أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي














المزيد.....

هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 10:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العنصرية والطّائفية والتّعصّب السياسي لا تُنْتَج غالبًا داخل وعي الفرد وحده بمعزل عن سياقه الاجتماعي، بل تتشكّل حين يذوب الفرد في جماعة مؤدلجة ذات نزعة طوباوية، تُعطِّل آليات التفكير النقدي وتستبدلها بمنطق الاصطفاف والانتماء. في هذا التحوّل، لا يعود الفرد فاعلًا معرفيًا مستقلًا، بل وحدة وظيفية داخل بُنية جماعية تُعيد تشكيل إدراكه للآخر العابر للحدود.

تُظهر الخبرة اليومية أنّ الإنسان، بوصفه فردًا، يمتلك قدرة على التعايش مع الاختلاف الفكري والعقائدي، وعلى مشاركة الهموم والآمال دون تَوتُّر أو إقصاء ممنهج. غير أنّ هذا الاتزان يتآكل سريعًا داخل الفضاء الجماعي، حيث تفرض الجماعة منطقها الخاص على الأفراد، وتُعيد تعريف المقبول والمرفوض وفق معاييرها الأيديولوجية.

داخل الجماعة، يفقد التفكير المستقل قيمته المعرفية، ويُعاد تأطيره بوصفه خروجًا عن الطاعة و تهديدًا للتماسك الجمعي. في هذا السياق، تُشوَّه المفاهيم، ويُخْتزَل الحق في تأويل واحد مُهَيمِن، وتتحوّل القناعات إلى شعارات أيديولوجية مُقدّسة لا تقبل المراجعة أو المُساءلة. هنا يُقصَى العقل ويُهزَم ليس عبر القسّر المباشر، بل من خلال آليات إدماج ناعمة تقوم على إغراء الانتماء، وإنتاج اليقين، وبَث التفاؤل الأعمى، وتخفيف كلفة السؤال، بما يؤدي إلى تآكل الاستقلالية المعرفية وتطبيع التبعية الفكرية.

الأكثر إشكالية أنّ هذا النّمط لا يقتصر على الجماعات التّعبوية أو الشعبوية، بل يمتد إلى جماعات سياسية ونُخَب مثقفة، تمتلك نُطاسة خطابية عالية وقدرة متقدمة على التبرير وصناعة المسوّغات. في هذا المستوى، يُعاد تأهيل الخطأ بوصفه "موقفًا"، ويُقدَّم الفشل على أنّه "خَيار"، ويُعاد إنتاج التناقض باعتباره "حكمة سياسية"، فيما يُسوَّغ الإقصاء تحت مسمّى "تحليل"، وتُمنح الكراهية صفة الموقف المبدئي. هكذا تتحوّل الأيديولوجيا إلى مظلّة أخلاقية تُضفي المشروعية على ممارسات كانت مرفوضة فرديًا.

إنّ المجتمعات التي تسمح بهزيمة العقل داخل الجماعة تفتح المجال أمام أشكال متصاعدة من العنف الرمزي والسياسي، لا تحتاج إلى عدو خارجي كي تستمر. فالصراع الجوهري ليس بين جماعات متنافسة بقدر ما هو بين عقل ناقد يسعى إلى الفهم، وبُنية جماعية تطالب بالطاعة والامتثال. وحين ينتصر منطق الطاعة، لا يكون المهزوم طرفًا بعينه، بل المجتمع العام بأسره؛ إذ لا أداة لمواجهة المعاناة وإنتاج المعنى سوى العقل النقدي، القادر وحده على خلق قيمة جديدة من قلب الفوضى.





العنصرية والطّائفية والتّعصّب السياسي لا تُنْتَج غالبًا داخل وعي الفرد وحده بمعزل عن سياقه الاجتماعي، بل تتشكّل حين يذوب الفرد في جماعة مؤدلجة ذات نزعة طوباوية، تُعطِّل آليات التفكير النقدي وتستبدلها بمنطق الاصطفاف والانتماء. في هذا التحوّل، لا يعود الفرد فاعلًا معرفيًا مستقلًا، بل وحدة وظيفية داخل بُنية جماعية تُعيد تشكيل إدراكه للآخر العابر للحدود.

تُظهر الخبرة اليومية أنّ الإنسان، بوصفه فردًا، يمتلك قدرة على التعايش مع الاختلاف الفكري والعقائدي، وعلى مشاركة الهموم والآمال دون تَوتُّر أو إقصاء ممنهج. غير أنّ هذا الاتزان يتآكل سريعًا داخل الفضاء الجماعي، حيث تفرض الجماعة منطقها الخاص على الأفراد، وتُعيد تعريف المقبول والمرفوض وفق معاييرها الأيديولوجية.

داخل الجماعة، يفقد التفكير المستقل قيمته المعرفية، ويُعاد تأطيره بوصفه خروجًا عن الطاعة و تهديدًا للتماسك الجمعي. في هذا السياق، تُشوَّه المفاهيم، ويُخْتزَل الحق في تأويل واحد مُهَيمِن، وتتحوّل القناعات إلى شعارات أيديولوجية مُقدّسة لا تقبل المراجعة أو المُساءلة. هنا يُقصَى العقل ويُهزَم ليس عبر القسّر المباشر، بل من خلال آليات إدماج ناعمة تقوم على إغراء الانتماء، وإنتاج اليقين، وبَث التفاؤل الأعمى، وتخفيف كلفة السؤال، بما يؤدي إلى تآكل الاستقلالية المعرفية وتطبيع التبعية الفكرية.

الأكثر إشكالية أنّ هذا النّمط لا يقتصر على الجماعات التّعبوية أو الشعبوية، بل يمتد إلى جماعات سياسية ونُخَب مثقفة، تمتلك نُطاسة خطابية عالية وقدرة متقدمة على التبرير وصناعة المسوّغات. في هذا المستوى، يُعاد تأهيل الخطأ بوصفه "موقفًا"، ويُقدَّم الفشل على أنّه "خَيار"، ويُعاد إنتاج التناقض باعتباره "حكمة سياسية"، فيما يُسوَّغ الإقصاء تحت مسمّى "تحليل"، وتُمنح الكراهية صفة الموقف المبدئي. هكذا تتحوّل الأيديولوجيا إلى مظلّة أخلاقية تُضفي المشروعية على ممارسات كانت مرفوضة فرديًا.

إنّ المجتمعات التي تسمح بهزيمة العقل داخل الجماعة تفتح المجال أمام أشكال متصاعدة من العنف الرمزي والسياسي، لا تحتاج إلى عدو خارجي كي تستمر. فالصراع الجوهري ليس بين جماعات متنافسة بقدر ما هو بين عقل ناقد يسعى إلى الفهم، وبُنية جماعية تطالب بالطاعة والامتثال. وحين ينتصر منطق الطاعة، لا يكون المهزوم طرفًا بعينه، بل المجتمع العام بأسره؛ إذ لا أداة لمواجهة المعاناة وإنتاج المعنى سوى العقل النقدي، القادر وحده على خلق قيمة جديدة من قلب الفوضى.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا
- بين التّطبيل والتّهبيل: إدارة المأساة بلا سياسة
- أُفول فرانس–إفريقيا... تحوّلات موازين القوى العالمية
- غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟
- في ذكرى رحيل أمي
- حين يُصبح الألم وقودًا... ويحيا نهج الشيطان
- تركيا أُنموذجًا لاختبار واشنطن نظامًا جيوسياسيًا شرق أوسطيًا ...
- حِينَ يَنهضُ القَلبُ من حُطامِهِ
- العلاقات المصرية الإسرائيلية.. بين الأمن والسيادة-- إدارة ما ...
- بين الصهيونيّة الدينيّة والصهيونيّة الليبراليّة: إسرائيل إلى ...
- من وعد بلفور إلى الاعتراف الأوروبي: قرن من التحوّلات بين الو ...
- حين يتكلم التاريخ بلسان مصر
- أولوية الشّعب: بين الحُكم والسّلاح
- الإعلان الدستوري : بين إدارة الضرورة ومعضلة الشرعيّة
- إلغاء القمة ورسائل توماهوك: السياسة الأميركية بين القوة والح ...
- بين التّحديات والمسؤوليّة: نحو تحويل وقف الحرب إلى فرصة وطني ...
- بين السلطة والضمير: استراحة على شاطئ التاريخ
- الطموح الفلسطيني: بين الوصاية والدولة
- مصر.. سند فلسطين ودرع العروبة
- ناصر القدوة.. في قلب الحسابات الفلسطينية المُقبِلة


المزيد.....




- ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة ...
- الجيش يحكم سيطرته على الأشرفية ويواصل عملياته في -الشيخ مقصو ...
- كاراكاس تبحث توسيع علاقاتها مع واشنطن وترامب يركز على النفط ...
- كيف تنقل السلطات الأميركية مادورو بين السجن والمحكمة؟
- مصدر عسكري سوري: ضباط الأسد يقاتلون إلى جانب الأكراد في حلب ...
- ترامب: شركاتنا ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا
- الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب
- ترامب يدعو الصين وروسيا لشراء -كل ما تحتاجانه من النفط- من أ ...
- ترامب عن غرينلاند: -أود إبرام صفقة بالطريقة السهلة وإن لم تت ...
- العاصفة -غوريتي- تودي بحياة أكثر من 10 أشخاص وتربك الحياة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - هزيمة العقل داخل الجماعة: سوسيولوجيا التفكير الجمعي