أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .














المزيد.....

مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 09:59
المحور: الادب والفن
    


يوم التاسع من نيسان لعام ألفين وثلاثة , كنتُ أرتقبُ الفاجعة من ضفاف )) جنيف )) الباردة , والقلبُ يغلي بمرارة الغربة ونار الذهول , رأيتُ عبر شاشة الـ (CNN) تمثالاً يهوي , ولم يكن مجرد برونزٍ يُحطم , بل كان رمزاً لدولةٍ تُستباح , كان (( بوش الابن )) يتقمص دور المخرج المسرحي , يوزع الابتسامات والتعليمات وكأن دماء الشعوب مجرد (( ديكور )) في فيلمه الطويل , وفي مفارقةٍ عجيبة , بثت القناة صوراً لنساءٍ في طهران يلوحن بالعلم الأمريكي , يزغردن بلغةٍ أعجمية لنصرٍ ظنه البعضُ خلاصاً , وأعقبتها مشاهد لمن ارتضوا لأنفسهم دور (( الذيول )) في بغداد , وهم يراقصون الغزاة فوق جراح الوطن , رافعين شعاراً يقطر سماً : (( ألف أمريكي ولا تكريتي )) , وكأنهم استبدلوا بظل النخلة سياط المحتل .

كان مشهد الانكسارمرعبا , وفي خضم هذا الصخب الزائف , كانت شوارع بغداد تئن تحت وطأة (( البسطال )) الثقيل , رأيتُ عبر الشاشة شيخاً عراقياً يقف أمام أطلال وزارةٍ منهوبة , يمسح دمعه بطرف كوفيته ويقول لمراسلٍ أجنبي : (( لقد سرقوا المتحف , ولكنهم لم يسرقوا التاريخ , فالتاريخ يُكتب بالدم لا بأسياخ الحديد )) , كانت المدافع تخرس , وصوت الغوغاء يعلو , وكان المثقفُ يلوذ بالصمت خشية أن يُتلف (( قطاع الطرق )) ما تبقى من كرامة الكتب , لقد فتحوا أبواب الحصن لخيول الطرواديين الجدد , وظنوا أن الحرية تأتي في جوف دبابة , وما علموا أن الحرية ابنة الأرض , لا تُستورد في صناديق المعونات .

وبدأت حوارية السيادة والخيانة : استذكرتُ حينها قول ذلك المواطن العراقي في عمّان , حين رد على المراسلة برباطة جأش : (( إن الحاكم ثوبٌ يُخلع , أما الوطن فجلدٌ لا يزول )) , كلماتٌ نزلت كالصاعقة على مسامع من برروا الخيانة بالظلم , ففي شرعة الأحرار, لا يبرر السوطُ الارتماء في حضن الغريب , ودارت الأيام دورة الرحى , فمن رقص بالأمس مع المحتل , وجد نفسه اليوم ذليلاً على عتبات من استقوى بهم , ومن رفع العلم الأمريكي نكايةً في أخيه , صار يبحث اليوم عن وطنٍ ضيعه في لحظة حقدٍ عمياء.

رماد الوعود وسنوات التيه : ومرت السنوات العجاف , فإذا بـ (( الربيع )) الذي وعدوا به يتحول إلى خريف دائم , وإذا بـ (( الفرح المزعوم )) الذي رقص له البعض فوق جثث المباني , ينقلب رماداً يغشى العيون , واكتشف الذين صفقوا للمحتل أن الدبابة لا تزرع ورداً , بل تحرث الأرض للأحقاد الدفينة , فصار الدم العراقي أرخص ما في المزاد , وصارت الهوية التي كانت تجمع الأطياف مزقاً تتخطفها الرياح , لقد أدرك المتفائلون بغباء أن (( الخلاص )) من الخارج هو استعمارٌ بملابس تنكرية , وأن من فتح الباب للريح , لم يحصد سوى الإعصار الذي اقتلع الأخضر واليابس , وترك البلاد نهباً لكل طامعٍ و(( ذيل )) غريب.

نأتي لبغداد وحكمة المواطن الصابر , فاليوم , حين أنظر إلى وجه بغداد المتعب , أتذكر كلمات ذلك المواطن في عمان وهو يتنهد : (( الدنيا دوارة )) , لقد صدقت نبوءته , فالمحتل الذي جاء متجبراً بقوته , خرج يجر أذيال الخيبة في جنح الظلام , تاركاً خلفه بلداً مثخناً بالجراح , لكنه - رغم الطعنات - لم يمت , أما الذين رقصوا مع الجنود , فقد تواروا في مزابل التاريخ أو صاروا يقتتلون على فتات الموائد , بينما بقيت العراقية الشريفة صامدة , لم تلوث كرامتها رياح (( الثقافة )) الدخيلة التي أرادوا بها مسخ الحياء , بغداد اليوم , وإن كساها الغبار , لا تزال تهمس في أذن الزمان : (( التيجان تزول , والقلاع تهوي , ويبقى وجه الوطن شامخاً لا يطأطئ إلا لله )) .

أما (( الديمقراطية )) التي بشّر بها (( بوش )) وزمّر لها المنتفعون , فقد تجلت في أقبح صورها : محاصصةً تقسم الرغيف على أساس العرق واللون , وسياسةً تُدار بالسكاكين المخبأة وراء الابتسامات الصفراء , لقد أرادوها حريةً تقود إلى التبعية , فإذا بها تنقلبُ سحراً على الساحر , حيث تمزق النسيج الاجتماعي الذي صمد لآلاف السنين , وقف (( ذيول )) الأطراف يقتسمون الغنائم , يبيعون النفط ويشترون به ذمماً وخراباً , متناسين أن الشعوب قد تنامُ على ضيم لكنها لا تموت , وأن (( ألف أمريكي )) الذين استجلبوهم نكايةً في ابن جلدتهم , صاروا هم الغصة التي سدت حلوقهم , فلا هم نالوا رضى الأجنبي, ولا هم حفظوا ودّ الوطن.

نختم مع قول الإمام علي عليه السلام: (( إنما أكلتُ يوم أكل الثور الأسود )) : فقد أدرك الجميعُ - ولكن بعد فوات الأوان - أن ضياع الرأس كان إيذاناً بضياع الجسد , وأن من استمرأ الذل تحت حراب الأجانب , لن يذوق طعم العزة ولو ملك كنوز الأرض , فالعراق ولّاد , لكنّ الجرح الذي فُتح في نيسان , لا يزال ينزف حكمةً لمن أراد أن يعتبر, وهكذا انطوت صفحة من أغرب صفحات الزمان , حين اختلط فيها (( التحرير )) بـ (( التدمير )) , وظن الجاهل أن الذل طريقٌ للكرامة , وبقي قول الإمام علي نبراساً لكل ذي لب , فمن فرّط في ثوره الأسود , لم يستحق بعدها إلا أن يكون فريسةً في غابةٍ لا ترحم الضعفاء ولا تعذر الخونة .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة الرافدية في جِدال (چا) و(عجل) : رسالة في فقه الهوية ...
- مقامة الألقاب : الأُنوف والدامِغة .
- مقامة الكتاب الحبيب : عمرٌ مؤجّل ولقاءٌ متأخر.
- مقامة رباعيات تجليبات العبور.. في حضرة اللحظة الفاصلة .
- مقامة الإناء النذري : ترتيلة الطين والرخام .
- مقامةُ السيادةِ المُباحة لِخضراءِ الدِّمَنِ والمَساحة.
- مقامة شمس الله .
- مقامة مطرية .
- مقامة أل التعريف : نحوية الجاحظ وشجى الصوت الكويتي .
- مقامة مابعد الغزو : السكر بخمر العذابات .
- مقامة العناد .
- المقامة السُّليمية الاستقصائية : في تَوْقِ الأرواحِ لِما وَر ...
- مقامة شجن الأنهار في أدب أليف شافاك : عندما تتحدث قطرة الماء ...
- مَقَامَةُ لِنْكُولْن وكِينِيدِي : صَدَى القُرُونِ فِي مَقَام ...
- المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال (( القفّازة )) .
- مقامة رسائل العجب .
- مقامة الجمل في زمن الانكشاف : سقوط الحياء .
- مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد .
- مقامة في انتظار الفتح : مُطارحةُ وِجْدان بين سالكٍ تائهٍ وسا ...
- مقامة غزال الرجاء .


المزيد.....




- عن -قصة حقيقية-.. تركي آل الشيخ يكشف المزيد عن فيلم - العيون ...
- فيلم -الخادمة-… كيف تحول الحلم الأميركي إلى مصيدة؟
- رواية -أيتها القُبّرة-.. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة و ...
- فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التذكير: شتات الروح وانكسار الصاري .