ملامح المعادلة تتغير في العالم. لتصبح التظاهرات ذات مضامين أكثر عمقًا من أي وقت مضى. بدأت بعض الحكومات الغربية تراجع مواقفها على الأقل كي لا تتحمل العار وبأقل قدر من التضامن الفعلي مع الضحايا. لا تريد شراكة معلنة مع اسرائيل في عنصرية جرائمها. إن الدول الغربية محرجة أمام شعوبها، خاصة أمام ما كانت تروج له من شعارات ذات طبيعة إنسانية لأغراض الدعاية حسب. إن نضال الشعب الفلسطيني وتضحياته الجسام خلقت حالة جديدة في عالم اليوم. ينبغي على القوى الحية في منطقتنا أن تدعم هذه المسيرة وتعمق تأثيراتها الكبيرة على الوعي الإنساني العالمي.

توجهت أنظار العالم منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى يومنا هذا صوب غزة. كُلٌّ يَنظر إلى الحالة المؤلمة من زاويته. تعددت زوايا الرؤية، ليس فقط حسب المصلحة، الموقع والموقف السياسي والفكري و قوة أو ضعف النزعة الانسانية، بل حتى وصل الأمر إلى الفوارق في الفئات العمرية، حيث ظهرت الفئات العمرية الشابة، بأنها هي الأكثر وضوحًا وصدقًا في تفهم أجواء المحنة الفلسطينية. هذه المواجهة وهي الأطوال في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني والصراع العربي ـ الصهيوني. أستمرت الحرب الشاملة على غزة 735 يوماً. ولكن إعلان وقف إطلاق النار مازال هشًا وأخذ طابع الحرب من طرف واحد، من طرف تل أبيب وحدها، التي كعادتها لا تقيم وزنًا للقيم والقرارات الدولية.

خلق العدوان الكثير من الحقائق الجديدة، من أهمها: إنكشاف طبيعة السياسات الغربية خاصة الأمريكية، ظهور الصهيونية على حقيقتها عارية أمام جميع شعوب عالم، إنكشاف المواقف الإنتهازية للحكومات الغربية أمام شعوبها. تواطؤ معظم الأنظمة الرسمية العربية. تضحيات شعب فلسطين في غزة أعادت الاعتبار للقيم الإنسانية في أطراف العالم كافة. لم يشهد التاريخ إختبارًا للمواقف والشعارات كما شهد في غزة. من الخطأ الفادح تقويم تجربة غزة من خلال النظر إلى الدين السياسي أو التحالفات الإقليمية. إنها حرب تحرر وطني ضد استعمار استيطاني متوحش.

إنهارت خلال 735 يوماً من العدوان المنفلت ذريعة الغرب القائلة بـ"حق إسرائيل في الدفاع عن النفس". وبدأت تتوالى الكلمات الناعمة الداعية الى وقف الحرب دون فعل ملموس. وبعد وقف إطلاق النار واصل المعتدي إعتداءاته المبرمجة. إنفردت الولايات المتحدة الأمريكية بالدعم الشامل للعدوان مع بعض الدعوات الخالية من مضمون ايجابي. عرى العدوان على الشعب الفلسطيني طبيعة تل أبيب ومَنْ يقف خلفها، ورفع الكلفة الإقتصادية لدورها في قمع شعوب المنطقة.

يخطأ من يظن أن القضية الفلسطينية ستجري تسويتها بطريقة إنسانية وعادلة في الأفق المنظور. ستستمر المناورات والخطط الخبثة والإجرامية وستتواصل التضحيات. على الرغم من تبدل المشاهد بما يوحي بالسلام أو إستمرار الإبادة. هذا الأمر مرتبط إرتباطًا وثيقاً بالحالة الدولية ومسيرتها وتموجاتها. لكن ما ظهر على شاشة الإحداث أن القاعدة التي بُنيت منذ 1948 كمعسكر للغرب الإستعماري ضد شعوب المنطقة وطموحاتهم لم تعد عمليات إدامتها سهلة. وإن كلفتها المادية والأخلاقية باتت ثقيلة على الغرب بوجه عام، وعلى الولايات المتحدة بشكل خاص. وإن العدوان الذي قلَّ نظيره أيقظ وعي الأجيال الشابة وعرى جميع الشعارات ذات المسحة الإنسانية الجميلة في وجهها الظاهر والعدوانية في باطنها. هذا ما تخشاه واشنطن أن يكون معسكرها أمامي اسرائيل في المنطقة العربية بات أكثر كلفة مادية وأخلاقية حتى من تدخلها العسكري المباشر، وبالسبب نفسه يُفسر السلوك العسكري الإسرائيلي الذي بدأ يتصرف بجنون وذعر في وقت واحد.

خلال فترة الحرب الباردة 1947 ـ 1991، شهد العالم النامي سلسلة من التحولات الثورية أو الانقلابات السياسية والاجتماعية، التي لم تكن بمعزل عن الصراع العالمي، بل كانت في معظمها مرتبطة بالصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. كانت الدول النامية في آسيا، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية ساحة رئيسية للصراع المحلي، ودوليًا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. إن عدم قدرة الغرب الاستعماري على إنفراد بإدارة العالم ترك مساحة لمعارك الشعوب صوب استقلاله وتقدمها.

تنوّعت طبيعة التحولات الثورية وأشكال هذه التحولات بين: ثورات تحرر وطني ضد الاستعمار، مثل: الجزائر، فيتنام و أنغولا. انقلابات عسكرية ذات طابع اشتراكي أو قومي، مثل: مصر 1952، ليبيا 1969 و إثيوبيا 1974. ثورات اشتراكية مدعومة من الاتحاد السوفيتي، مثل: كوبا 1959 و نيكاراغوا 1979. ومن الجانب الآخر حركات مناهضة للشيوعية بدعم أمريكي، مثل: كوريا الجنوبية، تشيلي بعد 1973 وأفغانستان في الثمانينيات.

ولّدت هذه التحولات أنظمة جديدة تبنّت الاشتراكية أو المنطلقات القومية، وأحيانًا أنظمة سلطوية باسم الثورة. كما أدت إلى استقطاب حاد داخل العالم الثالث بين الأنظمة التقدمية والموالية للغرب. أسهمت في تشكيل حركة عدم الانحياز كخيار ثالث حاول الخروج من فلك الاستقطاب. تلاحم الصراع الإجتماعي مع الصراع القطبي.

يمكن القول إن التحولات الثورية في دول الجنوب خلال الحرب الباردة، كانت في جانب منها انعكاسًا مباشرًا للرغبات والمصالح الوطنية و للصراع القطبي أيضًا. ومع نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي، فقدت تلك التحولات زخمها الأيديولوجي وقوة المساندة الخارجية وسادت حالة القطب الواحد القوي والمتحكم بكل المعادلات الدولية، وتحولت أغلب الأنظمة الناتجة عنها إلى البحث عن الشرعية الاقتصادية والانفتاح على الاقتصاد العالمي. هذا شجع الغرب على ممارسة ضغوط أقوى وبأشكال متنوعة. ولكن المعادلة الأخيرة بدأت تتفكك والشعوب تبحث عن طريقها المناسب والفعال.

مرت فترة مديدة من إنقطاع الممارسة النضالية. غابت الروح النضالية تجمدت القدرات على إستيعاب التطورات والأحداث الجديدة وضعفت القدرات على قراءتها، ناهيك عن وضع البرامج لمواجهة المتطلبات الضرورية لتحقيق أي تقدم نضالي أو معنوي، وإيجاد المستوى الضروري من التحليل والتقرير و وضع البرامج. إنها ببساطة مرحلة الذهول الكونية. ربما من أبرز عوامل حالة الإنهيار هذه الجهل المطبق في فهم حقيقة الشعارات الغربية الجذابة الوجه البشعة المضمون، التي يروج لها الغرب، منها: حقوق الإنسان، الحريات العامة، الديمقراطية، ضد الإبادة الجماعية، ضد التطهير العرقي، حروب الإبادة ومجتمع الرفاهية وغيرها.

جاءت ثلاث سنوات من البشاعات، التي شنت على الشعب الفلسطيني، والتي تجاوزت بشاعاتها جميع الحروب السابقة، العالمية منها والمحدودة. في هذه اللحظات انكشفت أمام البشرية جمعاء حقيقة النفاق، التي سادت الحياة الدولية بكل جوانبها. بدأ يتشكل وعيًا جديدًا صميميًا، خاصة في أوساط الشباب في العالم أجمع، وفي عقر دار الغرب الاستعماري العنصري. إن نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة في نيويورك، كانت خير مؤشر على مرحلة جديدة دخلها العالم.

يتبع...



#عبدالحميد_برتو (هاشتاغ)       Abdul_Hamid_Barto#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظرة إلى عالم اليوم (11)
- نظرة إلى عالم اليوم (10)
- نظرة إلى عالم اليوم (9)
- نظرة إلى عالم اليوم (8)
- نظرة إلى عالم اليوم (7)
- نظرة إلى عالم اليوم (6)
- نظرة إلى عالم اليوم (5)
- نظرة إلى عالم اليوم (4)
- نظرة إلى عالم اليوم (3)
- نظرة إلى عالم اليوم (2)
- نظرة إلى عالم اليوم (1)
- مع الشاعر سمير الصميدعي
- البحث المتواصل طريق خيرالله سعيد
- التاريخ حجر الزاوية
- حين أبحر جمال العتابي
- رواية -كدمات اليمام- (3 والأخيرة)
- رواية -كدمات اليمام- (2)
- رواية -كدمات اليمام- (1)
- في عالم الذكاء الإصطناعي
- أوامر ترامب العجولة


المزيد.....




- ترامب: كوبا لن تحصل على نفط فنزويلا وعليها عقد اتفاق -قبل فو ...
- -منطق المطوّر العقاري-.. تحليل يكشف دوافع ترامب الحقيقية ورا ...
- حمد بن جاسم يعلق على احتمال -انضمام تركيا- للاتفاق الدفاعي ب ...
- -مستعد للعودة إلى طهران-.. من هو رضا بهلوي نجل آخر شاه لإيرا ...
- من بورت سودان إلى الخرطوم.. إعلان رسمي بعودة الحكومة السودان ...
- وسط تهديدات ترامب.. أوروبا تناقش نشر قوات في غرينلاند
- صحف عالمية: تحركات أوروبية محتملة لعسكرة غرينلاند
- إسرائيل في حالة تأهب قصوى مع تصاعد الاحتجاجات الإيرانية وخطر ...
- موقع زيتيو: أنس الشريف الشخصية الأكثر تأثيرا في مجال الصحافة ...
- -على حافية الهاوية-.. بحث إسرائيلي يكشف تدهور الصحافة بعهد ن ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عبدالحميد برتو - نظرة إلى عالم اليوم (12)