أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1821-1956)














المزيد.....

2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1821-1956)


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، لم يُخلق في السودان مشروعٌ وطني بل جرى تركيب جهاز هيمنة. لم تنشأ الدولة كحلقة في تطور المجتمع السوداني، بل كأداة خارجية صممها الغزاة لإدارة الأرض والبشر عبر أقل تكلفة وأقسى عنف. كانت هذه الآلة الإدارية-العسكرية قطيعةً عنيفة مع مسارات المجتمع المحلي، تفرض هيكلاً فوقياً منفصلاً عن نسيج الحياة اليومية، معادياً لطموحات الناس لا معبراً عنها.

الأسس الأولى لهذه الدولة وضعت أيام الحكم التركي المصري، حيث تأسست على ثنائية السلاح والدواوين. لم يكن الهدف بناء مجتمع منتج، بل تنظيم عملية سلب منهجية. حوّل الحاكم الجديد الفلاح إلى مصدر جزية، والراعي إلى وعاء عمل قسري، بينما تحولت الخرطوم إلى مركز يجمع الثروة المسلوبة لتصديرها في قوافل النهب الإمبريالي. لم تكن هناك رؤية لتطوير الأرض أو تحرير طاقات السكان، بل خطة محكمة لتحويل البشر إلى وقود في آلة الاستخراج الاستعماري.

ثم جاء البريطانيون ليحولوا هذه الآلة إلى نسخة أكثر تطوراً. حولوا السودان إلى مزرعة قطن شاسعة تخدم مصانع لانكشاير، فحطموا أنظمة الإنتاج التقليدية التي وفرت للفلاحين حداً من الكفاف والاستقلال. أصبح الاقتصاد تابعاً بالكامل، ينتج ما لا يأكل، ويأكل ما لا ينتج. من رحم هذا التشويه الاقتصادي ولدت طبقة جديدة من الوسطاء: بيروقراطيون وعسكريون تعلقت مصالحهم بالمستعمر، بينما تحولت الأغلبية الساحقة إلى فلاحين فقراء وعمال موسميين بلا أرض ولا أمل.

ولم يكتفِ المستعمر بتحطيم الاقتصاد، بل عمل على تفكيك العقل الجمعي. قوانين المناطق المقفولة لم تكن مجرد أخطاء في التخطيط، بل أدوات دقيقة لإنتاج الهويات المتنافسة. عزلت هذه السياسة سكان الجنوب والنيل الأزرق وجبال النوبة عن مركز السلطة، وحولت التناقض الطبقي الأساسي بين من ينتج ومن يسرق إلى خلافات "قبلية" و"جهوية". فصلت السياسة الاستعمارية الناس عن بعضهم، حتى لا يدركوا أن العدو الحقيقي هو نظام الاستغلال ذاته.

غياب العقد الاجتماعي كان السمة الأبرز لهذه الدولة الغريبة. فالمستعمر لم يحتج إلى رضا المحكومين، بل إلى طاعتهم الصماء. فرضت الضرائب بالسوط، وسلبت الأراضي بالمرسوم، وأعيد ترتيب الريف لخدمة التصدير لا الحاجات المحلية. دمرت هذه السياسة نسيج التضامن التقليدي الذي كان يمكن أن يشكل نواة للمقاومة، وحولت العلاقات الاجتماعية إلى شبكة من التبعية والخوف.

ومن أجل ترسيخ هذا النظام، أعاد الاستعمار اختراع التقاليد بدل إلغائها. حول زعماء القبائل إلى حراس محليين للنظام، وربطهم بمرتبات ومناصب تجعلهم أوفياء للخرطوم لا لأبناء قراهم. لم يكن هذا احتراماً للتنوع، بل خدعة بارعة: جعل الاستغلال يبدو وكأنه "عرف محلي"، والاضطهاد وكأنه "نزاع قديم". أصبح الزعيم التقليدي سجان قريته، يحمي مصالح المستعمر بلغته وبتقاليد أسلافه.

الجهاز العسكري كان الابن المدلل لهذا النظام. لم يُخلق الجيش السوداني ليدافع عن الوطن، بل ليقمع أي محاولة للتمرد على سلطة الخرطوم. كانت مهمته الأولى حماية خطوط القطن وقوافل الجباية، لا حماية الفلاح من الجوع أو الراعي من العطش. هذا الإرث الثقيل سيرافق الدولة بعد الاستقلال، وسيحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى حارس لامتيازات فئة ضيقة.

ووراء كل هذا العنف المادي، بنى الاستعمار جداراً من الأكاذيب. قدم نفسه كمحرر من "الهمجية" و"الظلام"، بينما كان يجلب استغلالاً منظماً لم تعهده المنطقة من قبل. سوق الدولة كأداة للتحديث والتقدم، بينما كانت في حقيقتها آلة لتركيز الثروة في أيد قليلة. زرع هذا الكذب بذور "الوعي الزائف" الذي سيجعل السوداني يقبل استغلاله باعتباره قدراً محتوماً، أو تأخراً تاريخياً، لا نتيجة لعلاقة قوة مفروضة عليه.

وعندما جاء الاستقلال عام 1956، كان حدثاً هشاً على السطح. لم يتغير الجوهر، بل تغيرت الأسماء فقط. ورثت النخبة الجديدة نفس الجهاز البيروقراطي المصمم للقمع، ونفس الاقتصاد التابع، ونفس الجيش المنعزل عن الشعب، ونفس الوعي المقسّم. كانت اللحظة انتزاعاً للعلم، لا تحطيماً للأغلال.

ولذلك فشلت كل محاولات الإصلاح التي تلت. كيف تصلح جهازاً لم يُصنع للإصلاح أصلاً؟ الدولة الاستعمارية في السودان لم تكن مشروعاً ناقصاً يحتاج إلى ترميم، بل كانت آلة ناجحة في وظيفتها الوحيدة: الحفاظ على نظام استغلالي. مطالبتها بالعدل أو الحياد كمن يطلب من السيف أن يصبح محراثاً.

حرب السودان اليوم هي الثمرة المرة لهذه الشجرة المسمومة. ليست انحرافاً في المسار، بل هي المسار ذاته وقد وصل إلى نهايته المنطقية. انفجار العنف الحالي هو صوت التناقضات التي زرعها الاستعمار وروتها سنون التبعية. لا يمكن فهم دمار اليوم دون النظر إلى بذور الدمار التي غرست قبل قرن.

المشكلة السودانية ليست في غياب الدولة، بل في وجود دولة من نوع خاطئ. ليست دولة عاجزة عن العمل، بل دولة تعمل بكفاءة عالية في قهر شعبها. لا تحتاج إلى إصلاح، بل إلى تفكيك. لأنها لم تُبنَ يوماً لخدمة الشعب، بل لخدمة مصالح الغرباء وأذنابهم.

المخرج من هذه الكارثة يبدأ باعتراف بسيط وقاس: أن الدولة القائمة هي العدو. وأن السلام لن يأتي بمجرد إسكات المدافع، بل بتحطيم الآلة التي تنتج المدافع. كما قال لينين بحكمة: "لا يمكن للطبقة المضطهدة أن تتحرر ما لم تكسر جهاز الدولة الذي يقهرها". المعركة الحقيقية ليست بين طرفي الحرب، بل بين الشعب السوداني وتلك الآلة الغريبة التي تدعى "دولة".

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي
- 10. لجان المقاومة النسوية – إعادة بناء السياسة من داخل المعس ...
- 9. شبكات المقاومة اليومية – من المطابخ الجماعية إلى المجالس ...
- 8. الإعلام الدولي والصور النمطية – تحويل المعاناة إلى سلعة إ ...
- 7. الدين كأفيون جديد – توظيف الخطاب الديني لتبرير اقتصاد الح ...
- 6. النسوية البرجوازية – تمثيل الزائفات ونسيان الطبقة في خطاب ...
- 5. ايديولوجيا النيوليبرالية والجسد: تبرير القمع البنيوي في س ...
- 4. فائض القيمة القذر – اقتصاد الجسد ومعسكرات العمل في منظومة ...
- 3. النسيان كإعادة إنتاج: الأسرة بوصفها موقع استغلال طبقي وال ...
- 2. المخيمات كآلة طبقية: إعادة تشكيل البروليتاريا المقهورة في ...
- خرائط القهر: العنف البنيوي ضد المرأة في الاقتصاد السياسي للح ...
- 10. الآفاق الطبقية ومعنى الانتصار — من الإصلاح إلى التغيير ا ...
- 9. دينامية الشارع كرافعة تاريخية — صناعة الزمن الثوري
- ٨. معارك السياسات الملموسة: اختبار الصراع الطبقي في ال ...


المزيد.....




- ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة ...
- الجيش يحكم سيطرته على الأشرفية ويواصل عملياته في -الشيخ مقصو ...
- كاراكاس تبحث توسيع علاقاتها مع واشنطن وترامب يركز على النفط ...
- كيف تنقل السلطات الأميركية مادورو بين السجن والمحكمة؟
- مصدر عسكري سوري: ضباط الأسد يقاتلون إلى جانب الأكراد في حلب ...
- ترامب: شركاتنا ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا
- الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب
- ترامب يدعو الصين وروسيا لشراء -كل ما تحتاجانه من النفط- من أ ...
- ترامب عن غرينلاند: -أود إبرام صفقة بالطريقة السهلة وإن لم تت ...
- العاصفة -غوريتي- تودي بحياة أكثر من 10 أشخاص وتربك الحياة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1821-1956)