إدريس نعسان
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 18:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عندما يفقد الإعلام معايير الحياد، وينحاز عن القيم الأخلاقية والمبادئ المهنية التي يفترض أن تضبط أداءه، يصبح من الطبيعي أن تختلط الأدوار، وأن يُستبدل الضحية بالجلاد، والجلاد بالضحية. ففي غياب الأخلاق المهنية، لا يعود الإعلام ناقلاً للحقيقة، بل يتحوّل إلى أداة تبرير وتضليل، تُعيد إنتاج الرواية الأقوى لا الأصدق.
لقد أظهرت تغطية معظم وسائل الإعلام العربية، إلى جانب الإعلام الرسمي السوري، للأحداث والتطورات الحاصلة في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، تراجعاً واضحاً عن أبسط القواعد التي تقوم عليها المهنية الإعلامية. وهي قواعد لا يمكن من دونها الحديث عن إعلام محايد وذي مصداقية، قادر على أداء دوره بوصفه "السلطة الرابعة" التي يفترض أن تدافع عن حقوق المظلومين، وتكشف الانتهاكات، وتحاسب الجهات والأطراف التي تتجاوز حدود مسؤوليتها تجاه المدنيين.
بدلاً من ذلك، اتجهت هذه الوسائل، تدريجياً ولكن بثبات، إلى خطاب يبرّر العنف ويشرعن الانتهاكات، ولا سيما تلك التي تطال المكوّنات الأقل عدداً في المجتمع السوري. وغالباً ما يجري تسويق هذه الانتهاكات تحت عناوين فضفاضة مثل "انتصار الدولة" أو "حماية الشرعية" ، في تجاهل متعمّد للضحايا، وطمس للسياق الإنساني والقانوني لما يجري على الأرض.
إن هذا الانحياز لا يقتصر على اختيار المصطلحات أو زاوية التغطية، بل يمتد إلى تغييب أصوات المتضررين، والتقليل من حجم معاناتهم، أو التشكيك في مشروعيتها. وبهذا، لا يكتفي الإعلام بالتخلّي عن دوره الرقابي، بل يساهم فعلياً في تطبيع الظلم، ويمنح الغطاء الأخلاقي والسياسي لممارسات كان يفترض أن تكون موضع مساءلة وإدانة.
الإعلام المهني لا يُقاس بمدى قربه من السلطة، ولا بقدرته على ترديد خطابها، بل بقدرته على قول الحقيقة، حتى حين تكون مكلفة. أما الإعلام الذي يبرّر الانتهاكات باسم الدولة أو الاستقرار، فإنه يفقد جوهر رسالته، ويتحوّل من أداة تنوير إلى شريك في إنتاج القهر. وفي سياق معقّد ومأساوي كالسياق السوري، لا يبدو هذا الانحراف مجرد خلل مهني، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية ستبقى آثارها ماثلة في الذاكرة العامة طويلاً.
#إدريس_نعسان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟