أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة















المزيد.....



الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 22:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أزمة التمثيل والانتماء والوظيفة التاريخية

الوثيقة السابعة – إعادة التأسيس الشيوعي في العراق

د. علي عبد الرضا طبله
12 كانون الأول / ديسمبر 2025

تمهيد: لماذا هذه الوثيقة الآن؟

لم تُكتب هذه الوثيقة لأنّ الحزب يمرّ بأزمة عابرة، ولا لأنّ الواقع السياسي العراقي يعيش انسداداً جديداً فحسب، ولا لأنّ خلافات داخلية طفت إلى السطح وتطلّبت «توضيحاً» أو «تقييماً». لقد كُتبت لأنّ سؤالاً أعمق بات يفرض نفسه بإلحاح لا يمكن تأجيله أو التحايل عليه:

ما الذي يمثّله الحزب الشيوعي اليوم؟ ومن يمثّله الحزب فعلاً؟ وأين يقف بين الوطن والناس؟

لسنوات طويلة جرى التعامل مع الحزب بوصفه «كياناً قائماً بذاته»، تُقاس صحّته بعدد مقراته، أو بانتظام مؤتمراته، أو بحضوره الإعلامي، أو بعدد المقاعد التي يحصل عليها هنا أو هناك. لكنّ المنهج الماركسي لا يقيس الأحزاب بهذه المعايير الشكلية، بل يقيسها بوظيفتها التاريخية: هل تعبّر عن مصالح طبقية حيّة؟ هل تمتلك صلة عضوية بالكادحين؟ هل تقوم بدور تنظيمي–توعوي–نضالي في المجتمع؟ أم أنّها تحوّلت إلى جهازٍ إداري–سياسي يعيش على ذاكرة تاريخه أكثر مما يعيش في واقعه؟

ولكي لا يبقى السؤال معلّقاً في الهواء، لا بدّ من تثبيته على أرض الواقع الديمغرافي–الاجتماعي الذي يعمل الحزب داخله. العراق اليوم مجتمعٌ شديد الفتوة عمرياً على نحو يفرض على أي حزبٍ يدّعي المستقبل أن يراه كما هو: في تقديرات السكان المنشورة رسمياً، كانت فئة (0–14) تقارب 45%، وفئة (15–64) نحو 52.6%، وفئة (65+) نحو 2.4%، مع حجم سكانٍ قُدِّر بنحو 38.1 مليون في إحدى التقديرات المنشورة.
هذه ليست “أرقاماً محايدة”: إنها تقول إنّ البلد، بحكم تركيبته، لا يعيش على ذاكرة جيلٍ واحد، ولا يمكن أن تُبنى فيه قوة سياسية حيّة إذا ظلّت محصورة في أعمار متقدمة ونخب مألوفة، بينما الكتلة الكبرى من المجتمع فتيةٌ تتكوّن تحت ضغط البطالة والهشاشة والهجرة.

وهنا تُصبح أزمة الحزب، كما سنراها في هذه الوثيقة، ليست أزمة “حزب” بمعزل عن المجتمع، بل أزمة علاقة بين تنظيمٍ تاريخي وبين مجتمعٍ تغيّر نوعياً. فالأجيال التي تشكّلت تحت الحصار، ثم الاحتلال، ثم العنف الأهلي ثم اقتصاد الريع، لا تُشبه أجيال المصانع والنقابات الكلاسيكية؛ وهي—وهذا جوهري—لا تُكافَأ في حياتها اليومية على السياسة، بل تُعاقَب عليها غالباً، وتُدفَع دفعاً إلى خيارات النجاة الفردية.

ومن هنا أيضاً لا يمكن فصل “سؤال الوعي” عن سؤال الفقر بوصفه واقعاً طبقياً ضاغطاً. فحين تُعلن وزارة التخطيط—استناداً إلى مسح اجتماعي–اقتصادي أُجري قبيل نهاية 2024—انخفاض الفقر إلى نحو 17.5% بعد أن كان يتجاوز 25% في سنوات سابقة، فهذا لا يُقرأ بوصفه خبر نجاحٍ إداري فقط، بل بوصفه مؤشراً على أن كتلاً واسعة ما زالت تعيش قرب الحافة، وأن الفقر لم يختفِ، بل تبدّل توزيعُه ووزنُه، وأن أي مشروع يساري لا يضع “أمن العيش” في قلب التنظيم سيتحوّل إلى خطابٍ حسن النيات لا أكثر.

هذه الوثيقة لا تنطلق من موقع الاتهام، ولا من موقع الدفاع، بل من موقع التشخيص التاريخي الصارم. فهي تفترض منذ البداية أنّ الحزب الشيوعي العراقي لم يُقصَ من المجتمع بقرار خارجي فقط، ولم يُهزم بسبب القمع وحده، ولم يتراجع بسبب المؤامرات فحسب، بل لأنّ العلاقة بينه وبين حاضنته الاجتماعية تعرّضت، منذ عقود، إلى تصدّعات عميقة لم تُعالَج جذرياً.

منذ منتصف السبعينيات، وبشكل أكثر تحديداً منذ التحالف الكارثي مع حزب البعث عام 1973 وما تلاه من تفكيك منظم للمنظمات الجماهيرية عام 1976، بدأ الحزب يفقد بالتدريج موقعه بوصفه تعبيراً سياسياً مباشراً عن الطبقة العاملة والكادحين. لم يكن ذلك حدثاً واحداً، بل مساراً طويلاً من الانكسارات، والهزائم، والمساومات، والمنافي، وإعادة التكيّف القسري مع وقائع لم يُنتجها الحزب ولم يتحكّم بها.

ثم جاءت سنوات الحصار، فالاحتلال، فالدولة الريعية–الطائفية–الفصائلية، لتضع الحزب أمام واقع جديد: مجتمع تغيّرت بنيته الطبقية، أجيال شابة لا تعرف الحزب إلا اسماً، كادحون منشغلون بلقمة العيش لا بالتنظيم، وفضاء سياسي يُكافئ الطائفية والزبائنية ويعاقب أي محاولة لبناء تمثيل طبقي مستقل.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الحقيقي هو: «لماذا ضعف الحزب؟» بل: لماذا لم يعد الحزب حاضنةً طبيعية للكادحين؟ ولماذا لم يعد الكادحون يرون فيه أداتهم السياسية؟

تأتي هذه الوثيقة لتضع هذا السؤال في قلب النقاش، لا بوصفه مسألة تنظيمية داخلية، بل بوصفه مسألة وطنية–طبقية تتعلّق بمستقبل اليسار، وبإمكانية إعادة بناء مشروع تحرّر حقيقي في العراق. فهي تحاول أن تفكّك، بهدوء وجرأة، العلاقة الملتبسة بين الحزب والوطن، بين الحزب والمواطنة، بين الحزب والناس، وبين الخطاب الثوري والواقع الاجتماعي.

ومن هنا تبدأ هذه الوثيقة. ومن هنا، أيضاً، سيكون لا بدّ في نهايتها من العودة إلى السؤال الأخطر، والأكثر إلحاحاً: ما العمل؟

1. الحزب كحاضنة: من فقد من؟ الحزب أم الكادحون؟

ليس الحزب الشيوعي فكرة مجرّدة، ولا إرثاً تاريخياً، ولا اسماً ثقيلاً في الذاكرة الوطنية فحسب. الحزب، في جوهره الماركسي، هو حاضنة اجتماعية واعية، أي شكل تنظيمي حيّ لوعي طبقي يتكوّن داخل المجتمع ويتطوّر معه. حين تضعف هذه الحاضنة، أو تنفصل عن مادتها الاجتماعية، لا يعود السؤال: «هل الحزب موجود؟» بل يصبح: لمن هو موجود؟ وبأي وظيفة؟

في العراق اليوم، يصعب إنكار حقيقة مؤلمة: العلاقة بين الحزب والكادحين لم تنقطع فجأة، لكنها تآكلت تدريجياً حتى بات كثير من أبناء الطبقات الشعبية لا يرون في الحزب أداة تخصّهم، ولا مساحة تعبّر عنهم، ولا تنظيماً يمكن الاتكاء عليه في صراع الحياة اليومية. هذا الانفصال لم يكن قدراً، ولم يكن نتيجة «تخلّي الناس عن السياسة» كما يُقال أحياناً، بل نتيجة مسار طويل تداخل فيه القمع، والتحالفات الخاطئة، والمنفى، وتحولات البنية الطبقية، مع أخطاء ذاتية لم تُناقَش بعمق.

وبقدر ما يبدو الكلام عن “الحاضنة” مفهوماً عاماً، فإنه يصير ملموساً حين نربطه بحقيقة أن كتلة المجتمع الأساسية فتيةٌ وواسعة؛ أي أن الزمن الاجتماعي للعراق يفرض على الحزب أن يكون حاضراً في البيئات التي تتكوّن فيها هذه الفتوة: المدارس والجامعات، أسواق العمل الهشّ، الأحياء الفقيرة الجديدة، فضاءات الهجرة الداخلية والخارجية. بلدٌ تتقارب فيه نسبة من هم دون الخامسة عشرة من نصف السكان تقريباً لا يمكن أن يُخاطَب بخطابٍ يكتفي باستدعاء التاريخ؛ لا بدّ من تحويل التاريخ إلى أدواتٍ في حياة اليوم.

بعد تفكيك المنظمات الجماهيرية في منتصف السبعينيات، خسر الحزب أهم أدواته للتماس اليومي مع العمال، والطلبة، والفلاحين، والنساء. لم تكن تلك المنظمات مجرّد واجهات، بل كانت المساحة التي يتكوّن فيها الوعي، ويُمارَس فيها التنظيم، ويتحوّل فيها الحزب من فكرة إلى علاقة اجتماعية ملموسة. حين انقطعت هذه القنوات، لم يُعاد بناؤها بأشكال جديدة تناسب التحوّلات اللاحقة، بل جرى التعويض عنها شيئاً فشيئاً بالعمل من فوق، وبالخطاب العام، وبالبيانات، وبالحضور الإعلامي المحدود.

ثم جاءت الحروب، فالحصار، فالاحتلال، لتُعيد تشكيل المجتمع العراقي على أسس جديدة: تفكّك الطبقة العاملة الصناعية، توسّع اقتصاد الخدمات الهشّ، تضخّم البطالة المقنّعة، هجرة الملايين، صعود الطائفية بوصفها أداة تنظيم اجتماعي بديلة، وتحويل الدولة إلى موزّع ريع لا إلى فضاء إنتاج. في هذا الواقع، لم يعد «الكادح» هو العامل في المعمل فقط، بل أصبح شاباً يعمل بلا عقد، وامرأة في اقتصاد ظلّ، وخريج جامعة بلا أفق، وعائلة تعيش على تحويلات أو إعانات أو وعود.

السؤال الجوهري هو: هل أعاد الحزب تعريف نفسه ليلتقط هذه التحوّلات؟ أم بقي يتحدّث بلغة طبقة تغيّر شكلها، بينما تغيّرت شروط وجودها؟

واقع الحال يشير إلى أنّ الحزب، في كثير من محطاته، حافظ على خطابه العام عن الطبقة العاملة، لكنه لم ينجح دائماً في تحويل هذا الخطاب إلى ممارسة تنظيمية حيّة داخل الأحياء الفقيرة، وأماكن العمل الهشّة، وفضاءات البطالة والهجرة. هكذا بدأ يتشكّل فراغ خطير: الحزب يتحدّث باسم الكادحين، لكن الكادحين لا يتحدّثون من خلال الحزب.

والأخطر أن هذا الفراغ يُغذّيه ضغط معيشي ضخم. حين تقول وزارة التخطيط إن الفقر—حتى بعد تراجعه—ما زال يُقاس بعشرات النقاط المئوية، فهذا يعني أن ملايين الناس يعيشون على عتبة القلق اليومي: غداء اليوم، إيجار الشهر، دواء الطفل، أجرة النقل. في مثل هذا الشرط، يصبح “الانتماء” نفسه فعلاً مكلفاً، ويصبح التنظيم صعباً إن لم يقدّم أفقاً ملموساً للحياة.

من هنا، لا بدّ من قلب السؤال التقليدي: ليس «لماذا ترك الناس الحزب؟» بل: لماذا لم يعد الحزب مكاناً يجد الناس أنفسهم فيه؟

2. الوطنية والمواطنة: حين ينفصل الخطاب الوطني عن قاعدته الاجتماعية

ليست الوطنية في المنهج الماركسي شعاراً يُرفع، ولا عاطفة مجرّدة، ولا مجرد دفاع لفظي عن «وحدة البلاد». الوطنية، في جوهرها المادي، هي علاقة اجتماعية ملموسة بين المواطن والدولة، تتجسّد في الحقوق، والعمل، والكرامة، والحماية، والمشاركة في القرار. حين تُفرَّغ هذه العلاقة من مضمونها الطبقي، تتحوّل الوطنية إلى لغة فوقية، جميلة في الخطب، فارغة في حياة الناس.

في العراق، جرى الحديث كثيراً عن الوطنية بعد 2003، لكنّ هذا الحديث غالباً ما انفصل عن واقع المواطنة الفعلية. فالدولة التي وُلدت من رحم الاحتلال والمحاصصة لم تُبنَ بوصفها دولة مواطنين متساوين، بل بوصفها دولة مكوّنات متنافسة على الريع والسلطة. في مثل هذا البناء، لا يعود المواطن فرداً يحمل حقوقاً وواجبات، بل يصبح «ابن طائفة» أو «ابن قومية» أو «ابن منطقة»، تُقاس قيمته السياسية بما يمثّله عددياً لا بما يقدّمه اجتماعياً.

هذا التحوّل أصاب الخطاب الوطني نفسه بالتشويه. فبدلاً من أن تكون الوطنية أداة لتوحيد الكادحين حول مصالح مشتركة في العمل والسكن والتعليم والصحة والسيادة، جرى استخدامها لتغطية صراعات بين أجنحة الطبقة الحاكمة، أو لتجميل نظام محاصصة يعيد إنتاج الفشل نفسه. هكذا صار من الممكن أن ترفع كل القوى شعارات «الوطن»، بينما تتقاسم في الوقت ذاته غنائمه.

الحزب الشيوعي، تاريخياً، لم يكن وطنياً بالمعنى العاطفي فقط، بل كان وطنياً لأنّه ربط استقلال البلد بتحرّر طبقاته الكادحة. لكنّ هذا الربط بدأ يضعف حين صار الخطاب الوطني منفصلاً عن الممارسة الاجتماعية اليومية. فكيف يشعر الشاب العاطل، أو العاملة الهشّة، أو الموظف الصغير المهدّد، بأنّ «الوطن» يعنيه، إذا كان الوطن لا يحميه من الفقر، ولا يمنحه عملاً، ولا يضمن له مستقبلاً؟

هنا تتكلم الأرقام كمرآة اجتماعية: حين تُقدَّر نسبة الفقر بنحو 17.5% وفق مسح نهاية 2024، فهذا يعني أن “المواطنة” ليست متساوية فعلياً؛ وأن “الوطن” يُعاش عند جزء معتبر من السكان بوصفه هشاشةً لا عقداً اجتماعياً. والوطنية التي لا تُقاس بقدرة المواطن على العيش الكريم تصبح مجرد أخلاق خطابية.

المطلوب هنا ليس تمجيد الوطنية ولا التخلي عنها، بل إعادة تعريفها تعريفاً طبقياً. الوطنية التي لا تدافع عن حق العمل، وحق السكن، وحق التعليم، وحق التنظيم، وحق العيش الكريم، ليست وطنية تحرّرية، بل لغة مفرغة من مضمونها. والوطن الذي لا يشعر فيه الكادح أنّه شريك فعلي في القرار والثروة، سيبقى وطناً هشّاً مهما كَثُرت الأعلام والشعارات.

3. الأممية والتضامن: حين يُفرَّغ المبدأ من محتواه الطبقي

الأممية في التراث الماركسي ليست شعاراً أخلاقياً عابراً، ولا تعاطفاً إنسانياً عاماً، ولا علاقة علاقات عامة بين أحزاب. الأممية هي إدراك ماديّ لحقيقة بسيطة وعميقة: أنّ الرأسمالية نظام عالمي، وأنّ استغلال الطبقة العاملة لا يتوقّف عند حدود الدول، وأنّ تحرّر الكادحين في بلدٍ ما مرتبط عضوياً بنضال نظرائهم في بلدان أخرى. بهذا المعنى، لا تتناقض الأممية مع الوطنية، بل تُكمّلها وتحرّرها من الانغلاق والشوفينية.

لكنّ الأممية، حين تُفصل عن قاعدتها الطبقية، تتحوّل إلى نقيضها. في التجربة العراقية المعاصرة، تعرّض هذا المفهوم لتشويه مزدوج: من جهة، جرى اختزاله أحياناً إلى مجرّد علاقات تنظيمية أو حضور في مؤتمرات وشبكات خارجية؛ ومن جهة أخرى، استُخدم لتبرير ارتهانات سياسية غير معلنة، أو لتغطية ضعف في الجذور الاجتماعية داخل البلد.

التضامن الحقيقي لا يُقاس بعدد البيانات المشتركة ولا بعدد الصور مع قادة أحزاب أجنبية، بل يُقاس بمدى استقلال القرار السياسي والتنظيمي للحزب، وبقدرته على أن يكون جزءاً من حركة تحرّر داخل مجتمعه، لا ملحقاً بخرائط جاهزة تُرسَم في عواصم أخرى. الأممية التي تُستخدم لتبرير الصمت عن التبعية، أو لتبرير سياسات اقتصادية–اجتماعية لا تخدم الكادحين، ليست أممية ماركسية، بل غطاء أيديولوجي للضعف.

وهنا تبرز، كحقلٍ اختباريٍّ مباشر، مسألة الهجرة والشتات والازدواجية الحزبية. بلدٌ فتّيٌ بهذا الحجم السكاني وهذه البنية العمرية، إذا تحوّل جزء معتبر من طاقته إلى هجرةٍ دائمة أو حلمٍ جماعي بالمغادرة، فإن الأممية لا تُصبح “صلة أحزاب”، بل تصبح سؤالاً عن علاقة الرفيق ببلده وبطبقته وهو في الخارج: هل يبقى جزءاً من مشروع تحرّر طبقي عراقي، أم تتحول الأممية إلى “اندماج” يُفقد الانتماء معناه السياسي؟ (سنعود لهذا تفصيلاً في محور الازدواجية والانقسام لاحقاً في الوثيقة).

الأممية الماركسية ليست حياداً بين المستغِلّ والمستغَلّ، ولا توازناً لغوياً بين قوى غير متكافئة. هي انحياز صريح للكادحين في كل مكان، وهذا الانحياز يبدأ من الدفاع غير المساوم عن حق الشعب العراقي في السيادة، وفي تقرير مصيره الاقتصادي، وفي الخروج من نموذج الريع والتبعية.

وبهذا المعنى، فإن الأممية ليست بديلاً عن “الحاضنة” داخل الوطن؛ بل تُصبح قوة فقط حين يكون للحزب وطنٌ اجتماعي حيّ داخل الطبقات الشعبية. الأممية التي تُمارس من فوق، في الوقت الذي يضعف فيه التنظيم من تحت، لا تُنتج تضامناً، بل تُنتج تعويضاً نفسياً عن غياب القاعدة.


4. الرفاق المقطوعون والمبعدون والمستقيلون: الحزب وحدوده المفتوحة والمغلقة

إذا كان الحزب الشيوعي، في جوهره، تعبيراً منظّماً عن مصالح الطبقة العاملة والكادحين، فإنّ علاقته بأعضائه ورفاقه ليست مسألة إدارية أو انضباطية فحسب، بل مسألة سياسية–طبقية بامتياز. فطريقة التعامل مع الرفيق المختلف، أو المنتقد، أو المتعب، أو المنكسر، تكشف أكثر مما تكشفه البرامج والبيانات عن طبيعة الحزب واتجاهه الفعلي.

ومن هنا تصبح القطيعة التنظيمية ليست حادثة فردية، بل مرآة لقطيعة أوسع بين السياسة ومعيش الناس. ففي بلدٍ يبلغ معدل الولادات الخام 25.4 لكل ألف من السكان، ويزدحم بالطاقات الجديدة التي تتدفق يومياً إلى المجتمع، لا يُفترض بحزبٍ ثوري أن يتحوّل إلى “منظومة غربلة” تُضيّق على المختلفين وتُطبع خسارة الرفاق. مجتمعٌ بهذه الحيوية الديموغرافية لا يعاني نقصاً في البشر، بل يعاني نقصاً في التنظيم الذي يحوّل البشر إلى قوة تاريخية واعية. وحين يفشل الحزب في الاحتفاظ برفاقه، فهو يعلن – من حيث لا يريد – عجزه عن الاحتفاظ بالشرط الأول لأي استعادة: البشر الذين يصنعونها.

منذ عقود، وبصورة متراكمة لا يمكن ردّها إلى حادثة واحدة أو قيادة بعينها، تشكّلت ظاهرة مؤلمة في الحياة الشيوعية العراقية: ظاهرة الرفاق المقطوعين، والمبعدين، والمستقيلين، والصامتين. بعضهم خرج احتجاجاً، بعضهم أُنهك حتى انسحب بصمت، بعضهم دُفع إلى الهامش عبر التجاهل والتهميش، وبعضهم وُضع في خانة «المشكلة» بدل أن يُنظر إليه بوصفه علامة إنذار.

الخطير في هذه الظاهرة ليس عدد الخارجين بحدّ ذاته، بل ما تعنيه سياسياً. حزبٌ يفقد رفاقه، ولا يعود يسأل بعمق: لماذا غادروا؟ ماذا فشلنا في تقديمه؟ ما الذي لم نسمعه؟ ما الذي تجاهلناه؟ هو حزبٌ يخاطر بالتحوّل إلى تنظيم مغلق، يعيد إنتاج نفسه من الحلقة ذاتها، ويفقد بالتدريج صلته بالحياة الاجتماعية الحقيقية.

وكيف يمكن لحزبٍ يريد أن يكون “ضمير الطبقة” أن يتعامل مع النقد وكأنه تهديد، في حين أن المجتمع كله يعيش تحت تهديدات أشدّ وطأة، يكفي أن نضع بينها حقيقة واحدة صادمة: 92.8% من العراقيين يرون الفساد مشكلة خطيرة. هذا الرقم لا يُستخدم هنا بوصفه مادة خبرية، بل بوصفه معنى طبقيّاً: إنّ الفساد حين يصبح “حقيقة شبه إجماعية” في وعي الناس، فإن أي تنظيم يدّعي تمثيلهم يُمتحن يومياً بسؤال: هل تقف في صفّنا ضد هذا الخراب؟ أم أنك تعجز حتى عن إدارة اختلافاتك الداخلية دون إقصاء وتخوين وصمت طويل؟ في لحظة كهذه، يتحوّل الرفيق المختلف إلى فرصة لتقوية الحزب بالصدق، لا إلى ذريعة لتطويق الحزب بالخوف.

كثير من هؤلاء الرفاق لم يتحوّلوا إلى أعداء، ولم ينقلبوا على الفكر الماركسي، ولم يغادروا موقعهم الطبقي. على العكس، ظلّ عدد كبير منهم قريباً من هموم الكادحين، مشاركاً في الاحتجاجات، ناشطاً في النقابات أو في العمل الثقافي أو الاجتماعي، لكنه لم يعد يرى في الحزب إطاراً حيّاً قادراً على استيعابه أو الإصغاء إليه أو العمل معه بندّية.

هنا يجب التوقّف بصدق أمام سؤال مؤلم: هل أصبح الانضباط التنظيمي، في مراحل معيّنة، بديلاً عن النقاش السياسي؟ وهل تحوّلت بعض الهيئات إلى حراس حدود، مهمتهم ضبط الداخل أكثر من فتحه؟ وهل جرى الخلط بين النقد بوصفه خطراً، وبين النقد بوصفه شرطاً للحياة؟

الحزب، حين يضيق بالنقد، لا يحمي وحدته، بل يضعفها. وحين يتعامل مع الخلاف بوصفه تهديداً أمنياً أو أخلاقياً، لا يرسّخ الثقة، بل يزرع الخوف والصمت. والصمت، في التنظيم الثوري، أخطر من المعارضة الصريحة، لأنه يقتل القدرة على التصحيح الذاتي.

المسألة هنا ليست دعوة إلى الفوضى التنظيمية، ولا إلى تمييع الالتزام. بل هي دعوة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحزب ورفاقه: علاقة تقوم على الثقة السياسية، وعلى اعتبار الاختلاف جزءاً من الصراع الفكري الطبيعي داخل حركة حيّة، لا خروجاً عن الصفّ. حزب بلا اختلافات حزب ميت، حتى لو بدا من الخارج منضبطاً وهادئاً.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ظاهرة «القطيعة الصامتة»: رفاق لم يُفصلوا، ولم يستقيلوا رسمياً، لكنهم ابتعدوا عملياً عن النشاط، وانسحبوا إلى الهامش، وقطعوا صلتهم اليومية بالحياة التنظيمية. هؤلاء لا يظهرون في الإحصاءات، ولا في محاضر الاجتماعات، لكنهم يشكّلون مؤشراً بالغ الخطورة على تآكل الجاذبية الداخلية للحزب، تماماً كما تُظهر الإحصاءات الاجتماعية تآكل الجاذبية العامة لأي خطاب لا يمسّ أساسيات العيش: ماء، عمل، تعليم، كرامة.

الأخطر من القطيعة هو تطبيعها. حين يصبح خروج الرفيق حدثاً عادياً، لا يستدعي نقاشاً عميقاً ولا مراجعة جدّية، فهذا يعني أنّ الحزب اعتاد خسارة كوادره، واعتاد التعويض عنها شكلياً، بدل أن يسأل عن السبب البنيوي لهذا النزف المستمر.

إعادة التأسيس الشيوعي، إذا كانت جادّة، لا يمكن أن تتجاوز هذا الملف. لا يمكن بناء حزب جديد بروح قديمة في التعامل مع البشر. ولا يمكن الحديث عن «حاضنة اجتماعية» بينما تُهمَل الحاضنة البشرية الأقرب: الرفاق أنفسهم، بتاريخهم وتجاربهم وكرامتهم.

الحزب الذي لا يعرف كيف يحتضن رفاقه المختلفين، لن يعرف كيف يحتضن مجتمعاً متنوّعاً. والحزب الذي لا يراجع قرارات الفصل والتهميش والتخوين بعين نقدية، لن يكون قادراً على مواجهة مجتمع مليء بالتناقضات والصراعات.

هذا لا يعني تبرئة الجميع، ولا إنكار وجود أخطاء فردية أو انحرافات سياسية حقيقية. لكنه يعني شيئاً أكثر عمقاً: أن معيار التعامل يجب أن يكون سياسياً–طبقياً، لا إدارياً ولا شخصياً ولا أخلاقياً. وأن الخلاف يُحَلّ بالنقاش والتنظيم، لا بالاستبعاد السريع ولا بالصمت الطويل.

من دون فتح هذا الملف بشجاعة، سيبقى الحزب يدور في دائرة ضيّقة، مهما حسنت لغته، ومهما كثرت بياناته، ومهما ارتفعت شعاراته.

5. الحاضنة الاجتماعية للحزب: من كانت؟ من هي؟ ولماذا تآكلت؟

لا يوجد حزب شيوعي في الفراغ. وجوده التاريخي، وقوته، وشرعيته، لا تُقاس بعدد أعضائه المسجّلين، ولا بعدد مقراته، ولا بحضوره الإعلامي، بل بعمق جذوره في المجتمع، وبنوعية علاقته مع طبقاته الكادحة. السؤال عن «حاضنة الحزب» ليس سؤالاً عاطفياً أو نوستالجياً، بل سؤالاً مادياً–تاريخياً: من كان يحمل هذا الحزب في حياته اليومية؟ من كان يدافع عنه؟ من كان يرى فيه أفقاً للتحرر؟

تاريخياً، كانت حاضنة الحزب الشيوعي العراقي تتكوّن من عمّال الصناعة والنقل والموانئ، ومن فقراء المدن، ومن شرائح واسعة من الموظفين الصغار والمعلمين والطلبة، ومن فلاحين وجدوا في خطابه وعداً بكسر علاقات القهر القديمة. هذه الحاضنة لم تكن مثالية ولا متجانسة، لكنها كانت حية، متفاعلة، ترى في الحزب امتداداً لمصالحها وآمالها.

ما الذي تغيّر؟

تغيّر المجتمع، نعم. لكن التغيّر هنا ليس وصفاً عاماً، بل تحوّلٌ له “وجه رقمي” يفضح عمق الأزمة: فحين تكون نسبة من هم دون الخامسة 11.2%، وحين تكون الفئة 5–14 سنة 24.7%، فهذا يعني أن أكثر من ثلث المجتمع يعيش في قلب مرحلة التكوين؛ مجتمعٌ تُصنع ملامحه من المدرسة والشارع والبيت والعمل الهشّ، لا من الخطب. وحين تكون الفئة 15–64 سنة 60.4%، فهذا يعني أن “جسم المجتمع” الأساسي هو جسم العمل والمعاش اليومي والصراع على لقمة العيش. وحين لا تتجاوز فئة 65 سنة فأكثر 3.7%، فذلك يضع أمام أي حزب ثوري حقيقة صارمة: العراق ليس مجتمعاً يشيخ بقدر ما هو مجتمع يُستنزف شبابه، ويُستنزف مع شبابه معنى السياسة.

وهنا يُطرح السؤال الطبقي المباشر: أين يقف الحزب من دورة إعادة إنتاج هذا المجتمع؟ هل يوجد في المدرسة بوصفها مصنعاً للوعي؟ هل يوجد في الجامعة بوصفها معبراً إلى البطالة أو الهجرة؟ هل يوجد في الحيّ بوصفه ميداناً لتشكّل التضامن؟ أم أنه حاضر فقط في “مناسبات” تزداد رمزية كلما تراجعت صلته بالبنى التي تنتج المجتمع فعلاً؟

لذلك لا تكفي عبارة “الأجيال الجديدة لا تعرف الحزب”. الأصح أن نقول: إن الأجيال الجديدة تُصنع في مسارات لا يلمس الحزب فيها أثره. يكفي أن نرى أن عدد طلبة المرحلة الإعدادية في عام 2022/2023 بلغ 880,975 طالباً؛ أي أننا أمام كتلة بشرية هائلة في مرحلة حساسة من تكوين الوعي والطموح. هذه الكتلة لا تحتاج حزباً يرفع لها شعاراً، بل تحتاج حزباً يجعل المدرسة والمدينة والحيّ ساحة تنظيم اجتماعي: دفاعاً عن التعليم بوصفه حقاً طبقياً، ومواجهةً لاقتصاد الدروس الخصوصية والحرمان والتسرب، وربطاً مباشراً بين مسار الدراسة ومسار العمل والكرامة.

تدمّرت الصناعة، تفكّكت النقابات، تآكل الريف، تمدّدت البطالة، تحوّل الاقتصاد إلى ريعي–خدماتي، وتغيّرت أشكال العمل والاستغلال. لكن هذا لا يفسّر وحده تراجع الحاضنة. فالتغيّر الاجتماعي لا يؤدي بالضرورة إلى انحسار الحزب، إذا كان الحزب قادراً على قراءة هذا التغيّر، وعلى إعادة صياغة أدواته وتنظيمه وخطابه.

جزء كبير من المشكلة يكمن في أن الحزب، في مراحل طويلة، ظلّ يتعامل مع الحاضنة بوصفها «موروثاً مضموناً»، لا علاقةً يجب تجديدها يومياً. ومع الزمن، تحوّلت العلاقة من تفاعل حيّ إلى ذكرى مجيدة تُستحضَر في الخطاب أكثر مما تُبنى في الواقع.

ثم إن “حياة الناس” ليست فقط سياسة، بل خدمات وبقاء. حين نضع أمامنا حقيقة أن معدل كميات المياه المجهزة للسكان (الماء الصالح للشرب) يبلغ 12.1 مليون م³/يوم، وأن الواردات المائية لنَهري دجلة والفرات تبلغ 50.86 مليار م³، فنحن لا نتحدث عن أرقام طبيعية محايدة، بل عن ميدان صراع طبقي مكتمل: من يملك الوصول؟ من يدفع ثمن الانقطاع؟ من يشتري الماء؟ من يحفر الآبار؟ من يمرض؟ من يهاجر؟ في بلدٍ يُدار فيه الاقتصاد والسياسة بمنطق الريع، تتحول “المياه” إلى سياسة يومية، والحيّ الفقير هو أول من يدفع الثمن. فكيف يستعيد حزبٌ شيوعي حاضنته إذا لم يربط “الخطاب الوطني” بالدفاع الفعلي عن حق الماء بوصفه حقاً طبقياً، لا ملفاً خدمياً ثانوياً؟

والأمر نفسه يتكرر في الغذاء والاقتصاد. حين نقرأ أن إنتاج الحنطة بلغ 5,234,171 طناً، وأن إنتاج البطاطا بلغ 189,447 طناً، فهذا لا يعني الاكتفاء الذاتي تلقائياً، ولا يعني عدالة التوزيع، ولا يعني أن الفلاح والكادح في المدينة حصلا على نصيبهما من “الثروة”. في بلد يلتهمه الفساد كما يراه الناس بأغلبية كاسحة، تُصبح أرقام الإنتاج أيضاً اختباراً: هل تتحول الثروة إلى أمن غذائي للكادحين؟ أم تتحول إلى سلاسل وسطاء، واحتكار، وتهريب، وصفقات، وأسعار تُسحق تحتها الأجور؟

الأجيال الجديدة، وخصوصاً أجيال التسعينيات وما بعد 2003، لا تحمل الذاكرة نفسها. كثيرون منهم لا يعرفون عن الحزب شيئاً يُذكر، وبعضهم لا يعنيه إن كان الحزب موجوداً أو غير موجود. هم لا يسألون عن التاريخ، بل عن العمل، والسكن، والأمان، والكرامة، والمعنى. وحين لا يجدون الحزب في مواقع الاحتجاج اليومية، ولا في أماكن العمل الهشّة، ولا في أحياء الفقر الجديدة، فإن الحزب يغيب عن وعيهم، حتى لو كان حاضراً في البيانات والمواقع.

هنا يظهر الخلل الجوهري: الانزياح من المجتمع إلى التنظيم، ومن القاعدة إلى المقر، ومن العمل اليومي إلى الإدارة. حين تصبح الحياة الحزبية محصورة في الاجتماعات، والتقارير، والانتخابات الداخلية، والأنشطة الرمزية، يفقد الحزب حساسيته تجاه نبض الشارع، ويتحوّل تدريجياً إلى تنظيم يتحدّث عن الناس أكثر مما يتحدّث معهم.

الحاضنة لا تُستعاد بالشعارات، ولا بالحنين، ولا بنداءات عامة. تُستعاد حين يشعر الكادح أن هذا الحزب يفهم لغته، ويشارك مخاوفه، ولا يتعالى عليه بخطاب مثقّف معزول، ولا يطالبه بتضحيات رمزية فيما هو عاجز عن تقديم أفق عملي للتغيير.

وهنا لا بدّ من إدخال معنى رقمٍ اقتصاديّ شديد الدلالة: حين يكون متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي 8,184,967.3 دينار، فإن السؤال الطبقي لا يصبح: كم هو الرقم؟ بل: كيف يعيشه الكادح؟ هل يتحول إلى أجر كريم وضمانات وخدمات؟ أم يبقى “متوسطاً” على الورق يُخفي تفاوتاً هائلاً بين من ينهب الريع ومن يعيش على الهامش؟ الحزب الذي يتكلم عن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن يتجاوز هذه المفارقة: مجتمعٌ تُعلن فيه المتوسطات، بينما تُوزّع الحياة فعلياً بمنطق الفساد والمحاصصة والزبائنية.

وهنا أيضاً تتضح مسألة التركيبة العمرية. حزب يغلب عليه الطابع العمري المتقدّم، من دون تجديد فعلي في الأجيال، يواجه خطراً وجودياً. لا لأن الرفاق الكبار أقلّ قيمة، بل لأن الحزب الثوري يجب أن يكون جسراً بين التجربة والتجدّد، بين الذاكرة والطاقة. حين تنقطع هذه السلسلة، يصبح الحزب متحفاً نضالياً، لا أداة تغيير.

الأمر نفسه ينطبق على التركيبة التعليمية والمهنية. تضخّم دور فئات مثقفة–إعلامية، أو كوادر تعمل في فضاءات ثقافية وسياسية محدودة، على حساب الانغراس في مواقع العمل المادي، يُنتج اختلالاً في الرؤية. فتصبح لغة الحزب أكثر تجريداً، وأقل التصاقاً بالواقع اليومي للناس، وتتحوّل السياسة إلى نقاشات نخبوية، لا إلى ممارسة اجتماعية.

تآكل الحاضنة الاجتماعية هو، في جوهره، نتيجة تفاعل عاملين: تغيّر بنية المجتمع من جهة، وعجز الحزب عن إعادة التموضع داخل هذا التغيّر من جهة أخرى. لا يكفي أن نقول إن «الناس تغيّرت». السؤال الأصعب هو: كيف تغيّر الحزب؟ وإلى أي حدّ ظلّ قادراً على أن يكون تعبيراً عن مصالح الكادحين في شروط جديدة؟

من دون إجابة صادقة على هذا السؤال، سيبقى الحديث عن «إعادة التأسيس» مجرّد شعار جميل.

الاقتصاد الريعي والوعي المشوَّه: حين تُستبدَل العلاقة الطبقية بعلاقة انتظار

لا يمكن فهم أزمة الحزب، ولا أزمة الحاضنة الاجتماعية، ولا حتى أزمة الوعي السياسي في العراق، من دون التوقّف عند البنية الاقتصادية الريعية بوصفها ليس مجرد نظام توزيع للثروة، بل نظامًا لإنتاج وعي اجتماعي خاص.

الاقتصاد الريعي لا ينتج طبقة عاملة منظَّمة بالمعنى الكلاسيكي، ولا ينتج علاقة مباشرة بين العمل والقيمة، بل ينتج مجتمعًا يعيش على التوزيع، والانتظار، والوساطة. في هذا السياق، لا تصبح الدولة فضاء صراع طبقي، بل موزّعًا للموارد، ولا يصبح العمل مصدر الكرامة، بل الوظيفة، ولا يصبح التنظيم أداة تحرّر، بل وسيلة اقتراب من الريع.

حين يعيش أكثر من تسعين بالمئة من السكان بشكل مباشر أو غير مباشر على موارد الدولة، وحين تُدار الحياة اليومية عبر البطاقة التموينية، أو الراتب الحكومي، أو الإعانة، أو العقد المؤقت، فإن الوعي السياسي لا يتشكّل حول سؤال الإنتاج، بل حول سؤال الوصول. من هنا، تتراجع فكرة الصراع الطبقي لصالح فكرة “الحصة”، وتتراجع فكرة التنظيم لصالح فكرة “العلاقة”.

هذا النمط لا يُنتج فقط فسادًا إداريًا، بل يُنتج وعيًا مشوَّهًا:
وعيًا يرى الدولة كغنيمة،
ويرى السياسة كوساطة،
ويرى الحزب كقناة محتملة لا كأداة تغيير.

في مثل هذا المجتمع، لا يُسأل الحزب: كيف نناضل؟
بل: ماذا سيوفّر؟
ولا يُقاس صدقه بقدرته على التنظيم، بل بقدرته على الوصول.

هذا التحوّل أصاب حتى الفئات الكادحة الجديدة:
الشاب العاطل لا يرى نفسه بروليتاريًا، بل “منتظر وظيفة”.
العاملة الهشّة لا ترى نفسها مستغَلّة بنيويًا، بل “محظوظة إن استمر العقد”.
والموظف الصغير لا يرى الدولة خصمًا طبقيًا، بل ربّ عمل يمكن التوسّل إليه.

في هذا السياق، يصبح الخطاب الطبقي غريبًا، بل مقلقًا. ليس لأنه خاطئ، بل لأنه يهدّد منظومة الانتظار. ومن هنا، لا يواجه الحزب رفضًا واعيًا دائمًا، بل لا مبالاة مشروطة: “هذا الكلام جميل، لكن ماذا يغيّر في حياتي؟”.

الاقتصاد الريعي لا يقمع الوعي بالقوة، بل يفرغه ببطء. لا يمنع التنظيم، لكنه يجعله بلا جدوى محسوسة. وهنا تقع إحدى أكبر المعضلات التاريخية للحزب: كيف ينظّم في مجتمع لا يرى في التنظيم ضرورة، بل مخاطرة؟

إعادة التأسيس الشيوعي لا يمكن أن تتجاوز هذا الواقع. لا يمكن استعادة الحاضنة الاجتماعية من دون مواجهة منطق الريع نفسه، لا فقط بوصفه اقتصادًا، بل بوصفه نمط إنتاج وعي. حزب لا يشرح للناس كيف يُعاد إنتاج فقرهم عبر الريع، وكيف يُعاد إنتاج عجزهم عبر الانتظار، سيبقى خارج وعيهم، مهما كانت لغته صادقة.

من هنا، لا تكون مهمة الحزب فقط الدفاع عن العدالة الاجتماعية، بل إعادة بناء وعي يرى العمل والتنظيم والصراع بوصفها شروط كرامة، لا خيارات ثانوية.


6. المثقّف، الإداري، والرفيق: حين تتحوّل القيادة إلى وظيفة ويتحوّل الحزب إلى مكتب

في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية، لم يكن المثقّف عنصراً طارئاً ولا عبئاً. على العكس، لعب المثقفون دوراً مركزياً في نقل الفكر الماركسي، وفي صياغة البرامج، وفي الربط بين النظرية والواقع الاجتماعي. لكنّ التحوّل الخطير لم يبدأ حين ظهر المثقفون، بل حين انفصل دور المثقّف عن القاعدة الطبقية، وتحول من وسيط معرفي إلى مركز سلطة غير مُساءَل.

حين تصبح الهيئات القيادية مشغولة أساساً بإدارة المقرّات، وتنظيم الجداول، وصياغة البيانات، وإدارة العلاقات، وتفريغ الميزانيات في البنية الإدارية، يحدث انقلاب صامت في طبيعة الحزب. القيادة لا تعود تعبيراً مكثفاً عن خبرة النضال، بل تتحوّل إلى وظيفة تنظيمية، لها روتينها ومصالحها وحدودها.

وهذا الانقلاب لا يقع في الفراغ؛ إنه يحدث بينما يتغيّر شكل المجتمع ووسائطه بسرعة هائلة. يكفي أن نتأمل واقع الاتصالات: عدد خطوط الهاتف النقال يبلغ 40,054,869. هذا الرقم ليس “تقدماً تقنياً” فحسب، بل يعني أن المجتمع يتواصل وينظم ويتعلم ويتأثر ويتعبأ عبر شبكات جديدة، وأن السياسة صارت تُختبر في الفضاء اليومي كما تُختبر في الشارع. فإذا ظل الحزب محكوماً بمنطق المقرّ والبيان الورقي، فإنه يفقد “الزمن الاجتماعي” حتى لو احتفظ “بالاسم”. والمفارقة أن كثافة الاتصال لا تعني تلقائياً وعياً طبقياً؛ بل قد تعني تكثيف التضليل والزبائنية والخطاب الطائفي، ما لم يوجد تنظيمٌ قادر على تحويل هذه الوسائط إلى أدوات استنهاض، لا إلى سوق شعارات.

هنا تتبدّل الأسئلة:
لا يعود السؤال: كيف نصل إلى العمال والكادحين؟
بل: كيف نُدير المقر؟ كيف نُدير الإعلام؟ كيف نُدير التوازنات الداخلية؟

وهذا التحوّل ليس مسألة أخلاق أفراد، بل نتيجة بنية كاملة. الحزب الذي يفقد حضوره اليومي في أماكن العمل والأحياء الشعبية، يعوّض ذلك تلقائياً بتضخيم الحضور الإداري–المركزي. ومع الوقت، يصبح المقر بديلاً عن الشارع، والبيان بديلاً عن التنظيم، والرمزية بديلاً عن الفعل.

في هذا السياق، يظهر نمط خطير: المثقف–الإداري. ليس مثقفاً عضوياً مرتبطاً بالصراع الطبقي، ولا إدارياً تقنياً في خدمة التنظيم، بل مزيجاً يمسك بخيوط الخطاب والتنظيم معاً، من دون أن يخضع لرقابة قاعدية حقيقية. هذا النمط يفرض لغته، يحدّد ما هو «مقبول» وما هو «غير مسؤول»، ويحوّل النقد إلى إزعاج، والمساءلة إلى تهديد للوحدة.

لكن أي “وحدة” هذه التي تُبنى على إدارة الصمت بينما يعيش الناس اختباراً يومياً لمعيار أبسط: هل الدولة تعترف بي مواطناً؟ هنا يظهر معنى رقمٍ آخر لا يمكن المرور عليه مروراً تقنياً: 96% من العراقيين يمتلكون بطاقة تموينية. هذا ليس تفصيلاً إدارياً، بل علامة على بنية اجتماعية–اقتصادية كاملة: جمهور واسع يعيش على آليات توزيع مرتبطة بالدولة والريع، وعلى حافة الأمن الغذائي والخدمي، حتى حين تتبدل الأسعار وتضطرب الأسواق. وحين تكون حياة الناس مرتبطة بهذا القدر بآليات البقاء، يصبح الحزب ممتحناً: هل يبني تنظيماً داخل هذه البنى، يحرر الناس من الابتزاز والزبائنية، ويحوّل “البقاء” إلى “حق”، أم يكتفي بخطاب فوقي عن الإصلاح بينما يبقى الكادح رهينة شبكة المنافع؟

ومع تضخّم هذا الدور، تُهمَّش الخبرة النضالية الصامتة: رفاق قدامى بلا منابر، عمّال بلا لغة إعلامية، نساء كادحات لا يملكن أدوات الظهور، شباب يفتقدون القنوات التنظيمية. هؤلاء يُستدعون في المناسبات، ويُحتفى بهم رمزياً، لكنهم يُقصَون فعلياً عن القرار.

الهوس بالمقرّ المركزي مثال فاقع على هذا التحوّل. المقرّ، في ذاته، ليس خطيئة. لكنه يصبح مشكلة حين يتحوّل إلى غاية سياسية، تُستنزف لأجلها الميزانيات، وتُقاس بها «قوة الحزب»، بينما تتراجع العلاقة العضوية مع الكادحين. دبوس صغير على صدر رفيق عامل، في موقع نضال حيّ، قد يكون أصدق من مبنى فاخر بلا روح.

هنا أيضاً تظهر ظاهرة توزيع الأوسمة والميداليات، وكأن الاعتراف الرمزي يمكن أن يعوّض غياب الفعل. التكريم الحقيقي ليس في المعدن، بل في إشراك الرفيق في القرار، وفي احترام صوته، وفي فتح الطريق أمامه ليكون فاعلاً لا واجهة، ومناضلاً لا زينة تنظيمية، وشريكاً في صناعة القرار لا متلقياً لنتائجه.

حين يُختزل الاعتراف في دبوس، أو شهادة، أو صورة جماعية، بينما يُمنَع الرفيق من التأثير الفعلي، فإن الحزب لا يكرّمه، بل يعوّض عن عجزه عن استيعابه. تتحوّل الرمزية هنا إلى قناع، وتصبح الميدالية بديلاً عن الثقة، ويغدو الاحتفاء وسيلة لتأجيل السؤال الحقيقي: لماذا لا يجد هذا الرفيق مكانه في الفعل اليومي؟

هذا النمط لا ينتج فقط إحباطاً فردياً، بل يُعيد تشكيل ثقافة حزبية كاملة، ثقافة تُكافئ الصمت، وتكافئ الانضباط الشكلي، وتخشى الجرأة النقدية. ومع الوقت، تتكوّن قيادة لا ترى في القاعدة سوى جمهور احتفال، ولا ترى في الرفيق سوى رقم أو صورة أو ذكرى.

وهنا تصبح الوظيفة التنظيمية بديلاً عن القيادة السياسية، ويغدو الحزب إدارةً بلا مشروع، ومقراً بلا حركة، وتاريخاً بلا مستقبل.


7. الرفاق المقطوعون، المبعدون، والمستقيلون: حين يتحوّل النزيف إلى بنية

في كل حزب حيّ، هناك خلافات، انسحابات، وتباينات. هذا طبيعي، بل ضروري. لكن ما جرى ويجري في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، وخصوصاً منذ منتصف السبعينيات، يتجاوز حدود «الاختلاف التنظيمي» إلى ظاهرة بنيوية اسمها نزيف الرفاق. والنزيف، في المنهج الماركسي، لا يُقرأ بوصفه “حكايات أفراد”، بل بوصفه دلالة على خلل في العلاقة بين التنظيم والواقع الاجتماعي الذي يفترض أن يمثّله.

الرفيق لا يغادر الحزب في الفراغ. يغادر حين يشعر أن صوته لا يُسمَع، وأن تجربته لا تُترجَم إلى سياسة، وأن تضحيته تُستعمل رمزياً بينما يُستبعد فعلياً. يغادر حين تتحوّل “الوحدة” إلى جدار صامت، وحين يُختزل الخلاف إلى تهديد، وحين يصبح النقد مادة للهمس لا مادة للجدل الحيّ. وما يحدث بعد ذلك أخطر من المغادرة نفسها: يتعوّد الحزب على الخسارة، ويتعوّد على التعويض الشكلي، ويتحوّل النزيف من عارض إلى أسلوب حياة.

والنقطة الأخطر أن هذا النزيف لا يتجلّى فقط داخل التنظيم، بل يتقاطع مع نزيف المجتمع نفسه: نزيف الثقة، نزيف المعنى، نزيف الأمل. حين يقول 92.8% من الناس إن الفساد مشكلة خطيرة، فإنهم لا يصفون “ظاهرة” فحسب، بل يعلنون أنهم يعيشون داخل نظام ينهبهم ويهينهم ويجعل حياتهم معركة يومية للحصول على أبسط الحقوق. في مثل هذا الواقع، الحزب الذي يفقد رفاقه بصمت، أو يراكم القطيعة دون مراجعة، إنما يعلن – من حيث لا يريد – عجزه عن أن يكون مكاناً للثقة والاحتمال. كيف يطالب الناس بالثبات في مواجهة منظومة فساد شبه شاملة، بينما يعجز عن بناء ثقافة داخلية تتحمّل النقد وتحوّله إلى قوة؟

الرفاق المقطوعون والمبعدون والمستقيلون ليسوا ملفاً أخلاقياً. إنهم “مؤشّر إنتاجي” داخل الحزب: إنتاج الثقة أو إنتاج الخوف، إنتاج التراكم أو إنتاج الاستنزاف. حين يتحول الرفيق الخارج إلى “صمت يُمحى”، أو “مشاغب يُشار إليه”، أو “حالة فردية لا تستحق المراجعة”، فإن الحزب لا يخسر شخصاً فقط، بل يخسر جزءاً من ذاكرته، وجزءاً من خبرته، وجزءاً من شرعيته الداخلية. يصبح التنظيم فقيراً في البشر كما هو فقير في التراكم.

وهنا تتضح علاقة النزيف بالشرط الديموغرافي الذي يضغط على العراق كله. بلدٌ بمعدل ولادات 25.4 لكل ألف لا يعاني من “ندرة الأجيال”، بل من عجزٍ سياسي عن تحويل الأجيال إلى قوة وعي وتنظيم. فحين يشيخ الحزب بينما المجتمع يفيض بالشباب، وحين تهاجر الطاقات أو تنسحب إلى اللامبالاة، وحين تتحول السياسة إلى سوق طائفية وزبائنية، يصبح نزيف الرفاق جزءاً من نزيف أكبر: نزيف تحويل البشر إلى مشروع طبقي.

والأشد إيلاماً أن كثيراً من هؤلاء الرفاق، داخل العراق وخارجه، لم يتخلّوا عن الانحياز للكادحين، ولا عن الحسّ النقدي، ولا عن الحلم بمجتمع عادل. لكنهم لم يعودوا يرون الحزب قادراً على أن يكون أداتهم. وهنا يجب أن نقولها بوضوح: الحزب الذي لا يحتمل رفاقه السابقين، أو لا يعرف كيف يبني جسوراً معهم، هو حزب يخاف من تاريخه، ويخاف – بصورة أعمق – من الاعتراف بأن في داخله ما يستحق المراجعة.

إعادة التأسيس الشيوعي لا تعني “استدعاء الجميع” بطرق عاطفية، ولا تعني تمييع الخلافات أو تجاهلها. لكنها تعني أمراً أولياً: أن يُعاد تعريف المغادرة بوصفها سؤالاً سياسياً، لا وصمة. وأن يُعاد تعريف النقد بوصفه شرط حياة، لا تهديداً. وأن تُفتح المسافة اللازمة لكي يعود التراكم إلى التنظيم بدل أن يتسرب إلى الهامش.

فالنزيف، حين يصبح بنية، يخلق ثقافة كاملة: ثقافة تُكافئ الصمت، وتطبع الخسارة، وتُسكت الأسئلة كي لا تهتز الصورة. لكن الحزب الثوري لا يعيش بالصورة. يعيش بالقدرة على تحويل الجرح إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى فعل. ومن دون ذلك، ستبقى “إعادة التأسيس” كلمة جميلة فوق بحرٍ من الرفاق الذين خرجوا لأن الحزب لم يعد يتسع لهم.

8. التركيبة العمرية والجنادرية والتعليمية: حين يشيخ الحزب ويبتعد المجتمع

إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فعلينا أن نطرح السؤال الذي يتجنّبه كثيرون داخل الحزب وخارجه: لمن يتكلم الحزب اليوم؟ ومن يسمعه فعلاً؟ فالحزب ليس بياناً يُكتب، بل علاقة تُبنى. وهذه العلاقة، حين تُقاس بميزان المجتمع الفعلي، تظهر فيها فجوة لا يمكن إنكارها.

حين نرى أن نسبة من هم دون الخامسة تبلغ 11.2%، وأن الفئة 5–14 سنة تبلغ 24.7%، فهذا يعني أن المجتمع العراقي – في عمقه – مجتمع يتكوّن الآن، في المدارس والبيوت والأحياء، لا في أرشيف الذاكرة. وأن ما يقارب ثلث المجتمع يعيش في العمر الذي تُصاغ فيه اللغة والوعي والخيال السياسي، قبل أن تبتلعهم السوق، أو البطالة، أو الهجرة، أو العنف الرمزي والديني. ثم حين نرى أن الفئة 15–64 سنة تبلغ 60.4%، ندرك أن “كتلة المجتمع” الأساسية هي كتلة العمل اليومي والصراع على العيش. أما فئة 65 فأكثر فتمثل 3.7% فقط، بما يعني أن العراق ليس مجتمعاً يشيخ ديموغرافياً، لكنه يعيش أشكالاً أخرى من الشيخوخة: الشيخوخة السياسية والتنظيمية، حين تُدار الحياة العامة بمنطق الريع والفساد والمحاصصة، وحين تتآكل الأداة التي يفترض أن تعبّر عن هؤلاء العاملين والكادحين.

في هذا المعنى، تصبح “شيخوخة الحزب” ليست مسألة عمر بيولوجي للرفاق، بل مسألة زمن اجتماعي. الحزب الذي تغلب عليه أجيال قديمة دون أن ينجح في تحويل خبرتها إلى جسرٍ حقيقي نحو الشباب، يتحول تدريجياً إلى ذاكرة سياسية محترمة، لكنها غير قادرة على الإمساك بزمن المجتمع. ليس لأن الشباب لا يحترمون التاريخ، بل لأنهم يعيشون تحت ضغط البقاء: كيف أجد عملاً؟ كيف أؤمّن سكنًا؟ كيف أهاجر؟ كيف أنجو؟ وحين لا يلمسون الحزب في هذه الأسئلة، يغيب عن وعيهم لا كعدو، بل كشيء لا يخصّ حياتهم.

وهنا تبرز دلالة رقمٍ تعليميّ صارخ: 880,975 طالباً في المرحلة الإعدادية خلال عام واحد. هذا ليس مجرد “عدد طلبة”، بل كتلة مستقبلية تُصنع في واقع شديد القسوة. هؤلاء يدخلون مرحلة يتقرر فيها مصيرهم: جامعة أم بطالة؟ عمل أم هجرة؟ انخراط في سوق هش أم انسحاب؟ وإذا كان الحزب الثوري غير حاضر كقوة اجتماعية في هذا المسار، فإن الفجوة لا تُقاس بالشعارات، بل بالزمن الضائع: جيلٌ كامل يُصاغ بعيداً عن أي تنظيم طبقي حقيقي، ويُترك لآليات السوق والطائفة والعشيرة والزبائنية كي تكتب وعيه نيابةً عن السياسة.

أما على المستوى الجنادري، فالمشكلة ليست “تمثيل النساء في الهيئات” كرقم إداري. المشكلة أن المرأة العراقية الكادحة تعيش اليوم تقاطعاً طبقياً شديد العنف: عمل هش أو بلا عمل، ضغط اجتماعي وديني، عنف أسري، تمييز قانوني–فعلي، وغياب حماية اقتصادية. وحين لا تتحول هذه التجربة إلى مركز في التحليل والتنظيم، لا كـ“ملف” بل كقلب للصراع الاجتماعي، فإن الحزب يفقد أحد مفاتيح فهم المجتمع نفسه. المرأة ليست هامشاً في إعادة إنتاج المجتمع، بل أحد أعمدته. وحين تُستدعى كقضية خطابية بينما تُقصى عن دوائر القرار الفعلي، يصبح الخطاب التقدمي قشرة تغطي استمرار البنى الذكورية حتى داخل التنظيم الذي يفترض أن يقاتلها.

ثم تأتي مسألة التعليم والمعرفة داخل الحزب. المفارقة أن الحزب قد يضم مثقفين وحملة شهادات، لكنه يعاني من انفصال المعرفة عن التنظيم. المعرفة تُكتب كآراء فردية، والتحليل يُنتج كخطاب، لكن لا يتحول إلى برنامج عمل، ولا إلى أدوات تنظيمية، ولا إلى مؤسسات بحثية تنتج السياسة كقوة تراكم. وفي المقابل، تُدار مفاصل حزبية بعقلية إدارية ترى الدراسة ترفاً، وتتعامل مع البحث كديكور، بينما الواقع يتغير بسرعة لا ترحم.

والواقع يغيّر وسائطه أيضاً. يكفي أن نضع أمامنا حقيقة 40,054,869 خط هاتف نقال. هذا الرقم يعني أن المجتمع يعيش في فضاء تواصل شبه شامل، وأن المعركة على الوعي تجري يومياً داخل شاشة، وأن التنظيم السياسي – إن لم يفهم هذا – يخسر ليس لأن التكنولوجيا “تتفوق عليه”، بل لأن الخصوم يملكون القدرة على تحويل هذه الشبكات إلى تعبئة طائفية وزبائنية وإعلام موجه، بينما يظل الحزب أسير منطق المقر والبيان. المطلوب هنا ليس “الظهور الرقمي” كزينة، بل بناء لغة جديدة للتنظيم، تربط التواصل بالعمل الميداني، وتربط المعرفة بالفعل، وتربط الشكوى اليومية بالتحليل الطبقي.

وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة اقتصادية تُستخدم كثيراً كقناع: متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي 8,184,967.3 دينار، فإن المسألة تتعرّى أكثر. المتوسط لا يقول شيئاً عن العدالة. المتوسط قد يخفي هوّة سحيقة بين من ينهب الريع ومن يعيش على الحافة. وإذا كانت الحياة الفعلية للناس مرتبطة ببطاقة تموينية يمتلكها 96% منهم، فإن معنى ذلك أن “الاقتصاد” ليس مؤشراً حسابياً، بل علاقة تبعية يومية: تبعية للريع، وللدولة كجهاز توزيع، ولشبكات الفساد التي تتحكم في هذا التوزيع. وفي مثل هذا السياق، لا يصبح السؤال: هل الحزب يرفع شعار العدالة؟ بل: هل يستطيع تحويل هذه العلاقة إلى ميدان تنظيم، يفضح الابتزاز، ويحوّل مطلب الخبز والماء والدواء إلى مطلب سياسي طبقي واضح؟

وهكذا ينشأ شرخ مركّب: شباب لا يجدون أنفسهم في الحزب، نساء لا يجدن موقعهن الحقيقي، معرفة لا تتحول إلى سياسة، وكادحون لا يشعرون بأن الحزب يتكلم لغتهم اليومية. ماركسياً، هذه ليست أزمة كوادر، بل أزمة علاقة بين الحزب وطبقته التاريخية في شروط جديدة. الحزب الذي لا يقرأ تحول المجتمع يشيخ، حتى لو بقيت لافتاته حمراء، ويبتعد عن الناس، حتى لو رفع اسمهم في كل بيان.

لبّ المسألة هنا ليس لماذا لا يأتي الشباب إلى الحزب، بل لماذا لا يذهب الحزب فعلياً إلى عالمهم: إلى المدرسة والجامعة والعمل الهش والبطالة والهجرة، بلغتهم وبأسئلتهم وبأشكال تنظيم تناسب زمنهم من دون أن تفرغ الجوهر الطبقي. من دون هذا التحول، يبقى الحزب قائماً شكلاً، لكنه منفصل عن الزمن الذي يفترض أن يغيّره.


9. الازدواجية الحزبية والانقسام الجغرافي: حين يتشظّى الولاء ويُختبَر معنى الحزب

من أخطر الأسئلة التي جرى تأجيلها طويلاً داخل الحركة الشيوعية العراقية سؤال الازدواجية الحزبية، لا بوصفها مسألة تنظيمية تقنية، بل بوصفها مسألة سياسية–أخلاقية تمسّ جوهر معنى الحزب نفسه. فالانتماء الحزبي، في المنهج الماركسي، ليس هوية رمزية ولا بطاقة عضوية، بل التزام تاريخي ببرنامج وصراع وموقع طبقي محدد. وحين يصبح هذا الالتزام قابلاً للتجزئة أو الازدواج، فإن السؤال لا يعود إجرائياً، بل وجودياً.

الهجرة الواسعة التي عرفها العراق خلال العقود الأخيرة لم تكن خياراً سياسياً، بل استجابة قسرية لانهيار شروط الحياة. ملايين العراقيين وجدوا أنفسهم خارج البلد، ضمن مجتمعات رأسمالية مستقرة نسبياً، تعمل فيها السياسة بمنطق مختلف، وتُدار فيها الصراعات الاجتماعية ضمن أطر قانونية لا تشبه الواقع العراقي. في هذا السياق، شُجّع كثير من الرفاق في الخارج، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الانخراط في أحزاب يسارية أو اشتراكية أو خضراء أوروبية، تحت عناوين الاندماج أو العمل السياسي المحلي أو بناء التضامن.

لكن ما لم يُناقَش بعمق هو الثمن السياسي لهذه الازدواجية. حين يصبح الرفيق عضواً في حزب يعمل داخل دولة مركزية مستفيدة من النظام الرأسمالي العالمي، وفي الوقت نفسه عضواً في حزب شيوعي يناضل – نظرياً – ضد التبعية والهيمنة، فإن التناقض لا يكون أخلاقياً شخصياً، بل برنامجياً. أي موقف سيتقدّم حين تتعارض المواقف من الاحتلالات، أو من الحروب، أو من العقوبات الاقتصادية، أو من السياسات الإمبريالية التي تمسّ العراق مباشرة؟ وأي لغة سياسية ستصبح “طبيعية” مع مرور الوقت: لغة الصراع الطبقي الحاد، أم لغة الإصلاح الممكن داخل نظام قائم على الاستغلال العالمي؟

هذه الإشكالية لا تنفصل عن الانقسام الجغرافي–التنظيمي الذي تشكّل فعلياً داخل الحزب. فمع مرور الزمن، أصبح هناك واقع غير معلن يقوم على اختلاف التجربة الحزبية بين الداخل والخارج. في الداخل، يعيش الرفاق شروط دولة ريعية، واقتصاد فساد، وبطالة واسعة، وقمع ناعم وخشن، وفضاء سياسي يعاقب الاستقلال الطبقي. في الخارج، يعيش الرفاق شروط العمل القانوني، والدعم الاجتماعي، وحرية التعبير، وأحياناً التمويل، وفضاء سياسي يسمح بالمناورة والعلنية.

هذا التباين لا يبقى محايداً. إنه ينتج لغتين، وحساسيّتين، وأولويتين. ومع الزمن، قد يتحوّل إلى حزبين ذهنيين داخل اسم واحد. الخطر هنا ليس تنظيمياً فقط، بل تاريخي. ففي بلد مهدّد بالتقسيم الفعلي أو الناعم، وبإعادة رسم خرائطه السياسية والاجتماعية، يصبح سؤال وحدة الحزب مرتبطاً بسؤال وحدة الطبقة ووحدة الوطن. ما معنى حزب شيوعي “عراقي” إذا صار العراق نفسه فضاءً متشظياً؟ وكيف يمكن لحزب يدّعي تمثيل الكادحين أن يقبل بتشظّي برنامجه أو ولائه تحت ضغط الجغرافيا؟

الأممية الحقيقية لا تُبنى على ازدواجية الانتماء، بل على وحدة الموقع الطبقي. ولا يمكن لحزب يريد إعادة تأسيس نفسه أن يتجاوز هذا الملف أو يعالجه بالصمت. المطلوب ليس الإدانة، بل الوضوح. ليس قطع الجسور مع الخارج، بل إعادة تعريف العلاقة على أساس برنامج واحد، وولاء طبقي واحد، وقرار سياسي مستقل لا يُستعار من شروط بلدان أخرى.

إعادة التأسيس الشيوعي، في هذا السياق، تعني إعادة طرح سؤال الانتماء بجرأة: الحزب ليس شبكة علاقات، ولا هوية ثقافية، بل أداة صراع. وأداة الصراع لا تعمل بنصف ولاء، ولا بنصف برنامج.

10. الوطنية، المدنية، والمواطنة: حين تُفرَّغ المفاهيم من مضمونها الطبقي

في الخطاب السياسي العراقي المعاصر، تكاد مفردات الوطنية والمدنية والمواطنة تتحوّل إلى كلمات مستهلكة، تُردَّد كثيراً وتُحدَّد قليلاً. الخطر هنا ليس في استعمال المفردات، بل في تفريغها من مضمونها الطبقي، وتحويلها إلى لغة توافقية لا تُهدّد أحداً. وهذا الخطر يطال اليسار بقدر ما يطال غيره، حين تُستعَار هذه المفاهيم من دون إعادة شحنها بمعناها المادي.

الوطنية، من منظور ماركسي، ليست دفاعاً مجرّداً عن الأرض ولا تمجيداً للدولة بوصفها جهازاً قائماً. هي انحياز فعلي لمصالح الطبقة الكادحة داخل الوطن، في مواجهة كل أشكال الاستغلال والتبعية، سواء جاءت من الخارج أو من الداخل. وحين نعلم أن 96% من السكان يعتمدون على البطاقة التموينية، فإن الوطنية لا يمكن أن تُفهم خارج هذا الواقع: وطن تُدار فيه الحياة اليومية عبر آليات توزيع ريعية، خاضعة للفساد والابتزاز السياسي، هو وطن لا يشعر فيه المواطن بالسيادة، بل بالتبعية. الوطنية التي لا تمسّ هذه البنية، ولا تفضح العلاقة بين الريع والسلطة، تبقى شعاراً فوقياً لا يغيّر شيئاً في حياة الناس.

أما “المدنية”، فليست نقيض الدين ولا مرادفاً للعلمنة الخطابية، بل نقيض الحكم الزبائني–الطائفي–العشائري. مدنية بلا عدالة اجتماعية تتحوّل إلى قشرة ليبرالية تخدم الطبقات العليا، وتُقصي الكادحين باسم الحياد. حين يُقال للناس إن الدولة “مدنية”، بينما يعيشون بطالة مقنّعة، وخدمات منهارة، واقتصاد فساد، فإن المفهوم يفقد مصداقيته، ويصبح أداة لتجميل الواقع لا لتغييره.

والمواطنة، التي تُطرَح كثيراً كحلّ سحري، لا تُقاس بالحقوق الدستورية المكتوبة، بل بالقدرة الفعلية على العيش والعمل والتنظيم والمشاركة في القرار. المواطن الذي يعيش في اقتصاد تتجاوز فيه نسب البطالة بين الشباب حدود الاحتمال، والذي يرى متوسط الدخل رقماً حسابياً لا يعكس حياته الفعلية، لا يشعر بأنه “مواطن” بالمعنى السياسي، بل فرد معلق بين دولة لا تحميه وسوق لا ترحمه.

حين يتبنّى الحزب هذه المفاهيم من دون ربطها بالصراع الطبقي، يفقد لغته الخاصة ويذوب في خطاب عام. الأسوأ أن هذا الذوبان يُقدَّم أحياناً بوصفه واقعية سياسية، بينما هو في جوهره تخلٍّ عن المنهج. الحزب الشيوعي لا يكون وطنياً لأنه يرفع العلم، ولا مدنياً لأنه يرفض الطائفية لفظياً، ولا مواطناً لأنه يدافع عن الدستور، بل لأنه يحوّل هذه المفاهيم إلى أدوات صراع اجتماعي ضد البنية التي تُفرغها من معناها.

11. ما العمل؟ من أين نبدأ، وماذا بعد؟

هنا يصل النص إلى اختباره الحقيقي. فالسؤال “ما العمل؟” لا يُطرَح بوصفه خاتمة بلاغية، بل بوصفه محكّاً لكل ما سبق. إذا كانت الأزمة بهذا العمق، فإن الإجابة لا يمكن أن تكون إدارية ولا شكلية.

البداية لا تكون بإعادة ترتيب الهيئات، ولا بتغيير الوجوه، ولا بتوسيع المقرات. البداية تكون بإعادة بناء العلاقة مع القاعدة الاجتماعية الفعلية، تلك التي تشكّل 60.4% من المجتمع في سنّ العمل، والتي تعيش في اقتصاد هشّ، بلا ضمان، وبلا أفق. إعادة البناء تعني العودة إلى مواقع العمل، إلى الأحياء الشعبية، إلى البطالة والهشاشة، لا بوصفها مواد إعلامية، بل بوصفها ساحات تنظيم.

ما العمل يعني أيضاً فتح الحزب على ذاته. فتح ملفات النزيف، والازدواجية، والقطيعة مع الشباب والنساء، من دون خوف على “الصورة”. الحزب الذي يخاف على صورته أكثر مما يخاف على مستقبله، حزب يُدير تراجعه ولا يواجهه.

وما بعد البداية يعني بناء مؤسسات معرفة حقيقية داخل الحزب، لا كزينة فكرية، بل كمحرّك للسياسة. المعرفة هنا ليست ترفاً، بل شرط بقاء. مجتمع فيه مئات آلاف الطلبة، وملايين الشباب، وفضاء رقمي شبه شامل، لا يمكن تنظيمه بعقلية بيانات موسمية أو خطاب محفوظ.

وما بعد ذلك يعني إعادة تعريف القيادة. القيادة ليست من يكتب البيان، بل من يخلق كوادر، ويفوّض القاعدة، ويتحمّل النقد، ويعترف بالخطأ. القيادة التي تخشى النقد تحوّل الحزب إلى جهاز دفاع عن ذاته، لا أداة تغيير.

12. خاتمة الوثيقة السابعة: الحزب بين الذاكرة والمستقبل

ما تكشفه هذه الوثيقة، بكل محاورها، ليس أزمة عابرة، بل مأزقاً تاريخياً. الحزب الشيوعي العراقي، الذي وُلد كأداة تحرّر طبقي، مهدَّد بأن يتحوّل إلى ذاكرة سياسية محترمة، لكنها غير فاعلة. الذاكرة هنا سلاح ذو حدّين: تمنح الشرعية، لكنها قد تتحوّل إلى عبء إن لم تُحوَّل إلى قوة حاضرة.

الأجيال الجديدة لا تحاكم الحزب على تاريخه فقط، بل على ما يقدّمه الآن. وحين يعيش المجتمع انفجاراً ديموغرافياً شاباً، بينما يشيخ التنظيم سياسياً، فإن الفجوة لا تُردم بالخطاب، بل بالفعل.

إعادة التأسيس الشيوعي ليست إعادة طلاء، ولا تصحيح مسار إداري، بل شجاعة فكرية وأخلاقية. شجاعة الاعتراف بأن الحزب، كما هو، لا يكفي. وشجاعة الإيمان بأن الحزب، كما يمكن أن يكون، ما زال ممكناً.

وهنا، عند هذا المفترق، يُطرح السؤال مرة أخرى، لا كشعار، بل كمسؤولية تاريخية:

ما العمل؟

والإجابة تبدأ من الجرأة على النظر في المرآة، ومن الاستعداد لدفع ثمن التغيير، ومن وضع الطبقة – لا التنظيم – في المركز.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين فنزويلا والعراق
- من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
- الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
- من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
- النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
- قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع ...
- من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
- الهوية بين الأصالة والدونية
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ...
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ...
- إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف ...
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ...
- الوثيقة الثالثة: تشخيصُ السيادة والدين والطبقة في عراق ما بع ...
- الوثيقة الثانية: تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
- تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
- ماذا يريد الشيوعيون؟
- الوثيقة المركزية لإعادة التأسيس الشيوعي في العراق - يا شيوعي ...
- لماذا خسر الحزب؟ وما الذي يجب فعله الآن؟
- العودة إلى الطبقة: في إعادة تأسيس الحركة الشيوعية العراقية د ...
- أوقفوا الإبادة فورًا: الشعب الفلسطيني يقرر


المزيد.....




- ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة ...
- الجيش يحكم سيطرته على الأشرفية ويواصل عملياته في -الشيخ مقصو ...
- كاراكاس تبحث توسيع علاقاتها مع واشنطن وترامب يركز على النفط ...
- كيف تنقل السلطات الأميركية مادورو بين السجن والمحكمة؟
- مصدر عسكري سوري: ضباط الأسد يقاتلون إلى جانب الأكراد في حلب ...
- ترامب: شركاتنا ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا
- الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب
- ترامب يدعو الصين وروسيا لشراء -كل ما تحتاجانه من النفط- من أ ...
- ترامب عن غرينلاند: -أود إبرام صفقة بالطريقة السهلة وإن لم تت ...
- العاصفة -غوريتي- تودي بحياة أكثر من 10 أشخاص وتربك الحياة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة