أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانفكاك في زمن التقسيم















المزيد.....

إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانفكاك في زمن التقسيم


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 22:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: صرخة في دهاليز النظام العالمي

ها هي رياح الشرق القديم تعصف مرة أخرى، حاملةً في ثناياها روائح النفط والبارود، وصداً لصرخات تاريخ لم يُدفن بعد. على مسرح تمزقه أيدي "المركز" المتآكلة، تطلّ إيران كقلعة شاهقة في عاصفة رملية، قلعة تحرس أسوارها عقيدة وتاريخ، وتحيط بها من كل حدب جيوش من الظلال: ظلال عملاء، وظلال دمى، وظلال أسياد من وراء البحار. الحصار الأمريكي-الصهيوني-الغربي ليس حديثاً، لكنه اليوم يرتدي ثياباً جديدة: ثياب "المظاهرات" المزروعة، و"البلطجة العسكرية" المباشرة، ووراءها جميعاً خريطة تقسيم معلنة تهدد بتفكيك جسد الأمة من المحيط إلى الخليج. وفي قلب هذه العاصفة، تثور أسئلة مصيرية: كيف تواجه إيران، بمنظورها الثوري والمقاوم، هذه الحرب المتعددة الأوجه؟ أين تقف في خريطة "المركز والأطراف" التي وضعها سمير أمين؟ وهل يصلح "الانفكاك" الإيراني كنموذج يحمي المنطقة، أم أنه يتحول إلى عبء في معركة وجودية؟ بل والأكثر جرأة: هل حان وقت الاستباق بالهجوم على "الكيان الصهيوني"، قلب المشروع الاستعماري في المنطقة، لقلب موازين اللعبة برمتها؟

دولة-أمة في مواجهة قانون القيمة العالمي

لفهم الدور الإيراني، يجب أولاً وضعها في الإطار النظري لـ سمير أمين. النظام العالمي، في تحليله المادي الجذري، هو نظام "تراكم على الصعيد العالمي" تتحكم فيه مراكز الرأسمالية المتطورة (الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب)، بينما تُحكم على الأطراف (دول الجنوب) بدور المزوِّد للمواد الخام والعمالة الرخيصة وسوق الاستهلاك، في عملية منهجية لاستخراج الفائض ونقله إلى المركز. المقاومة الحقيقية، وفق أمين، تكمن في "الانفكاك" – أي الخروج الاختياري والجزئي من هذا النظام الهرمي، وبناء مشروع تنموي مستقل قائم على الذات، ورفض الخضوع لقانون القيمة المعولم.

هنا، تظهر إيران كأحد أبرز النماذج الواقعية لمحاولة "الانفكاك". منذ ثورتها عام 1979، سعت طهران إلى بناء مشروع سياسي-اقتصادي-ثقافي منفصل عن الهيمنة الغربية. لقد رفضت الانصياع للقطبية الأحادية، وطورت قدراتها العسكرية والصناعية والعلمية تحت الحصار، وحاولت تشكيل محور مقاومة يعيد ربط المنطقة حول أولويات "الاستقلال" و"مواجهة التوسع الصهيوني". بمعنى ما، حاولت إيران تحويل نفسها من "طرف" في النظام العالمي إلى "مركز بديل" ناشئ لمنظومة مضادة للهيمنة، وإن على مستوى إقليمي. هذا الانفكاك الجزئي هو الذي جعلها العدو الاستراتيجي الأول للمركز الغربي، لأنه يضرب مثالاً خطيراً: فكرة أن الخروج من التبعية ممكن، بل ويمكن أن ينتج قوة مهابة الجانب.

تشريح الحرب الاستعمارية: المظاهرات والبلطجة وتفكيك الدولة الوطنية

الحرب على إيران ليست تقليدية بمعنى الجيوش الغازية. إنها حرب من النوع الذي يتنبأ به تحليل بنى التبعية: حرب هجينة تستهدف تفكيك الدولة الوطنية من الداخل وإعادة تشكيلها ككيان تابع ضعيف.

1. حرب المظاهرات وعملاء "المركز": استخدام الاحتجاجات الشعبية كأداة لإسقاط الأنظمة المعارضة ليس جديداً. ما يحدث هو تحويل السخط الشعبي الحقيقي (الناجم عن أزمات اقتصادية غالباً ما تكون بفعل العقوبات والحصار) إلى سلاح بواسطة شبكات مخابراتية وعناصر عميلة. هدفها ليس الإصلاح، بل تأكيد تبعية "الطرف" عبر إعادة إنتاج نخبة حاكمة موالية للمركز. إنه استعمار عبر "الإرادة الشعبية" المُصنَّعة.
2. حرب البلطجة العسكرية المباشرة: الاغتيالات (كاغتيال الشهيد قاسم سليماني)، والتخريب (هجمات المنشآت النووية والاقتصادية)، والضربات الجوية (كما في الهجوم على القنصلية الإيرانية في دمشق)، كلها أشكال من "البلطجة الدولية" تهدف إلى إضعاف العزيمة، وفرض تكاليف باهظة على سياسات الانفكاك، وإرسال رسالة مفادها أن أي محاولة للخروج عن الطاعة ستواجه بعنف غير مقيد. الكيان الصهيوني هنا هو الذراع التنفيذي الميداني المتقدم لهذه البلطجة، وهو أداة "المركز" في المنطقة لضرب أي قوة ناشئة.
3. حرب التقسيم الطويل المدى: المخطط الأكثر خطورة هو المذكور في النص: تقسيم المنطقة إلى كانتونات طائفية وإثنية ضعيفة. تركيا (بين أكراد وعلويين وأتراك)، والسعودية، ودول الخليج، كلها مستهدفة في نهاية المطاف. إيران، بحكم موقعها وتكوينها متعدد الإثنيات، هي الهدف الأكبر أيضاً. هذا التقسيم هو التتويج النهائي لمنطق "المركز": تحويل الأطراف إلى كيانات هشة غير قادرة على التكامل أو المقاومة، يسهل نهب ثرواتها والتحكم بمصيرها. الطبيعة "العميلة" (بتعبير النص) لبعض الأنظمة، كالسعودية وتركيا تحت حكم أردوغان، لا تنقذها من هذا المصير؛ بل تجعلها أدوات مرحلية في لعبة التفتيت، سيتم التخلص منها أو إضعافها حين تخدم المصلحة العليا للمركز.

إيران كحاجز.. حدود الحماية وثمن الوصاية

يدعي النص أن إيران "تحمي المنطقة من استهدافات الاحتلال الأمريكي بتقسيم المنطقة". هذا يحتاج إلى تحليل دقيق:

· الجانب الحقيقي: نجحت إيران، عبر محور "المقاومة" (حزب الله في لبنان، والفصائل في العراق واليمن وسوريا)، في رفع كلفة التدخل العسكري الغربي-الصهيوني المباشر في المنطقة. لقد حوّلت احتلال العراق إلى كابوس لأمريكا، وأجبرت الكيان الصهيوني على حساب تكاليف أي مواجهة مع حزب الله، ووفرت درعاً ردعياً لسوريا. هذا أعطى هامشاً من المناورة لبعض القوى الوطنية وعرقلت المخططات التقسيمية السريعة، خاصة مشروع "الشيعي الكردي السني" لتقسيم العراق وسوريا.
· الجانب المثالي/المبالغ فيه: الادعاء بأن إيران وحدها تمنع تقسيم تركيا والسعودية يتجاهل القوى الداخلية والمصالح المعقدة لهذه الدول. كما أنه يغفل حقيقة أن السياسة الإيرانية، بشقها المذهبي والجيوستراتيجي، ساهمت في تعميم الانقسامات الطائفية في بعض البقع، مما وفر ذريعة للمركز وللأنظمة الموالية له لتصوير إيران كخطر وجودي، وبالتالي تعبئة شعوبها ضد "الخطر الفارسي-الشيعي"، وهذا بحد ذاته خدمة غير مباشرة لمشروع التفتيت. بمعنى آخر، بينما تقاوم إيران التقسيم الذي يخطط له المركز، فإن أدواتها وخطابها أحياناً يغذيان هويات فرعية تنافس الهوية الوطنية الجامعة، مما يخلق تعقيدات إضافية.

الاستباق بالهجوم: حلم التحرير أم فخ الدمار؟

ثم يأتي السؤال الأكثر إثارة: هل تبادر إيران بالهجوم على الكيان الصهيوني؟

· حلم التحرير وجاذبيته الاستراتيجية: منطقياً، ضرب "القلب النابض" للمشروع الاستعماري في المنطقة قد يشل فعلاً المخططات الأمريكية-الصهيونية، ويهز عروش الأنظمة العميلة المرتبطة به، ويطلق شرارة تحرر إقليمي. فكرة أن حدود الكيان ليست من النيل إلى الفرات فحسب، بل تمتد إلى الصومال وحدود روسيا (في إشارة لنفوذه عبر القواعد والتحالفات)، تجعل منه عقدة أمنية استعمارية كبرى. تفجيره يعني تفجير المشروع برمته.
· ثمن الكارثة والمخاطر الجسيمة: لكن الاستباق بهجوم شامل غير محسوب هو انتحار إستراتيجي يحوّل إيران من دولة تقاوم إلى دولة تقدم ذريعة ذهبية للمركز لتدميرها. الولايات المتحدة وحلفاؤها ينتظرون هذه الفرصة. سيكون الرد غربياً وعربياً (من الأنظمة العميلة) جامعاً وشاملاً، تحت شعار "الدفاع عن النفس". قد يؤدي إلى تدمير البنى التحتية الإيرانية، وعزلتها الكاملة، ودخول المنطقة في حرب كونية تأكل الأخضر واليابس، وينتهي بها المطاف إلى تقسيم فعلي أفظع تحت غطاء "إعادة الإعمار" و"حفظ السلام" الدولي الذي سيفرضه المنتصر.
· النموذج الأمثل: حرب الاستنزاف الذكية والردع المتوازن: ما تمارسه إيران حالياً هو نموذج أكثر ذكاءً ضمن رؤية أمين للصراع الطويل: تعميق الانفكاك الذاتي (التقدم في التكنولوجيا العسكرية والاقتصاد المقاوم)، وحرب الاستنزاف غير المباشرة عبر حلفائها ضد المصالح الأمريكية والصهيونية، والرد المحدود والحاسم عند تجاوز الخطوط الحمراء (كردها على اغتيال الشهيد سليماني). هذا النموذج يرفع التكلفة على العدو، ويوسع نطاق المقاومة، ويجنب إيران المواجهة المباشرة الكاسحة التي تنتظرها. هو نموذج "الانفكاك المسلح" الذي يهدف إلى تغيير ميزان القوى ببطء، وليس انقلاباً دراماتيكياً يحمل بذور الدمار.

طريق شائك نحو أفق التحرر.. إيران بين مطرقة المركز وسندان التقسيم

إيران، في التحليل النهائي، تقف في مفترق طرق تاريخي. هي ليست "المخلص" الأسطوري الذي يزعم النص، وليست "الشيطان" الذي تصوره أدبيات المركز. إنها دولة-أمة حاولت الانفكاك عن النظام الهرمي العالمي ودفعت ثمناً باهظاً، وورطت نفسها في معارك إقليمية ضخمة لإثبات جدوى مشروعها. طريقها محفوف بالمخاطر:

· من جهة، عليها مواصلة تعميق صمودها الاقتصادي والعسكري (الانفكاك الداخلي).
· ومن جهة أخرى، عليها إعادة صياغة خطابها وسياساتها الإقليمية لتخفيف حدة الانقسامات الهوياتية التي تغذيها أدواتها وأدوات خصومها على السواء، والبحث عن أرضيات مشتركة مع القوى الوطنية في المنطقة (سواء في تركيا أو مع الشعوب العربية) تتجاوز حسابات الطائفة والمذهب، وتلتقي حول هدف التحرر من الهيمنة والتبعية.
· عليها أن تدرك أن معركتها مع "المركز" هي معركة طويلة النفس، وأن الاستعجال بمواجهة كبرى قد يهدم ما بنته على مدى عقود.

الهجوم الاستباقي الكبير هو مغامرة قد تنهي اللعبة، لكن ليس لصالحها. الأجدى هو مواصلة لعبة الشطرنج المعقدة: تقوية الحصون الداخلية، ومد جسور التحالف مع كل المقهورين في "الأطراف"، واستنزاف قوى المركز وحلفائه المحليين حتى يصلوا إلى نقطة الانهيار الداخلي أو القبول بتعديل النظام العالمي. حينها، قد تسقط "إسرائيل" كحجر زاوية في المشروع الاستعماري، ليس بقذيفة واحدة، بل تحت وطأة ثقل تاريخي لم يعد يحتمل. ذلك هو درب الآلام الطويل نحو التحرر، الذي رسمت ملامحه الأولى ثورات العالم الثالث، وفصّله سمير أمين بنظره الثاقب، وتمشي فيه إيران وخطواتها تتردد بين صخب المدافع وصمت المصانع تحت الحصار.

.......

المادة الساخرة :

"الإمبراطورية التي تطل من النافذة: دليل المبتدئين للهيمنة بوجهٍ عصبي وبطاقة ائتمان منتهية الصلاحية"

(المقدمة بتعبير متعب، كمن يروي حكاية قديمة لأطفال لا يصدقونها)

يقولون أن العالم قرية صغيرة، نعم... قرية يديرها عمدة مختل يصرخ طوال اليوم أن حديقته هي الأجمل، بينما سور منزله يتهاوى، وجيرانه يتآمرون على تقسيم أراضي القرية بينما هو مشغول بجمع أشواك وردة ميتة من حوض الزهور. هذا العمدة العجوز (ودعونا نسميه: العم سام)، لديه عقدة مع جار شرقي يدعى العم حسن، يزعم أن العم حسن يزرع نباتات سامة في حديقته (يسميها: "انفكاك")، ويرسل رسائل تهديد لأطفال الحي ليلاً (يسميها: "محور مقاومة"). المشكلة أن العم حسن هذا، بالرغم من صراخ العم سام، لم يغادر بيته قط ليؤذي أحداً، بل يبدو أنه يحفر خندقاً عميقاً حول منزله ويصنع أدوات زراعة غريبة في القبو!

المشهد الأول: حرب المظاهرات.. عندما يدفع "المركز" ثمن شبابيك وكاميرات!

كان هناك مرة، في عالم سمير أمين الوهاج، أن "المركز" كان يستخرج الذهب من "الأطراف" بهدوئه المعتاد. لكن الآن، الوضع أصبح مُحرجاً. لقد اكتشف العم سام وسيلة جديدة للحرب: "المظاهرات"!
الفكرة عبقرية في بساطتها: عندما يغضب الناس في دولة "الطرف" بسبب غلاء الأسعار الناتج عن حصارك أنت عليهم، ترسل لهم من يقول: "أنتم غاضبون! هذا صحيح! ولكن غضبكم هذا ليس بسبب حصاري أنا.. بل بسبب حاكمكم! انظروا، سنقوم بتصوير غضبكم وننشره على ناشيونال جيوغرافيك!" وهكذا، يتحول الغضب المشروع إلى مسرحية هزلية، حيث يعمل "عملاء المركز" كـ"مخرجين مساعدين"، مهمتهم الرئيسية توجيه الحشود نحو زوايا الكاميرا الأفضل، والتأكد من ظهور لافتات باللغة الإنجليزية!
النكتة أن "المركز" ينفق الملايين على هذه المسرحيات، بينما لو رفع الحصار، لانتهى الغضب ولاختفت الحاجة للتلفزيون الواقعي بدرجات حرارة مرتفعة!

المشهد الثاني: البلطجة العسكرية.. أو فن الهمز واللمز بالصواريخ!

ما أروع عصرنا! لقد تطورت البلطجة. لم تعد تقتصر على شابين بملابس رياضية عند بوابة المدرسة. الآن، لدينا بلطجة جوية. الدولة العظمى (أو ما تبقى منها) تشن غارة بطائرة مسيرة تكلف عشرات الملايين على خيمة في الصحراء، لتصيب بائع شاي (يُدعى بطلاً قومياً فيما بعد)! ثم تصدر بياناً: "لقد أوقفنا تهديداً وجودياً لسيادة العم سام!".
والكيان الصهيوني، هذا الطفل المدلل في حارة العم سام، يقوم بلعب دور "المهرج الشرير". يضرب هنا ويهدد هناك، وكأنه يقول للعم حسن: "أنظر، أبي يسمح لي بذلك!"، بينما العم سام نفسه يتظاهر بأنه لا يرى، بينما هو في الحقيقة مشغول بمنع شيك من الارتداد في البنك.

المشهد الثالث: "التقسيم".. عندما تصبح لعبة "المونوبولي" سياسة خارجية!

المخطط الأعظم: تقسيم المنطقة إلى مربعات صغيرة ملونة. الفكرة أن كل مربع سيكره المربع المجاور له، وسيكون مشغولاً بذلك لدرجة أنه لن يلتفت إلى العم سام وهو يحمل طاولة البلياردو من غرفة المعيشة!
المضحك في الأمر أن العملاء المحليين (نسميهم: "أمراء الضباب") يظنون أنهم لاعبون أساسيون في هذه اللعبة. العم أردوغان يحلم بالخلافة على أنقاض اسطنبول وغاز عنتاب فقط. آل سعود وثاني ونهيان يتسابقون على من يشتري أحدث طائرة دون طيار لحماية قصورهم، غير مدركين أن خريطة التقسيم تشمل جعل قصورهم كانتونات مستقلة: "كانتون قصر الأمير نايف"، "كانتون منتجع الشيخ منصور"! إنهم كمن يرقصون بحماس على سطح تايتانيك، ويظنون أنهم في كباريه.

المشهد الرابع: إيران.. الحارس الذي يحرس سوراً عليه صورته!

وتأتي إيران، هذا الكائن الغريب في هذه السيرك. إنها تقف كحارس أمن عند بوابة الحي، تمنع لصوص "المركز" من الدخول، ولكن بطريقتها الخاصة: تصرخ في وجههم بلغة قديمة، وتلوح بأدوات زراعة بدت للبعض كأسلحة فتاكة! هي تمنع تقسيم تركيا بينما الأتراك أنفسهم لا يعرفون ماذا سيفطرون غداً. وتحاول حماية العرب بينما بعض العرب يظنون أنها سبب كل مصائبهم لأن قناتهم التلفزيونية المفضلة أخبرتهم بذلك!
إنها كمن يحاول إصلاح عداد الكهرباء في المنزل بينما الجيران يلقون بالحجارة على النافذة. يصرخ: "انتظروني! سأصلح لكم النظام العالمي بعد أن أنهي توصيل هذا السلك!" بينما الدنيا تحترق من حوله.

المشهد الخامس: الهجوم الاستباقي.. أو كيف تخسر كل شيء في خطوة بطولية واحدة!

ثم يأتي الاقتراح الملحمي: "لماذا لا تهاجم إيران الكيان الصهيوني وتحرر المنطقة مرة واحدة وإلى الأبد؟".
يا إلهي! تخيل الموقف:
العم حسن يخرج من بيته المحصن، يصرخ: "الحرية للجميع!" ويطلق عبوة غاز مسيل للدموع تجاه منزل الطفل المدلل.
في ثانية واحدة:

· العم سام (الذي كان يتظاهر بالإغماء) يقفز وينادي كل أفراد العصابات في القرية.
· أمراء الضباب يخرجون من مخابئهم ويبدأون بالتصفيق للعم سام (نفاقاً للنجاة).
· يتم تدمير بيت العم حسن ومن معه تحت عنوان "مكافحة الإرهاب".
· تُرسم خريطة التقسيم على أنقاض بيته مباشرة، ويتم توزيع أرضه على الجيران.
· تُمنح جائزة نوبل للسلام للعم سام لـ"تحمل عبء استعادة الاستقرار".
النتيجة: تصبح "المقاومة" ذكرى في كتب التاريخ، بينما "التبعية" تصبح سياسة يومية بموافقة جميع الأطراف!

(الخاتمة.. بنبرة من يفك شفرة سرية سخيفة)

إذن، ما الحل في عالم يبدو كمسرحية كوميدية سوداء كتبها مجنون؟
الحكمة تقول: استمر في حفر الخندق، وازرع الخضروات في القبو، وطور أدوات الزراعة الغريبة. لا تخرج للشجار في الساحة، لأن الساحة نفسها مفخخة. دع العم سام ينفق ثروته على تصوير مظاهراتك، بينما أنت تبني منظومة ري بالتنقيط تحت الأرض. دع الطفل المدلل يلقي بالحجارة، فكل حجرة تزيد السور سماكة.
وأخيراً، تذكر دائماً كلمات الحكيم المجهول: "عندما يكون عدوك مشغولاً بإنقاذ بطاقته الائتمانية من الانهيار، ويدير حروبه بواسطة لايكات وتعليقات، ويكتفي بصفير طائرات مسيرة كدليل على قوته... فأنت لا تحتاج لمهاجمته. كل ما تحتاجه هو كرسي، وعذرٌ جيد، ومشاهدة مسرحيته وهو يسقط من فوق منصة رمال بنى عليها إمبراطوريته".
فالانهيار، أيها السادة، لا يأتي بالدبابات دائماً. أحياناً يأتي بورقة بنك مرتدة، وصرخة عمدة مجنون، وضحكة جيران أدركوا أخيراً أن السور الذي كان يخيفهم، كان يحميهم من انهيار منزله هو.

هذه ليست نهاية التاريخ، بل هي بداية مسرحية طويلة.. والتهريج قد يكون أقوى الأسلحة عندما يكون الجدُّ عاجزاً عن إخفاء خوفه.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود ا ...
- أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
- تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
- البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
- اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى ...
- تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا ...
- من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
- سوريا -الجولاني-... الحلقة الأخيرة في مسرحية التقسيم وثمن ال ...
- ترامب يعترف بالجولان وماسك بالاستبدال: مهرجان النفاق الاستعم ...
- مقالات عن الذهب واحتمالات الشيوعية في الغرب و و...
- لماذا تستمر بروكسل في حرب خاسرة؟
- اليمن كقلب العالم الجديد - إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية
- رواية : الرحلة المقطوعة
- في حضرة الضوء: الصين تعيد كتابة قوانين الحوسبة والقوة
- رواية - من طيرة اللوز إلى الراين - أو - ظلال الكرمل -
- نهاية الإمبراطورية الرقمية: كيف خسرت أمريكا سباق الرقائق أما ...
- دراسة أدبية نقدية معمقة لرواية -دمية بعين واحدة- لأحمد صالح ...
- حلب... عندما تَصْفَعُ المدافعُ وجهُ الماضي
- في تشريحِ خُرَافَةِ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ وَتَجْنيدِهَا س ...
- بروكسل في الفجر: فاتورة الوهم على كاهل أوروبا( كتيب)


المزيد.....




- إيران تعلن الحداد ثلاثة أيام على أرواح -ضحايا الاحتجاجات-
- ما مدى مصداقية التهديد بتدخل أمريكي ضد طهران؟
- في جدة.. برشلونة يحتفظ بلقب كأس السوبر الإسباني بنصر ناري عل ...
- قراءة في موقف دول الخليج إزاء التطورات في إيران
- -مسار الأحداث- يناقش مخططات إسرائيل لحسم الصراع في الضفة الغ ...
- استنفار للجيش السوري بعد رصد حشود عسكرية لـ-قسد- شرق حلب
- عودة الحكومة السودانية إلى العمل من العاصمة الخرطوم
- رشيدة طليب: أسعى لإلزام واشنطن بمعاقبة إسرائيل ووقف تسليحها ...
- كوبا ترد على ترامب بعد ضغوطه عليها من أجل إبرام اتفاق
- ما الذي ينتظرنا في حفل جوائز غولدن غلوب الـ 83؟


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - إيران في العاصفة: بين حصار المركز وعبء الأطراف.. معضلة الانفكاك في زمن التقسيم