أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - الترامبية ومنطق القوة العارية














المزيد.....

الترامبية ومنطق القوة العارية


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 04:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يوميا بعد يوم يثبت لنا، أن العنترية السياسية في مواجهة
"الظاهرة الترامبية" لن تقود أصحابها إلا الى نتيجة دمار وخراب في ظل تفوق أمريكي شبه كامل في جميع المجالات من التقنية، مروراً بالإعلام، وليس انتهاءً بالاقتصاد والقوة العسكرية.
الظاهرة الترامبية هي امتداد لثقافة راعي البقر، تلك الثقافة المؤمنة بالقوة المفرطة لحسم الكثير من الأمور وبالاحتكام الدائم إلى واقعية فجة لا ترى في الأخلاق عائقاً أمام الفعل.

الرئيس الفنزويلي تعامل مع هذه الظاهرة بعقلية عنترية قادته نحو السجن والاهانة السياسية له ولنظامه.
وليس الرئيس الفنزويلي مثال ذلك فقط، بل هناك الكثير من الامثلة التاريخية حدثت مع رؤساء مثله، من هيروشيما وحرب الفيتنام وافغانستان وصولاً إلى غزو العراق والحبل على الجرار (كما يقول المثل الشعبي).
مشهد عبثي يلخص سوء تقدير ميزان القوة وطبيعة النظام الدولي.
رسالة ترامب واضحة وهي إخضاع الجميع، لكن هذه الرسالة على قسوتها، تحمل في طياتها دعوة صريحة للعقلاء في البحث عن أدوات ذكية للتعامل مع هذا الفيض الهائل من القوة المتمركزة في يد دولة واحدة تعيد رسم شكل العالم، بقيادة لا تحترم مواثيق القانون الدولي، ولا ترى حرجاً أخلاقياً في استخدام كل الأدوات الموضوعة على الطاولة.
هنا العالم بأسره أمام خيار بالغ التعقيد، لا يمكن التعامل معه إلا بقدر كبير من الحكمة والبصيرة.

إن الاستمرار في قراءة هذا المشهد بعين الشعارات وحدها أو بمنطق التحدي الخطابي، لا يعدو كونه ضرباً من الهروب النفسي من مواجهة الحقيقة الصلبة، فالعالم لا يدار اليوم بمنطق العدالة المجردة، بل بمنطق القوة المركبة، حيث تتشابك المصالح مع التكنولوجيا ويتحول الإعلام إلى سلاح والاقتصاد إلى أداة إخضاع لا تقل فتكاً عن الدبابات والصواريخ.
وفي هذا السياق، فإن "الترامبية" ليست حادثة عابرة ولا نزوة شخصية لرئيس شعبوي، بل هي تعبير مكثف عن لحظة تاريخية في تطور الإمبراطورية الأمريكية، لحظة قررت فيها أن تنزع آخر أقنعتها الأخلاقية وأن تقول للعالم بوضوح، هذه هي القواعد ومن لا يعجبه فليتحمل العواقب.
المعضلة الكبرى أن كثيراً من النخب السياسية في العالم الثالث، بل وحتى في بعض الدول المتوسطة القوة ما زالت تتعامل مع هذه الظاهرة بعقلية القرن الماضي وكأن النظام الدولي لم يتغير وكأن موازين القوة ما زالت تسمح بالمناورة الخطابية والمواقف الانفعالية.
في حين أن الواقع يقول إن الولايات المتحدة في لحظات كهذه لا تفرق كثيراً بين خصم وعدو ولا بين حليف مشاكس ودولة متمردة، الجميع قابل للعقاب والجميع موضوع على طاولة الحساب البارد.
العنترية السياسية في هذا السياق، ليست شجاعة، بل قصر نظر، هي تعبير عن عجز مقنّع بثياب الكبرياء ومحاولة لتعويض الخلل في ميزان القوة عبر المبالغة في الصوت، لا في الفعل.
وما أكثر التجارب التي أثبتت أن رفع السقف الخطابي دون امتلاك أدوات الفعل الواقعي، لا يؤدي إلا إلى تضييق الخيارات ودفع الخصم الأقوى إلى استخدام أوراقه بأقصى درجات القسوة، فالدول لا تدار بمنطق "كسر العظم" إذا كان الطرف الآخر يمتلك عظاماً من فولاذ، وأنت لا تملك سوى الحناجر.
إن أخطر ما في الظاهرة الترامبية ليس قراراتها وحدها، بل قدرتها على فرض مناخ عالمي من الابتزاز المفتوح.
ابتزاز اقتصادي عبر العقوبات، وابتزاز سياسي عبر العزل والتشويه، وابتزاز أمني عبر التهديد المباشر أو غير المباشر. وفي مواجهة هذا النمط من القوة، يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن للدول الأضعف، أو الأقل نفوذاً أن تحمي نفسها دون أن تتحول إلى ضحية جديدة في سجل طويل من الخراب؟!
الجواب لا يكمن في الخضوع الكامل ولا في المواجهة المباشرة، بل في بناء استراتيجيات ذكية تقوم على فهم عميق لطبيعة الخصم واستثمار التناقضات داخل النظام الدولي نفسه، فحتى القوة الأمريكية مهما بدت طاغية، ليست كتلة صماء، هي شبكة مصالح ومراكز قرار وضغوط داخلية وتحالفات قابلة للاهتزاز.
التعامل العقلاني مع هذه الشبكة يتطلب نفساً طويلاً ودبلوماسية مرنة وقدرة على اللعب في المساحات الرمادية، لا الوقوف في العراء تحت الشمس الحارقة.
كما أن الرهان على الزمن، لا على اللحظة، هو أحد أهم أدوات العقلاء، فالإدارات الأمريكية تتغير والظروف الدولية تتبدل، أما الدول التي تحرق أوراقها دفعة واحدة تحت ضغط الغضب أو الاستفزاز، فهي التي تدفع الثمن مضاعفاً.
التاريخ لا يرحم من يخطئ قراءة لحظته ولا من يصر على تكرار الأخطاء نفسها وهو يتوقع نتائج مختلفة.
وفي النهاية، فإن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب النارية، بقدر ما يحتاج إلى عقول باردة، تدرك أن الكرامة الوطنية لا تحفظ بالاندفاع، بل بحسن التقدير.
وأن السيادة لا تصان بالتصادم الأعمى، بل بإدارة ذكية للصراع، فالترامبية مهما بدت متغولة، ليست قدراً محتوماً، لكنها اختبار قاس لنضج الدول وقدرتها على التمييز بين الشجاعة والحماقة، وبين الصمود الحكيم والانتحار السياسي.
وهنا بالضبط، تتحدد قيمة القيادة الحقيقية، ليس في رفع القبضة، بل في معرفة متى تُقبض، ومتى تُفتح، ومتى يُعاد ترتيب الأوراق قبل أن تُقلب الطاولة على الجميع.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العهر الوظيفي وانهيار القيم
- أسطورة عمر وعبد الزهرة في خطاب السلطة
- هل يمكن لبوتين اعتقال زيلنسكي؟!
- اعتقال مادورو وتحولات القوة في النظام الدولي
- هيبة التجاهل المهني
- البدلة العسكرية والسلطة الرمزية
- تفكك الدولة اليمنية بين الحرب والهوية
- دسترة الدولة وسلطوية الحكم
- الصومال لاند وإعادة هندسة الخرائط
- العيش بالأجل، الرفاه الذي يسرق أعمارنا!!
- التاريخ بين السرد والسلطة
- القيم الإنسانية والتنظيم الديني
- السنافر كمنظومة رمزية سلطوية
- العلاقات العاطفية والذكاء الاصطناعي
- أوكرانيا وصراع المستقبل الجيوسياسي
- التسول الممنهج وتفكيك المجتمع
- استعراض المسؤول وصناعة الوهم السلطوي
- طغيان الولاء وموت العقل
- خرائط الشخصية وأنماط الذات
- هندسة الوعي في الفضاء الرقمي


المزيد.....




- ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة ...
- الجيش يحكم سيطرته على الأشرفية ويواصل عملياته في -الشيخ مقصو ...
- كاراكاس تبحث توسيع علاقاتها مع واشنطن وترامب يركز على النفط ...
- كيف تنقل السلطات الأميركية مادورو بين السجن والمحكمة؟
- مصدر عسكري سوري: ضباط الأسد يقاتلون إلى جانب الأكراد في حلب ...
- ترامب: شركاتنا ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا
- الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب
- ترامب يدعو الصين وروسيا لشراء -كل ما تحتاجانه من النفط- من أ ...
- ترامب عن غرينلاند: -أود إبرام صفقة بالطريقة السهلة وإن لم تت ...
- العاصفة -غوريتي- تودي بحياة أكثر من 10 أشخاص وتربك الحياة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي محمود - الترامبية ومنطق القوة العارية