أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - شقاوات بغداد














المزيد.....

شقاوات بغداد


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 01:22
المحور: الادب والفن
    


حجي شاكر: سيرة الظل والحبل

​قراءة في سيكولوجيا "الشقاوة" البغدادية

​لم يولد حجي شاكر وفي يده سكين، ولا خطر ببال الصبي الذي تعلّم في أزقة بغداد الضيقة أن ينتهي واقفاً تحت رحمة حبل القنب. كان واحداً من أولئك الفتية الذين تُلقنهم "الدُروب" الصمت قبل الكلام، والمراقبة قبل الفعل. في محلة "الكسرة" البغدادية العتيقة، التي لا تمنح أبناءها سوى غبار الانتظار وصدى الماضي، كان شاكر يقف طويلاً عند أطراف المقاهي، يمتص حكايا الرجال الذين صاروا "ظلاً للخوف"، أمثال إبراهيم بن عبدكه وموزر، قبل أن يذوبوا ويتحول الخوف إلى أسمائهم.

​لم تكن صفعة شرطي السوق في ذلك الصباح البعيد مجرد ألم عابر، بل كانت "هزة وجودية". في تلك اللحظة، أدرك شاكر أن المدينة لا تحمي الودعاء، وأن القانون قد يمرّ فوق رأس الفقير مرور الغرباء، تاركاً وراءه ندبة لا تُمحى في الروح. منذ ذلك الحين، تغيّرت مشيته؛ لم يعد يهرول كخائف، صار يطأ الأرض ببطءٍ وثبات، كأنه يتقمص هيئة رجلٍ آخر، رجل لا يُصفع مرتين.
​بدأت الحكاية بتمردٍ صغير: مشاجرة في زقاق، تهديد لم يرقَ للدم، واسمٌ بدأ يتسلل إلى مجالس "الأفندية" على استحياء. ثم نضجت السمعة حين أدرك أن الخوف وظيفة شاغرة لمن يجرؤ. صار حاضراً في المناطق المعتمة التي تعجز الشرطة عن اقتحامها، وأصبح "الرجل الذي يفهم الأمور" حين تُغلق الأبواب. لم يكن دموياً بالهوى، لكنه كان حاسماً بالضرورة، والحسم في بغداد الأربعينيات كان العملة الوحيدة لصناعة "الهيبة".

​تلك الهيبة هي التي رافقته حتى وهو يدخل قاعة المحكمة مصفداً بالأغلال. غصّت القاعة بـ "اليشاميغ" و"السدارات"، والصمت فيها لم يكن احتراماً للقانون بقدر ما كان ذهولاً أمام لحظة الحقيقة. وقف شاكر خلف القضبان، مسح وجهه بكفه الخشنة، ونظر إلى الوجوه ببرودٍ استفز المنصة.
​نطق القاضي بصوته الأجش:
​"شاكر محمود.. أنت متهم بالقتل والتمرد على سلطة القانون. شنو قولك؟"
​رفع شاكر رأسه، وبريق في عينه لم ينطفئ بعد، وقال بلهجة بغدادية متهكمة وواثقة:
​"سيادة القاضي.. القانون مالتكم يمشي ع الوجوه، ما يمشي ع الكل. آني ما كتلت أحد غدر، ولا مديت إيدي على حلال يتيم. اللي صار جان رد اعتبار، والشقي إذا ما ياخذ حقه بيده، تدوّسه الرجلين بالدرابين."
​ضجت القاعة، فصاح القاضي: "هدوء! أنت تعترف بالقتل؟"
أجاب شاكر، وهو يلتفت للجمهور كأنه يلقي خطاباً من فوق "تخت" مقهى في الكسرة:
​"اعترف إني ردّيت الإهانة.. إحنا ولد محلة، وتربينا ع المرجلة. إذا واحد (طگ) صاحبي بكلمة، الدنيا تنگلب. وإذا (فروخ) الشواكة أو الفضل رادوا يتجاوزون حدودهم على منطقتي، لازم يدرون إنّو شاكر موجود.. واليوم اليريد يمشي بحق الله، لازم ظهره قوي."

​حين نطق القاضي بحكم الإعدام، لم تهتز شعرة في شارب الحجي. عدّل ( عرقجينته )، ونظر إلى السقف كأنه يرى خيال "محسن السهيل" أو "خليل أبو الهوب" يلوحون له من بعيد. التفت إلى شقاوة آخر كان يجلس في الصفوف الخلفية، وصاح به بمرارة ممزوجة بالفخر:
​"يا فلان.. دير بالك ع العيال. والكسرة أمانة برگبتكم.. لا تخلون الغريب يمد راسه بيها. الموت واحد، والرب واحد، والزلم تبيّن بالشدة."

​في يوم التنفيذ، تقدم نحو المشنقة بثباتٍ مسرحي مدروس. لم يكن شجاعاً بالمعنى الساذج، ولا خائفاً بالمعنى المذل. كان يدرك أن بغداد تشاهد الآن "خاتمة الحكاية". صدرٌ مرفوع، وابتسامة خفيفة غامضة، كأنه يقول للمدينة التي صنعته ثم لفظته: "هذا ما أردتموه".
​عندما سُحبت الأرض من تحته، وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والذكرى، ربما لمع في ذهنه تساؤل أخير: هل هو من اختار هذا المسار، أم أن أزقة بغداد، من الكسرة إلى أبو سيفين، هي التي نحتت منه هذا الكائن القاسي؟
​انتهى الرجل، وعادت المقاهي تضج بوقع النرد وحكايا الرواة. انقسم الناس بين من يراه ضحية ومن يراه مجرماً، وبقيت بغداد وحدها صامتة، فهي تعرف منذ زمن بعيد أن الرجال يرحلون، أما الحكايات.. فهي التي تبقى.

إضاءة تاريخية:
"الشقاوة" في تاريخ بغداد لم تكن تعني الإجرام الصرف، بل كانت تمثل طبقة اجتماعية برزت في العهد الملكي، تميزت بمزيج من القوة البدنية، حماية المحلة، والتمرد على السلطة الرسمية. ويعد "حجي شاكر" من أبرز رموز هذا العالم في محلة "الكسرة"، إلى جانب أسماء خلدتها الذاكرة الشعبية مثل خليل أبو الهوب، إبراهيم بن عبدكه، محي مرهون، وعلي مامه.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن


المزيد.....




- الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال ...
- وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...
- مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025 ...
- “فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهو ...
- غوينيث بالترو تكشف عن فقدانها لدور سينمائي بعد إعلان انفصاله ...
- تطورات الحالة الصحية للفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - شقاوات بغداد