بن سالم الوكيلي
الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 14:24
المحور:
الادب والفن
في زمن يدار فيه القتل عن بعد،
وتوقع المذابح بأقلام نظيفة،
نكتب بلا لسان
وبلا وعد بالنجاة.
نحن أبناء الحطام،
أبناء ليل أغلق فجره إلى الأبد.
لم نأت لننقذ الأدب،
بل لنقف عند قبره
ونتأكد أنه مات فعلا.
نكتب
لأن الصمت صار شراكة،
ولأن اللغة لم تعد جسدا للمعنى
بل محضر زور
في جنازة الحقيقة.
لا ننتمي.
لا شعر يحملنا،
ولا نثر يسعنا،
ولا مسرح يطيق صراخنا،
ولا رواية قادرة على ترتيب هذا الخراب.
تلك الأشكال ولدت
حين كان الإنسان فكرة قابلة للحياة،
أما نحن فنكتب
في ما بعد الإنسان،
حيث القاتل نجم،
والضحية خبر جانبي،
والدم بيان رسمي.
اللامرجع
هو ما تبقى من الأدب
حين يفقد الضمير صوته
وتنتحر الأخلاق
بهدوء دبلوماسي.
هو كتابة من داخل الجرح،
لا من شرفته.
نص لا يفسر،
لأن التفسير صار فخا،
ولا يبحث عن معنى،
لأن المعاني مفخخة.
لا أسماء هنا.
الاسم ترف لا يليق بالمجازر.
نحن نشير فقط
إلى الآلية:
عقل بارد
يدير موت الشعوب من مكاتب معزولة،
ظل يتكلم على المنصات،
ومنطق يحول الإبادة
إلى ضرورة.
ليس شخصا،
بل اختراع.
حداثة خانت نفسها،
ذكاء صمم لتفكيك الطفولة،
ولغة دربت
على تبرير الفناء.
هو القاتل
الذي لا يحمل سلاحا،
بل يصنع الشروط.
لا يضغط الزناد،
بل يدفع الآخرين،
ثم يجلس خلف المشهد
ليوقع.
ولد اللامرجع
لأن العالم لم يعد يحتمل
كذبة أخرى،
ولأن الأدب المروض
فشل في قول ما يحدث.
في هذه الكتابة:
اللغة جريحة،
الخيال مكسور،
القارئ شاهد بلا محضر،
والكاتب ناج
من محرقة أخلاقية.
نكتب بلا مجاز؛
المجاز خيانة الآن.
بلا شخصيات،
لأن الوجوه احترقت.
بلا حبكة،
لأن الأحداث لا تمضي إلى نهاية
بل إلى فراغ أوسع.
في زمن القتل بالوكالة
تموت القصيدة عند أول قذيفة،
تحترق الرواية في مخيم،
وتدفن الفلسفة
في أجساد الأطفال.
فماذا بقي؟
بقي نص
بلا مرجع،
بلا تصنيف،
بلا اعتذار.
لا نكتب لينشر هذا الكلام،
بل ليترك
على جدار منهار
في مدينة أكلتها الحرب،
ليجده طفل بعد مئة عام
لا ليفهم
بل ليبكي.
نكتب
لأن الكتابة
آخر ما يتبقى من الإنسان
حين يصبح كل شيء آخر
ملكا للقتلة.
ومن ركام المدن،
ومن حطام الغابات،
ومن أفواه الأمهات المبتورة،
نعلن:
لسنا مدرسة أدبية،
نحن حفارو قبر للأمل،
ننزل فيه كلمات
ماتت من فرط الاستعمال.
لا نطلب انتماء،
فالانتماء امتياز
يقتل في الحروب.
نحن فقط
نروي ما لم يرو،
نقول ما منع قوله،
ونشير إلى القاتل
حتى لو ارتدى بدلة رسمية
وابتسم للكاميرا.
ندين المنهج لا الاسم،
الفعل لا القناع،
وكل من يقتل ثم ينكر،
وكل من يصنع موتنا
على هيئة
«ضرورة».
#بن_سالم_الوكيلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟