أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث














المزيد.....

هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 17:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن اختيار هيبت الحلبوسي لرئاسة البرلمان حدثاً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه، بل كان استعادة فاقعة لأشد درجات الأمية السياسية التي حكمت العراق منذ عام 2003. فالرجل لم يأتِ بوصفه مشروع دولة، ولا بوصفه صاحب رؤية أو خبرة، بل بوصفه بنداً صغيراً في صفقة تبادل مصالح بين القوى الطائفية التي تتقاسم مؤسسات البلاد كما لو أنها غنائم حرب. وهكذا، يجد العراقيون أنفسهم أمام مشهد يتكرر بوجوه مختلفة، لكنه يحمل العطب البنيوي ذاته: دولة تُدار بمنطق الحصص، لا بمنطق المؤسسات.
هيبت الحلبوسي، القريب من رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، لم يُقدَّم للعراقيين بوصفه شخصية عامة تمتلك مشروعاً، بل بوصفه “معادلاً طائفياً” يكمل لوحة التوازنات التي تصنعها الأحزاب الحاكمة. هذا الصعود لا يعكس إرادة ناخبين، بل إرادة منظومة. منظومة لا تسمح بظهور رجل دولة، بل تسمح بظهور موظف طائفي يؤدي الدور المطلوب منه ثم يغادر.
ولعلّ المثال الأوضح على طبيعة هذا التفكير هو اقتراح الحلبوسي، حين كان رئيساً للجنة النفط والغاز، أن تبيع الحكومة كبونات نفط للمواطنين لسحب الكتلة النقدية من المنازل. هذا الاقتراح لا يعكس رؤية اقتصادية، بل يكشف أمية سياسية وثقافية تتعامل مع الدولة كدكان، ومع المواطن كزبون، في بلد يرفض فيه الناس إيداع مدخراتهم في البنوك لانعدام الثقة بمفهوم الدولة نفسه. فالدولة التي لا يثق بها مواطنوها لا يمكن أن تُدار بكبونات، بل تحتاج إلى إعادة بناء ثقة، وهذا آخر ما تفكر به الطبقة الحاكمة.
الحلبوسي الجديد ليس أسوأ ما في المشهد، لكنه واحد من سلسلة وجوه تُستدعى لإكمال مشهد التمثيل الطائفي الذي سحق مفهوم “العراقية”. فحتى أبناء الأنبار الذين يُفترض أنه يمثلهم لا يترقبون منه أملاً، لأنه ببساطة أضعف بكثير من أن يفتح ملفاتهم الأكثر إيلاماً. ملف المغيّبين قسراً، على سبيل المثال، ليس ملفاً سياسياً فقط، بل جرحاً مفتوحاً وصفه تقرير للصليب الأحمر الدولي بأنه “جرح لا يندمل”. ومع ذلك، تستمر العائلات في رفع صور أبنائها وسط صمت رسمي وتغييب متعمّد، لأن فتح هذا الملف يعني مواجهة القوى التي تتحكم به، وهي قوى لا يجرؤ رئيس برلمان على الاقتراب منها.
الأمر ذاته ينطبق على ملف جرف الصخر، حيث يعيش الآلاف من الأهالي في مخيمات تفتقر لأبسط الشروط الإنسانية، بينما أراضيهم مستولى عليها من قبل ميليشيات نافذة. هل يستطيع رئيس البرلمان الجديد الاقتراب من هذا الملف؟ العراقيون يعرفون الجواب قبل أن يُطرح السؤال. ففتح هذه الملفات يتطلب سلطة دولة، لا سلطة منصب، والدولة في العراق اليوم ليست في يد البرلمان.
السؤال الذي يهرب منه الجميع هو: لماذا لا يتغيّر شيء في العراق رغم تغيّر الوجوه؟ الجواب بسيط ومؤلم: لأن الوجوه تتغيّر داخل بنية ثابتة، بنية صُمّمت لتعيد إنتاج الفشل نفسه. فلا رئيس برلمان يستطيع أن يفتح ملفاً حقيقياً، ولا حكومة تستطيع أن تواجه الميليشيات، ولا قضاء يستطيع أن يفرض سلطته. كل شيء يتحرك داخل دائرة مغلقة، وكل تغيير هو إعادة تدوير للقديم بوجوه جديدة.
البرلمان نفسه لم يعد سلطة تشريعية، بل أصبح غرفة تسجيل لقرارات تُصنع خارج جدرانه. ولهذا، فإن تغيير رئيس البرلمان لا يغيّر وظيفة البرلمان، ولا يغيّر طبيعة القوى التي تتحكم به. هيبت الحلبوسي، مثل غيره، يدخل مؤسسة مشلولة، لا تملك القدرة على التشريع ولا الرقابة، بل تملك فقط القدرة على منح الشرعية لقرارات الآخرين.
بهذه القراءة، يصبح اختيار هيبت الحلبوسي ليس حلاً لأي معضلة في عراق الغد، بل تتمّة طبيعية لمشهد سياسي رثّ يتكرر بوجوه مختلفة ويقود إلى النتائج ذاتها. فالعراق لا يحتاج إلى معادلات طائفية جديدة، بل إلى دولة. ودولة كهذه لا تُبنى بصفقات، ولا تُدار بكبونات، ولا تُختزل في توازنات طائفية، بل تُبنى بإرادة سياسية غائبة منذ عقدين.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سينجح رئيس البرلمان الجديد؟ بل: هل يمكن أن ينجح أي رئيس في نظام صُمّم ليمنع النجاح؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح، وهذا هو السؤال الذي يهرب منه الجميع.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصدقائي الموتى في رأس العام
- العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه
- صندوق أكاذيب البصرة
- مكابرة دنزل واشنطن على السنين والثراء
- من يملك الإعلام العراقي؟ الجواب سهل!
- الملهم غوارديولا.. أخلاقي عندما يتعلق الأمر بفلسطين
- إحسان الإمام يعيد نبض القلوب
- عفيفة إسكندر وشهد الراوي
- المعادل الطائفي في العراق
- الحقيقة المؤجلة عند الشريان وقطيش
- زمن النسيان العام
- باب انتخابي دوّار لا يفضي إلى وطن
- المستقبلية في ألحان كاظم الساهر
- بغداد تتفوق على برافدا في الخيال السياسي
- تونس مختبر الذاكرة
- أينتصر القلم على محفظة النقود؟
- دوخي المفقود في تقاسيم الصبا


المزيد.....




- ترامب: 30 مليون برميل نفط في طريقها إلينا وبدء مسار استعادة ...
- الجيش يحكم سيطرته على الأشرفية ويواصل عملياته في -الشيخ مقصو ...
- كاراكاس تبحث توسيع علاقاتها مع واشنطن وترامب يركز على النفط ...
- كيف تنقل السلطات الأميركية مادورو بين السجن والمحكمة؟
- مصدر عسكري سوري: ضباط الأسد يقاتلون إلى جانب الأكراد في حلب ...
- ترامب: شركاتنا ستجني ثروة عظيمة من فنزويلا
- الجيش السوري يعلن بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بحلب
- ترامب يدعو الصين وروسيا لشراء -كل ما تحتاجانه من النفط- من أ ...
- ترامب عن غرينلاند: -أود إبرام صفقة بالطريقة السهلة وإن لم تت ...
- العاصفة -غوريتي- تودي بحياة أكثر من 10 أشخاص وتربك الحياة ال ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - هيبت الحلبوسي ليس حلا.. بل تتمّة للمشهد الرث