أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية














المزيد.....

حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 08:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المشكلة في تصريحات دونالد ترامب وتهديده الضمني للنظام الإيراني في حال تعامل بقسوة مع المتظاهرين لا تكمن في صدق هذه التصريحات أو كذبها، بل في الوهم الذي تفترضه ضمنًا: أن “الإنسان” ما زال عنصرًا ذا وزن فعلي في السياسة الأميركية. هذا الوهم هو نقطة الانطلاق الخاطئة في قراءة الخطاب الأميركي عمومًا، وهو ما ينبغي تفكيكه قبل الخوض في أي نقاش يتعلق بالمظاهرات، أو القمع، أو احتمالات التدخل الخارجي. فالسياسة الأميركية، في بنيتها العميقة، لا تُدار بوصفها مجالًا أخلاقيًا، بل بوصفها حقل إدارة مصالح، حيث تُقاس الأفعال بمعايير الجدوى لا بمعايير القيمة.
في هذا الإطار، لا يظهر الإنسان بوصفه غاية بحد ذاته، بل بوصفه أداة خطابية قابلة للتوظيف. الحقوق، الحريات، حماية المدنيين، وحتى مفردات الديمقراطية وكرامة الإنسان، لا تعمل كمبادئ حاكمة لصنع القرار، بل كمخزون لغوي يُستدعى حين يخدم الهدف السياسي، ويُهمَل حين يصبح عبئًا عليه. حتى التهديدات المشروطة—كربط الرد الأميركي بطريقة تعامل النظام مع المتظاهرين—لا تعبّر عن مركزية الإنسان، بل عن استخدامه معيارًا ظرفيًا في لعبة الضغط السياسي.
تاريخيًا، لم تُسقِط الولايات المتحدة نظامًا لأنه قمع شعبه، ولم تتدخل عسكريًا لأن مدنيين قُتلوا في الشوارع، ولم تُعدّل سياساتها لأنها صُدمت أخلاقيًا بحجم الانتهاكات. ما حرّكها دائمًا هو اختلال ميزان القوة، لا اختلال ميزان العدالة. العدالة تظل عنصرًا خطابيًا، بينما القوة هي معيار الفعل. لذلك يبقى الإنسان حاضرًا في البيانات الرسمية، وغائبًا عن القرار الفعلي، ومختزلًا في أرقام تُستعمل لتبرير سياسات مسبقة، لا لتغيير مساراتها.
من هذا المنظور، لا تُقرأ تصريحات ترامب—حتى حين تأتي بصيغة تحذير من القمع—بوصفها مواقف أخلاقية أو التزامًا بحماية المتظاهرين، بل بوصفها أدوات وظيفية في معادلة الضغط والتفاوض. رفع سقف الخطاب لا يعني نية التدخل، بل تحسين شروط المناورة السياسية. اللغة الإنسانية هنا ليست وعدًا، بل وسيلة، وحين تفقد فائدتها تُستبعد دون تردد. الإنسان، في هذا السياق، لا يُستدعى بوصفه ضحية يجب إنقاذها، بل كورقة يجب استثمارها.
إيران، من جهتها، تفهم هذه القاعدة جيدًا. النظام هناك لا يتعامل مع الخطاب الأميركي بصفته تهديدًا وجوديًا، لأنه يدرك أن واشنطن لا تخاطر من أجل البشر، بل من أجل المصالح. ما دامت هذه المصالح غير مهددة بصورة مباشرة—سواء تعلّق الأمر بأمن الطاقة، أو توازن الردع، أو استقرار ترتيبات إقليمية محددة—يبقى كل ما عدا ذلك خارج دائرة الفعل الحقيقي. القمع، الضحايا، الاحتجاجات، حتى لو أُدينت لفظيًا، تظل عناصر ضجيج سياسي، لا عناصر قرار.
المأساة الأعمق لا تتمثل فقط في عنف الأنظمة المحلية، بل في طبيعة النظام الدولي نفسه، الذي يتحدث عن الإنسان بوصفه شعارًا كونيًا، بينما يتعامل معه عمليًا بوصفه عبئًا. تُستخدم إنسانيته لتجميل الخطاب، لا لإعادة توجيه السياسات. وفي هذا السياق، لا تبدو الولايات المتحدة استثناءً، لكنها المثال الأكثر وضوحًا: فائض لغوي أخلاقي يقابله فراغ أخلاقي في القرار.
الخلاصة القاسية هي أن الإنسان، في السياسة الأميركية، لا يُنقَذ بل يُستَخدم، ولا يُحمى بل يُستَثمر. وحتى حين يُربَط السلوك الأميركي بدرجة القمع، يبقى الإنسان شرطًا خطابيًا لا مبدأً حاكمًا. ومن لا يدرك هذه القاعدة، يسيء قراءة كل خطاب “إنساني” صادر من واشنطن، سواء تعلّق بإيران أم بغيرها. الإشكال الحقيقي ليس في لهجة التصريحات، بل في البنية التي تنتجها؛ بنية ترى في الإنسان تفصيلًا قابلًا للتجاوز، وفي المعاناة مادة تفاوض، لا سببًا للفعل السياسي.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...
- لا يهم أن كنت فقيرًا في الدنيا… كيف تُستخدم اللغة الدينية لإ ...
- الحرب على الفرح في العراق: حين يتحوّل التحريم إلى مشروع سلطة
- «المسلم في أوروبا: قراءة في التوترات العميقة للاندماج»
- خطاب أحمد البشير: كيف تتحوّل السخرية إلى أداة لقراءة الواقع ...
- ظاهرة احمد البشير: كيف تحوّل الإعلام الساخر إلى قوة نقدية في ...
- الإعلام العراقي بعد 2003: كيف تغيّر المجال العام؟
- العراق 2025: تحليل نقدي لثبات المنظومة الحاكمة وحدود التغيير ...


المزيد.....




- ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة ...
- الجيش يحكم سيطرته على الأشرفية ويواصل عملياته في -الشيخ مقصو ...
- كاراكاس تبحث توسيع علاقاتها مع واشنطن وترامب يركز على النفط ...
- كيف تنقل السلطات الأميركية مادورو بين السجن والمحكمة؟
- مصدر عسكري سوري: ضباط الأسد يقاتلون إلى جانب الأكراد في حلب ...
- ترامب: شركاتنا ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا
- الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب
- ترامب يدعو الصين وروسيا لشراء -كل ما تحتاجانه من النفط- من أ ...
- ترامب عن غرينلاند: -أود إبرام صفقة بالطريقة السهلة وإن لم تت ...
- العاصفة -غوريتي- تودي بحياة أكثر من 10 أشخاص وتربك الحياة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية