أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود الأقطاب الجديدة















المزيد.....

شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود الأقطاب الجديدة


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 22:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: إمبراطوريات القرن الحادي والعشرين وأطياف التبعية

في معمعة التحولات الجيوسياسية المتلاطمة، تطفو على السطح مقولات تبدو للوهلة الأولى كتقسيمات جغرافية بسيطة، أو كصراع ثنائي تقليدي بين قوتين عظميين. ولكن، تحت ظاهر هذه الخطابات، ينبض قلب نظام عالمي في حالة احتضار، وتحاول قوى ناشئة وأخرى منهزمة إعادة ترسيم خرائط النفوذ وفق معادلات لم تكتمل بعد. النقاش حول "تقاسم غير معلن" للمجال الحيوي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، أو حول حتمية المواجهة العسكرية المباشرة بين العملاقين الأمريكي والصيني، لا يُفهم إلا عبر الغوص في أعماق البنى الاقتصادية والسياسية التي شكلت النظام العالمي لقرون. هنا، يطل علينا البناء النظري للمفكر الراحل سمير أمين، بمنظوره النقدي الجذري حول "التراكم على الصعيد العالمي" و"المركز والأطراف"، كبوصلة تكشف عن التكوين الطبقي الدولي للهيمنة، وليس فقط عن صراعاتها الظاهرية. فهذا ليس مجرد صراع على حدود، بل هو صراع على نمط الإنتاج نفسه، على آليات استخراج الفائض وقانون القيمة المعمم على مستوى الكوكب.

تُطرح أسئلة مصيرية: هل نشهد فعلاً "تقاسماً إمبراطورياً" جديداً حيث تحتكر الصين محيطها المباشر (بما في ذلك تايوان)، وتسيطر روسيا على مجالها السوفييتي السابق (بما في ذلك أوكرانيا)، وتحتفظ الولايات المتحدة بـ "نصف الكرة الغربي" كحديقة خلفية محصنة، كما جاء في خطاب ترامب؟ أم أن الصراع الحقيقي، الأعمق، هو بين النظام القائم الذي تقوده واشنطن، والمشروع الصيني الصاعد الذي يتحداه في جميع المجالات، مع قدرة الصين على "إيلام" أمريكا باستخدام أدواتها الاقتصادية والعسكرية دون حتمية الاصطدام المباشر؟ وهل يمكن قراءة الأحداث المتسارعة في فنزويلا، وبحر البلطيق، والشرق الأوسط، والقلق الاقتصادي الأمريكي، إلا كفصول متداخلة من هذه المسرحية العالمية الكبرى، حيث تتصارع استراتيجيات "الانفكاك" النسبي (كما دعا إليه أمين) مع آليات "الهيمنة المتفككة"؟

سمير أمين والهندسة الخفية للعالم: من "المركز" إلى تعددية الأقطاب الناشئة

يقدم سمير أمين إطاراً تفسيرياً يختلف عن نظريات الهيمنة التقليدية. فالنظام العالمي، في نظره، ليس مجرد صراع بين دول، بل هو بناء هرمي قائم على "التراكم على الصعيد العالمي". في قمة هذا الهرم يوجد "المركز" الرأسمالي المتقدم، الذي يفرض على "الأطراف" علاقات تبعية هيكلية، تتم من خلالها عملية استنزاف منهجية للفائض الاقتصادي من الأطراف إلى المركز، عبر آليات التجارة غير المتكافئة، والسيطرة على التكنولوجيا، والهيمنة المالية، والديون. هذه العلاقة غير المتكافئة هي ما يحافظ على الثراء في المركز والتخلف النسبي في الأطراف.

ما نشهده اليوم هو أزمة هذا النموذج الأحادي القطب. لم يعد "المركز" كتلة موحدة. لقد أفرز النظام ذاته أقطاباً جديدة داخل "المركز" السابق (الصين، وروسيا بمحدودية) تتحدى هيمنته الأحادية، دون أن تخرج بالضرورة عن منطق الرأسمالية العالمية، لكنها تسعى لإعادة ترتيب موقعها داخل هرميتها. الصين، بتعبير أمين، نجحت في "الانفكاك" الجزئي والذكي، وبناء مركزية جديدة، دون أن تصبح "طرفاً" بالمعنى التقليدي، ولكن أيضاً دون أن تستنسخ النموذج الغربي تماماً. روسيا، من جهتها، تمثل حالة قوة "شبه طرفية" تمتلك موارد جيوسياسية وعسكرية هائلة، وتحاول التحرر من موقعها الطرفي في التسعينيات، والعودة كقوة إقليمية فاعلة ترفض التبعية.

خرائط النفوذ المتخيلة: بين خطاب "التقاسم" وواقع التداخل والصراع

الاقتراح القائل بوجود "تقاسم غير معلن" للمجال الحيوي بين القوى الثلاث هو تبسيط خطير، وإن كان يعكس نزعة داخل كل إمبراطورية نحو إعلاء شأن "المجال الحيوي". الواقع أكثر تعقيداً وتداخلاً:

1. الولايات المتحدة ونصف الكرة الغربي: الهيمنة المترنحة. تصريح ترامب ("لن يتم تحدي الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى") هو تأكيد على عقيدة مونرو المتجددة، لكنه يصدر في لحظة ضعف. الأزمة الفنزويلية هي اختبار حاسم. محاولة واشنطن قلب نظام مادورو، وتعليق يائير لابيد الإسرائيلي الداعي لإيران لمراقبة ذلك، كلها إشارات إلى استخدام "النموذج الفنزويلي" كتهديد للأنظمة المعارضة. لكن فشل هذه المحاولة حتى الآن، وتعيين ديلسي رودريغيز الموالية لمادورو، والتحذير الكولومبي اللاذع من "عصابة المتحرشين" الذين يهددون الجارة طمعاً في نفطها، يكشف عن تصدع في الهيمنة الأمريكية التقليدية. الدور الصيني والروسي في دعم مادورو مالياً ودبلوماسياً خلق تكافؤاً إستراتيجياً جعل من "الحديقة الخلفية" ساحة مواجهة متعددة الأقطاب، مما ينقض فكرة الاحتكار الأمريكي البسيط.
2. روسيا وأوروبا الشرقية: الدفاع عن الخطوط الحمراء. لا تسيطر روسيا على "أوروبا الشرقية"، بل تسعى جاهدة للحفاظ على نفوذها في الفضاء السوفييتي السابق، وخاصة أوكرانيا وبيلاروسيا، التي تراها خط دفاع أول وجودي ضد توسع الناتو. الأزمة الأوكرانية هي محاولة روسية يائسة لإعادة ترسيم الحدود التي انهارت مع الاتحاد السوفييتي، وفرض اعتراف بمنطقة نفوذ. التصعيد في بحر البلطيق، مع حادثة تفتيش السفينة الروسية "فيتبورغ" من قبل فنلندا، هو جزء من هذا الصراع الحدودي على التخوم الأوروبية-الروسية. روسيا لا "تختار" ما حولها بسهولة، بل تخوض معركة دفاعية شرسة ومكلفة لمنع تطويقها الكامل.
3. الصين ومحيطها: بين الإدماج السلمي والتهديد بالردع. الصين لا "تحتكر" محيطها بالمعنى العسكري الخام، بل تسعى إلى إدماجه اقتصادياً وسياسياً عبر مبادرات مثل "الحزام والطريق". تايوان تمثل الخط الأحمر الأعلى بالنسبة لبكين، وهي مستعدة لاستخدام كل الأدوات، بما في ذلك القوة العسكرية، لمنع انفصالها. لكن المقارنة بين موقف الصين اليوم وموقف ستالين عام 1941 مغالطة تاريخية. الصين اليوم ليست الاتحاد السوفييتي المعزول آنذاك. هي قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية كبرى متشابكة مع العالم. قرار الحرب أو السلم مع الولايات المتحدة لن يكون رد فعل على "استفزاز" عسكري صغير، بل سيكون حساباً إستراتيجياً دقيقاً لمصلحتها القومية العليا. الصين تمتلك بالفعل قدرات عسكرية واقتصادية (مثل احتياطياتها الهائلة من سندات الخزانة الأمريكية، وسيطرتها على سلاسل التوريد الحيوية) يمكن أن "توجع" واشنطن بعمق دون إطلاق رصاصة واحدة، عبر حرب اقتصادية وتكنولوجية طويلة النفس. خطر تكرار "خطأ ستالين" ضئيل في عقلية القيادة الصينية الحذرة والحسابية.

الاقتصاد كساحة المعركة الحاسمة: قراءة في مؤشرات الانهيار الأمريكي

هنا يقدم التحليل الاقتصادي المرفق في النص الأدلة الأكثر إلحاحاً على تحول بُنى القوة. ليست التصريحات السياسية أو المناورات العسكرية هي العلامة الفارقة، بل "نزيف الثقة" في قلب النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
الرسوم البيانية المشار إليها (أسعار الفائدة، وعجز الميزانية، والتيسير الكمي) ترسم صورة مقلقة:

· انفصال أسعار الفائدة: ارتفاع العائد على السندات الأمريكية طويلة الأجل (10 سنوات، 5 سنوات) رغم تخفيضات الفيدرالي، هو صفارة إنذار. إنه يشير إلى أن المستثمرين العالميين يطالبون بعلاوة مخاطرة أعلى لتمويل الدين الأمريكي المتضخم. الثقة العمياء بالدولار وأدوات الدين الأمريكية تتآكل.
· مأزق المديونية: الدين الهائل للحكومة والشركات والأسر الأمريكية أصبح عبئاً لا يُطاق مع ارتفاع تكلفة خدمته. الاقتصاد الأمريكي يتحول إلى آلة لخدمة الديون، مما يخنق الاستثمار الإنتاجي ويقربه من شفا أزمة مالية.
· العودة اليائسة للمطبعة: طباعة أكثر من 104 مليار دولار غير مدعومة في فترة وجيزة هو اعتراف ضمني بالفشل في جذب رأس المال الأجنبي بالشكل الكافي، وهو سلوك يذكرنا بأسوأ ممارسات الاقتصادات "الطرفية" التي ينتقدها أمين. إنه يغذي مخاطر التضخم الجامح ويهدد مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية.

هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل هي تعبير عن أزمة هيكلية في نمط التراكم الرأسمالي الأمريكي. إنها تجسد تناقض المركز ذاته. ترامب، بخطابه الجيوسياسي العدواني والمتقلب، يسرع من هذه العملية. فالحروب التجارية، والعقوبات الأحادية، والتهديدات العسكرية، تزيد من حالة عدم اليقين العالمي، وتدفع الدول (بما فيها الحلفاء) إلى البحث عن بدائل للدولار وللحماية الأمريكية. الجنون الجيوسياسي، كما يُوصف، هو محاولة لتعويض الضعف الاقتصادي المتزايد بقوة عسكرية وصخب سياسي، وهي معادلة غير مستدامة.

المشاهد الجيوسياسية: فنزويلا، البلطيق، إيران - حروب بالوكالة واختبارات للحدود

الأحداث المبعثرة على الخريطة تكتسب معنى في هذا الإطار:

· فنزويلا: ليست مجرد صراع على النفط، بل هي جبهة في حرب النظامين. نجاح أو فشل واشنطن في إسقاط نظام معادٍ مدعوم من موسكو وبكين سيرسل رسالة إلى كل الأنظمة التي تتحدى الهيمنة الغربية. الدعم الصيني والروسي هو استثمار في إضعاف المبدأ الأمريكي القائل بتغيير الأنظمة، وحماية استثماراتهما، وإثبات أن العالم متعدد الأقطاب قادم.
· بحر البلطيق: استيلاء فنلندا على السفينة الروسية هو علامة على تصلب الجبهة الأوروبية وتصعيد التحدي للنشاط الروسي. إنه يؤكد أن أوروبا الشرقية وبحر البلطيق لن تكون منطقة نفوذ روسي خالصة، بل ساحة احتكاك دائمة، مما ينفي فكرة "التقاسم" السلمي.
· التهديد الإسرائيلي بشن عملية في إيران: يأتي في سياق تطبيع فكرة الضربات العسكرية الأحادية. إذا نجحت واشنطن في فنزويلا (وهو أمر غير مؤكد)، فقد تشجع ذلك حلفاءها على تصعيد التحدي العسكري المباشر لأعدائهم، مما يزيد من تفجير المنطقة وإشعال حروب بالوكالة، ويكشف عن عجز القطب الأمريكي عن فرض إرادته بمفرده.

الخلاصة: نحو عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية: صراعات مركبة وانفكاكات متعددة

خلاصة القول، لا يمكن اختزال الوضع العالمي الحالي إلى "تقاسم إمبراطوري" واضح المعالم، ولا إلى مواجهة ثنائية بسيطة بين الصين والولايات المتحدة. ما نراه هو:

1. تفكك الهيمنة الأحادية: الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها كمحور وحيد للنظام العالمي، اقتصادياً أو عسكرياً. إنها تواجه تحديات متزامنة في جبهات متعددة، وأداتها المالية الأساسية (الدولار) تتعرض للتآكل.
2. صعود أقطاب ناقضة للنظام: الصين وروسيا تمثلان، بدرجات متفاوتة، قوى تناقض منطق المركز التقليدي. الصين تقدم نموذجاً بديلاً للتنمية والسلطة، وروسيا تعطل المشروع الغربي للتوسع الجيوسياسي. لكنهما لا تشكلان تحالفاً متماسكاً ولا تقدمان نموذجاً منسجماً لما بعد الرأسمالية.
3. صراع مركب على إعادة الهيكلة: الصراع يدور على عدة مستويات: عسكري (أوكرانيا، تايوان، الشرق الأوسط)، اقتصادي (التكنولوجيا، سلاسل التوريد، العملة)، وجيوسياسي (النفوذ الإقليمي). هذه المستويات متداخلة، وأحياناً يخضع أحدها للآخر.
4. خطر الانهيار المفاجئ: الوضع الاقتصادي الأمريكي الهش، كما كشفت المؤشرات، هو العامل الأكثر خطورة. قد يدفع أي صدمة كبرى، أو حتى استمرار الاتجاهات الحالية، النظام المالي العالمي إلى أزمة تضخمية أو انكماشية هائلة، قد تلجأ معها القوى العظمى إلى مغامرات خارجية لصرف الانتباه، مكررة أخطاء الماضي بأسلحة أكثر فتكاً.

العالم لا يتجه نحو تقسيم أنيق، بل نحو فوضى استراتيجية متعددة الأقطاب، حيث تتصارع مشاريع هيمنة قديمة ومشاريع هيمنة ناشئة، وتتقاطع مع محاولات "انفكاك" الدول الصغيرة والمتوسطة. في هذا المشهد، تكتسي نصيحة تحويل المدخرات إلى أصول حقيقية مثل الذهب بمعنى رمزي عميق: إنها دعوة للبحث عن ملاذ من عاصفة نظام نقدي عالمي في أزمة، وهو النظام الذي كان حجر الزاوية في هيمنة "المركز" الذي حذر منه سمير أمين طوال حياته. الانهيار ليس حتمياً، لكن التحول المؤلم بات واقعاً نعيش فصوله الأولى، حيث تتهاوى اليقينيات القديمة قبل أن تتشكل معالم النظام الجديد.

........

الإمبراطورية المُتهالكة وأحلام التفكك: كوميديا الجيوسياسة في زمن الانهيار

(المقدمة بصوت معلّق سباقات الخيل المُنهَك)

سيداتي سادتي! حيُّوا معي المتسابقين في سباق القرن العشرين - الحادي والعشرين! في الممر الأزرق، نرى العملاق العجوز "العم سام"، الذي ما زال يرتدي زي راعي البقر، لكنه ينسى أين وضع مسدسيه! يركض حاملاً شيكات بيضاء ووعوداً بالتدمير الشامل لأي عدو يجرؤ على النظر في اتجاه حديقته الخلفية!

وفي الممر الأحمر، المتسابق "الدب فلاديمير"، الذي استيقظ من سبات طويل ليجد أن عرينه تقلص، فأصبح يركض في كل اتجاه ليعيد رسم الحدود بأسنانه!

أما في الممر الذهبي، فلدينا "التنين الصيني"، الذي يمشي ببطء شديد، محملاً بكل صناديق العالم، مبتسماً ابتسامة غامضة، وكأنه يعرف أن خط النهاية قد يكون نقطة البداية!

المشهد الأول: نظرية المؤامرة - الطبعة المصوّرة للأطفال!

يقول لنا المفكر العظيم سمير أمين - رحمه الله - إن العالم مقسَّم بين "مركز" ظالم و"أطراف" مُستَغَلَّة. ما لم يخبرنا به هو أن هذا "المركز" يشبه الآن عجوزاً يجلس على كرسي هزاز، يصرخ في الجيران:
"أنا المسيطر! أنا السيد!"
بينما هو في الحقيقة يبحث عن نظارته المفقودة، ويحاول أن يمنع القطط من سرقة طعامه!

المشهد الثاني: مسرحية التقسيم - عندما يلهو الأطفال بالخريطة!

"التقاسم غير المعلن" الذي يتحدثون عنه يشبه لعبة الأطفال:

· الصين: "هذه تايوان لي!"
· روسيا: "هذه أوكرانيا لي!"
· أمريكا: "هذا نصف الكرة الغربي لي... ولا أحد يطلع على صندوق الدين!"

لكن الحقيقة الأكثر إضحاكاً: لا أحد منهم يسيطر فعلياً على ما يقول إنه له! تايوان تصنع 90% من إلكترونيات العالم، وأوكرانيا تدمّر دبابات روسيا بالدرونز، وأمريكا الجنوبية تشتري من الصين وتتحدى أمريكا يومياً!

المشهد الثالث: التهديدات المتبادلة - كلام فارغ في مكبرات الصوت!

الصين تهدد أمريكا: "لدينا صواريخ!"
أمريكا تهدد الصين: "لدينا حاملات طائرات!"
روسيا تهدد الجميع: "لدينا غاز!"
والنتيجة؟ الجميع يتاجر مع الجميع! الصين تشتري نفطاً من روسيا، وروسيا تشتري إلكترونيات من تايوان، وأمريكا تشتري كل شيء من الصين!

إنها مثل عراك في سوق الخضار:
"سأكسر رأسك!"...
"سأحرق دكانك!"...
"تفضل، خذ كيلو الطماطم بخصم 10%!"

المشهد الرابع: الاقتصاد الأمريكي - فقاعة الصابون العملاقة!

أما مشهد "الاقتصاد الأمريكي على حافة الانهيار" فهو الكوميديا السوداء بامتياز!

تخيلوا معي:
الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) يشبه ساحراً فاشلاً في سيرك:

· هو يريد خفض الفائدة (ليقلل ديون أمريكا)
· لكن الفائدة ترتفع! (كأنها تقول له: "لا نثق بك!")
· فيطبع أموالاً (104 مليار دولار في شهر!)
· وكأنه يحاول إطفاء حريق ببنزين!

والنتيجة؟ الدولار يشبه الآن عملة "مونوبولي"! الجميع يعرف أنها ورق ملون، لكنهم مجبرون على اللعب بها!

المشهد الخامس: التحالفات - رقصة الكراسي الموسيقية!

· تركيا: تدق على كل الأبواب! حلف الناتو؟ نعم! روسيا؟ نعم! الصين؟ لماذا لا!
· أوروبا: تخاف من روسيا، تغضب على أمريكا، وتتاجر مع الصين!
· الدول العربية: تشتري السلاح من أمريكا، والنفط تبيعه للصين، والأمن تطلبه من روسيا!

الجميع يغني لحن "مصالحنا الوطنية" لكن النوتة واحدة: "انقذوا جيوبنا!"

المشهد السادس: فنزويلا - المختبر الذي فشلت فيه التجربة!

المشهد الأكثر طرافة: أمريكا تحاول إسقاط نظام مادورو، فتجد:

· الصين تدعمه مالياً
· روسيا ترسل له مستشارين عسكريين
· حتى جارته كولومبيا تنتقد أمريكا!

والخلاصة: أمريكا التي تقول "لا تتحدوني في نصف الكرة الغربي" تجد أن نصف الكرة الغربي كله يتحدى سياستها!

(الخاتنة بصوت المهرج الحزين)

سيداتي سادتي، ما نراه اليوم ليس صراع حضارات، ولا تصادم إمبراطوريات!

ما نراه هو:

· عجوز يعاني من الخرف الإمبراطوري (أمريكا)
· دب مصاب بجنون العظمة (روسيا)
· وتنين يعاني من عسر الهضم بسبب التهامه لكل شيء (الصين)

وكل منهم يحاول إقناعنا:

· "أنني الأقوى!"
· "أنني الأذكى!"
· "أنني صاحب المشروع الحضاري!"

بينما الحقيقة البسيطة هي:
الجميع يعاني من نفس المرض: "جنون القوة" في زمن الانهيار!

النصيحة الذهبية التي ختم بها المقال الأصلي: "حوّل مدخراتك الدولارية إلى ذهب"...
لكن حتى هذه النصيحة أصبحت مضحكة!
فالذهب مخزن في أمريكا، وتصدره الصين، وتتاجر به روسيا!

ربما الحل الوحيد هو أن نشتري بطيخاً ونجلس نشاهد المسرحية!
فكما قال الممثل الكوميدي العظيم: "العالم مسرح، لكن الأدوار كلها صارت هزلية!"

المفارقة الأخيرة: سمير أمين كان يعتقد أن "المركز" يستغل "الأطراف"...
لكن ما نراه اليوم أن "المركز" نفسه أصبح ضحية لهذا النظام!
أمريكا تطبع الدولارات لتأكل نفسها!
روسيا تبيع السلاح لتموّل حروبها!
الصين تنتج السلع لتغرق في بحر من الديون!

الخلاصة: الكوميديا الجيوسياسية وصلت إلى ذروتها...
والسؤال الآن: من سيكون أول من يقع من على المسرح؟
ومن سيكون الجمهور الذي يصفق للكارثة؟

فقط تذكروا: عندما ترى إمبراطورية تهدد العالم بينما اقتصادها ينزف...
وعندما ترى قوة عظمى تطبع الأموال كأنها أوراق تواليت...
وعندما ترى الجميع يتوعد بالحرب والجميع يتاجر مع عدوه...
اعلم أنك تشاهد أعظم مسرحية هزلية في التاريخ!

والعبرة: في زمن الانهيار، لا تصدقوا خطاب القوة... بل تتبعوا رائحة اليأس!



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أعاصير المركز: كيف تهز روسيا عرش العالم القديم؟..كتيب
- تشريح لحظة الانهيار النظامي الأمريكي ..من غزة إلى فنزويلا
- البلطجة الاستعمارية الحديثة: العودة الوحشية للقرصنة السياسية
- اليمن: عُقَد الجبال المُتفجِّرة.. حين تتحوَّل التحالفات إلى ...
- تقلّب موازين القوّة: الحروب الجديدة والأسلحة الكاسرة ومصير ا ...
- من الكساد إلى الدمار: دورة لا تنتهي
- سوريا -الجولاني-... الحلقة الأخيرة في مسرحية التقسيم وثمن ال ...
- ترامب يعترف بالجولان وماسك بالاستبدال: مهرجان النفاق الاستعم ...
- مقالات عن الذهب واحتمالات الشيوعية في الغرب و و...
- لماذا تستمر بروكسل في حرب خاسرة؟
- اليمن كقلب العالم الجديد - إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية
- رواية : الرحلة المقطوعة
- في حضرة الضوء: الصين تعيد كتابة قوانين الحوسبة والقوة
- رواية - من طيرة اللوز إلى الراين - أو - ظلال الكرمل -
- نهاية الإمبراطورية الرقمية: كيف خسرت أمريكا سباق الرقائق أما ...
- دراسة أدبية نقدية معمقة لرواية -دمية بعين واحدة- لأحمد صالح ...
- حلب... عندما تَصْفَعُ المدافعُ وجهُ الماضي
- في تشريحِ خُرَافَةِ مُعَادَاةِ السَّامِيَّةِ وَتَجْنيدِهَا س ...
- بروكسل في الفجر: فاتورة الوهم على كاهل أوروبا( كتيب)
- كبت الرمال: تناقضات التقوى في محميات الخليج


المزيد.....




- إيران تعلن الحداد ثلاثة أيام على أرواح -ضحايا الاحتجاجات-
- ما مدى مصداقية التهديد بتدخل أمريكي ضد طهران؟
- في جدة.. برشلونة يحتفظ بلقب كأس السوبر الإسباني بنصر ناري عل ...
- قراءة في موقف دول الخليج إزاء التطورات في إيران
- -مسار الأحداث- يناقش مخططات إسرائيل لحسم الصراع في الضفة الغ ...
- استنفار للجيش السوري بعد رصد حشود عسكرية لـ-قسد- شرق حلب
- عودة الحكومة السودانية إلى العمل من العاصمة الخرطوم
- رشيدة طليب: أسعى لإلزام واشنطن بمعاقبة إسرائيل ووقف تسليحها ...
- كوبا ترد على ترامب بعد ضغوطه عليها من أجل إبرام اتفاق
- ما الذي ينتظرنا في حفل جوائز غولدن غلوب الـ 83؟


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - شرايين الهيمنة ونزيفها: قراءة في تشظي النظام العالمي وصعود الأقطاب الجديدة