أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي















المزيد.....

بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 16:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ومحاولة إخراجه قسرًا من المشهد السياسي، نصاً خارجاً عن السياق الاستراتيجي الذي يحدد سلوك الولايات المتحدة في مجابهة التحديات المتزايدة عالمياً؛ نتيجة إصرارها على الانفراد بقيادة النظام الدولي، بل جاء ليشكّل تعبيراً مكثفاً عن سعي أميركي للتكيف مع هذه التحديات، والتعامل الواقعي مع بعضها على المسرح الدولي، والتشدد في التعامل مع بعضها الآخر، من خلال إعادة فرض منطق الهيمنة في أميركا اللاتينية مثلاً، وإحياء "مبدأ مونرو" بصيغة جديدة، يكون النفط في قلبه أداةً للضبط والسيطرة لا مجرد مورد اقتصادي.
فالدولة التي تجلس فوق أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يتجاوز 300 مليار برميل، لا يمكن أن تُترك خارج معادلات إعادة ضبط سوق الطاقة العالمي، ولا أن يُنظر إلى قيادتها السياسية باعتبارها شأنًا سياديًا خالصًا. إذ بات واضحًا منذ لحظة الإعداد لغزو فنزويلا، أن ما يجري في كاراكاس لا يتعلق بالديمقراطية أو الشرعية أو بتجارة المخدرات، بقدر ما يتعلق بالتحكم في توقيت تدفق النفط: تعطيله حينًا، وإتاحته حينًا آخر، وفق إيقاع تحدده الحاجة الاستراتيجية الأميركية للسوق، لا إرادة الدول المالكة له.
فهذا الحدث "الفضيحة" يفتح الباب لفهم أعمق للتحولات العضوية التي يشهدها النظام النفطي العالمي، وهي تحولات لا يمكن اختزالها في تقلبات الأسعار أو في خلافات "أوبك" التقليدية، بل ينبغي قراءتها بوصفها إعادة توزيع طويلة الأمد لمصادر القوة في الاقتصاد السياسي للطاقة. ففي الوقت الذي لا تزال فيه السعودية تحتفظ بمكانتها كأحد أكبر المنتجين عالميًا، وبأقل كلفة استخراج تقريبًا، بدأت عناصر القوة غير المرئية التي منحتها تفرداً استثنائياً منذ سبعينيات القرن الماضي بالتآكل التدريجي؛ لا بسبب نضوب النفط، بل نتيجة انتقال مركز الثقل النفطي من الخليج إلى الفضاء الأميركي-اللاتيني، حيث تعمل واشنطن بهدوء، وبأدوات متعددة، على بناء حزام نفطي جديد يعيد صياغة قواعد اللعبة في السوق العالمية.
فالقوة السعودية النفطية تاريخياً لم تكن نابعة فقط من حجم احتياطياتها المقدّرة بنحو 267 مليار برميل، ولا من قدرتها الإنتاجية التي تتراوح بين 9 و10 ملايين برميل يومياً، بل من امتلاكها ما يمكن تسميته بـ "الوظيفة النفطية"، أي القدرة على لعب دور المنتج المرجّح الذي يضبط إيقاع السوق صعوداً وهبوطاً، ويمنح السياسة الأميركية هامش مناورة عالمياً دون تدخل مباشر. هذه الوظيفة بالتحديد هي التي جعلت النفط السعودي أصلاً استراتيجياً لا مجرد سلعة، وهي نفسها التي بدأت اليوم تفقد فرادتها في ظل تعدد مصادر النفط "الآمن" سياسياً.
وفي قلب هذا التحول يبرز الصعود الصاروخي لنفط "غويانا"؛ الدولة الصغيرة على الساحل الشمالي لأميركا الجنوبية، والتي تحولت خلال أقل من عقد من بلد خارج الخريطة النفطية إلى واحد من أسرع المنتجين نمواً في العالم. فبفضل اكتشافات ضخمة تقودها شركة ExxonMobil، تجاوز الإنتاج الغوياني مئات الآلاف من البراميل يومياً، مع خطط مؤكدة لبلوغ ما بين 1.2 و1.7 مليون برميل يومياً قبل نهاية العقد الحالي. والأهم من حجم الإنتاج هو نوعيته، حيث يعد نفطاً خفيفاً ومنخفض الكبريت، فضلاً عن انخفاض تكلفته الإنتاجية وسهولة تكريره، ويصل إلى السوق الأميركية والأوروبية دون عوائق سياسية أو أمنية. هذا النفط لا ينافس النفط السعودي من حيث الكم فقط، بل من حيث الوظيفة؛ لأنه يدخل السوق كـ "برميل مريح"، بلا شروط سياسية ولا حسابات جيوسياسية معقدة.
وفي المقابل، تؤدي فنزويلا دوراً مختلفاً لكنه لا يقل أهمية؛ فهي لا تمثل بديلاً فورياً للسعودية في السوق، نظراً لانخفاض إنتاجها الحالي نتيجة تدهور البنية التحتية والعقوبات، لكنها تشكل أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وهو احتياطي لا يمكن التعامل معه بوصفه "معطّلاً بنيوياً". فالعقوبات المفروضة على النفط الفنزويلي أثبتت أنها أداة ضبط سياسية مرنة، تُشدد أو تُخفف وفق حاجة السوق الأميركية، مما يجعل فنزويلا مخزوناً استراتيجياً مؤجّلاً، يمكن استدعاؤه عند الضرورة لكبح الأسعار أو تعويض نقص مفاجئ في الإمدادات العالمية. وفي هذا السياق، يصبح الضغط على القيادة السياسية الفنزويلية، وصولاً إلى اختطاف رأس الدولة أو عزله، جزءاً من إدارة هذا المورد لا حدثاً منفصلاً عنه.
فعند جمع نفط غويانا "الجاهز" مع نفط فنزويلا "المؤجّل"، تتضح معالم استراتيجية أميركية أوسع تقوم على الفصل بين إنتاج فوري منخفض المخاطر، واحتياطي ضخم خاضع للإدارة السياسية. وإلى جانب النفط الصخري الأميركي الذي يدور إنتاجه حول 13 مليون برميل يومياً، والنفط الكندي والمكسيكي، يتشكل حزام نفطي متكامل يخضع بدرجات متفاوتة للقرار الأميركي، ويقلل من الاعتماد التاريخي على نفط الخليج.
هنا تحديداً تبدأ معضلة السعودية، لا لأن نفطها لم يعد مطلوباً، بل لأن تفردها الوظيفي يتآكل. فكل برميل نفط خفيف ومنخفض الكلفة يدخل السوق من غويانا يقلل من الحاجة إلى المرونة السعودية، وكل تعديل في سياسة العقوبات على فنزويلا يبعث برسالة مفادها أن ضبط السوق لم يعد حكراً على "أوبك". ومع اتساع هذا الهامش الأميركي، تتحول السعودية تدريجياً من لاعب لا غنى عنه إلى لاعب كبير ضمن منظومة أكثر ازدحاماً، وهو تحول نوعي في ميزان القوة لا ينعكس فوراً في الأرقام، لكنه يتراكم سياسياً واستراتيجياً.
ان الأثر الأعمق لهذا التحول يظهر في إعادة تعريف العلاقة بين الطاقة والسياسة. فالسعودية بنت جزءاً أساسياً من ثقلها الدولي على حقيقة أن استقرار السوق يمر عبرها، وأن أي اضطراب في إنتاجها ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. أما اليوم، فإن تعدد مصادر النفط "الآمن سياسياً" يقلل من حساسية السوق تجاه القرار السعودي، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على امتصاص الصدمات دون الحاجة إلى تقديم تنازلات سياسية كبرى.
غير ان ذلك لا يعني أن السعودية مقبلة على تراجع اقتصادي أو فقدان لعائداتها النفطية، بل يعني أن النفط ذاته يتحول من مصدر قوة احتكارية إلى مورد ضمن سوق مُدارة من مركز واحد. فالتحكم بإيقاع السوق لم يعد مرهوناً بدولة واحدة، بل بشبكة إنتاج مرنة تمتد من خليج المكسيك إلى الكاريبي وأميركا الجنوبية، وتُدار سياسياً قبل أن تُدار اقتصادياً.
وفي هذا السياق، يصبح النفط السعودي أقل قدرة على أداء دور السلاح السياسي، وأكثر قابلية لأن يُعامل بوصفه عنصراً في معادلة توازن لم يعد مركزها الخليج. ومع تسارع التحول الطاقي، وضغوط خفض الطلب بعد 2030 التي تشير إليها بعض الدراسات، يتعمق هذا التآكل الوظيفي؛ لا نتيجة إخفاق سعودي، بل لأن قواعد اللعبة نفسها يُعاد صياغتها بشروط جديدة. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال كم تملك السعودية من النفط، بل أي دور سيُسمح لها بلعبه في سوق لم تعد هي من يضبط إيقاعه.
هاني الروسان/ أستاذ الإعلام والجيوبوليتيك في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاعتراف الاسرائيلي بصومالي لاند: إعادة هندسة لمفهوم الأمن ا ...
- الأكاديمي والبحث عن السلطة: صراع الضمير مع انتهازية الهوى
- الرهان الاوروبي على الصبر الاوكراني قد لا يجني الا السراب
- المناصفة الاستراتيجية: كيف تصوغ القوى الإقليمية النظام الدول ...
- معادلة التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية: الاحتواء النشط و ...
- استمرار الانكشاف الأمني ل -حزب الله ودلالاته على جاهزيته الق ...
- قمة بن سلمان ترامب الاحتمالات الاكثر ترجيحا
- عندما تتغيّر سوريا... هل يتغيّر الشرق الأوسط
- الدور التركي في الترتيبات الامريكية لما بعد الحرب على غزة
- السلام الامريكي للشرق الاوسط في معادلة الصراع على الهيمنة
- بعد مرور عامين على حرب الابادة في غزة: ماذا بقي من النظام ال ...
- اذا رغبت السعودية استطاعت
- الفيتو الامريكي السادس: واقعية القوة واعادة انتاج الهيمنة
- بيان قمة الدوحة: الادانة الشديدة وانعدام الاليات
- قطر بين صدمة الواقع والرهان على الوهم
- صدقية الاعتراف بالدولة الفلسطينية رهين بحماية السلطة ووقف حر ...
- نفس الاهداف ونفس النتائج: منع تأشيرة الرئيس ابو مازن يعيد لل ...
- اسرائيل ابنة الكذبة لا تستمر في البقاء الا بقتل الحقيقة
- هل يكفي التسويق الكلامي التركي للعب دور اقليمي؟؟
- ضرورات ما بعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية


المزيد.....




- إيران تعلن الحداد ثلاثة أيام على أرواح -ضحايا الاحتجاجات-
- ما مدى مصداقية التهديد بتدخل أمريكي ضد طهران؟
- في جدة.. برشلونة يحتفظ بلقب كأس السوبر الإسباني بنصر ناري عل ...
- قراءة في موقف دول الخليج إزاء التطورات في إيران
- -مسار الأحداث- يناقش مخططات إسرائيل لحسم الصراع في الضفة الغ ...
- استنفار للجيش السوري بعد رصد حشود عسكرية لـ-قسد- شرق حلب
- عودة الحكومة السودانية إلى العمل من العاصمة الخرطوم
- رشيدة طليب: أسعى لإلزام واشنطن بمعاقبة إسرائيل ووقف تسليحها ...
- كوبا ترد على ترامب بعد ضغوطه عليها من أجل إبرام اتفاق
- ما الذي ينتظرنا في حفل جوائز غولدن غلوب الـ 83؟


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي