أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - الحرب، وما أدراك














المزيد.....

الحرب، وما أدراك


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 00:50
المحور: الادب والفن
    


الحرب، وما أدراك ما الحرب..!
الحرب «II»..
القصيدة: آرثر رامبو
الترجمة والتحشية والتعليق: حكمت الحاج *
«عندما كنت طفلاً صغيرا،
صقلت بعض السماوات رؤيتي،
فتغيرت فيها شتى أنواع الطبائع.
أما الآن، فيطاردني وجهي،
وتوقظني المظاهر،
مع التراكم الأبدي للحظات،
والمسائل اللانهائية للرياضيات،
عبر هذا العالم الذي أحتمل فيه
كلَّ النجاحات البرجوازية المقيتة،
مُحاطًا بتقديرٍ رفيع من أطفالٍ غريبي الأطوار،
وبمودةٍ لا حدود لها.
لكنني مع ذلك أحلم بالحرب،
بحرب عادلة، أو بحرب قوية،
ذات منطق غير وارد بالحسبان.
أحلم بحرب بسيطة تشبه جملة موسيقية».

# التحشية والتعليق:/
أولاً، هذا النص بعنوانه أعلاه موجود ضمن كتاب آرثر رامبو الشعري الشهير بعنوان "الإشراقات"، بيد أن "الإشراقات" ليس مجموعة قصائد بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بل هو سجل انفجارات وعي ملتبس شقي متشظ، و«الحرب II» هي واحدة من تلك الشظايا التي لا تزال، إلى اليوم، تطارد القارئ كما طاردت صاحبها بشؤم الطالع.
إن عنوان «الحرب» وترقيم القصيدة بـ «II» ليسا تفصيلين عرضيين في "الإشراقات"، بل انهما جزء لا يتجزأ من منطق رامبو التفجيري نفسه.
واضح إن رامبو هنا لا يكتب عن حرب عسكرية بالمعنى المباشر للمفهوم، ولا عن معركة تاريخية محددة. «الحرب» هنا مفهوم شعري–وجودي–معرفي. إننا أمام حرب من نوع آخر، حرب داخل الوعي المعذب نفسه.
في هذا النص، تتحول الحرب إلى صراع بين مستويات ثلاث:
المستوى الأول، الطفولة بوصفها لحظة انكشاف حاد للعالم: «عندما كنت طفلاً صغيرا، صقلت بعض السماوات رؤيتي». هنا لا توجد براءة رومانسية، بل حساسية مفرطة، ووعي مبكر بالتمزق.
ثم، على مستوى ثان، العالم البرجوازي بوصفه نظامًا خانقًا: «هذا العالم الذي أحتمل فيه كلَّ النجاحات البرجوازية المقيتة». النجاح هنا ليس إنجازًا، بل هو عبء أخلاقي وروحي. إنه نجاح مفروض، اجتماعي، مُدجَّن.
المستوى الثالث هو العقل الحديث بآلته الباردة: «التراكم الأبدي للحظات، والمسائل اللانهائية للرياضيات». الرياضيات ليست علمًا هنا، بل هي رمز لنظام كوني تجريدي، لا إنساني، يطارد الذات، يكبلها، ولا يحررها.
الحرب إذن بوصف رامبو هي: حرب الحساسية الباطنية ضد العقل الأدواتي الاستعمالي، حرب الرؤية الشعرية ضد النظام الاجتماعي، حرب الفرد الحر ضد مروضي هذا الفرد. لهذا يحلم رامبو بـ«حرب العدالة أو القوة أو المنطق غير المتوقع». إنه لا يريد حربًا تُدار بالقوانين المعروفة، بل حربًا تُفجّر المنطق نفسه. وهذا هو جوهر مشروع "الإشراقات" : تفجير اللغة، لا استعمالها.
ثانياً: لماذا الرقم «II»؟
الترقيم في الإشراقات ليس ترتيبًا سرديًا ولا تسلسلاً زمنيًا. هو أقرب إلى بنية موسيقية أو شظايا وعي. حين يضع رامبو «حرب – II»، فهو يلمّح إلى ثلاثة أشياء في آن واحد:
1. أن «الحرب» ليست نصًا واحدًا، بل حالة متكررة. الرقم "اثنان" يوحي بأن الحرب ليست حادثة منفردة، بل طور من أطوار التجربة. هناك حرب أولى، ثانية، وربما ثالثة غير مكتوبة. الحرب هنا حالة دائمة، وليست ذروة نهائية.
2. رامبو هنا يعمل على تفكيك فكرة القصيدة المكتملة، ويتعمد كسر وهم «القصيدة الواحدة المغلقة». النص مرقّم كأنه مقطع من متتالية شعرية، لا ككيان مكتفٍ بذاته. هذا ينسجم مع روح " الإشراقات" كعمل مفتوح، بمنطق أمبرتو إيكو، لا كديوان شعر تقليدي.
3. يتعمد رامبو أيضا الإيحاء بأنه بصدد بنية موسيقية أو علمية للقصيدة. فالترقيم لها يشبه ترقيم النوطات الموسيقية أو القضايا الفلسفية. وليس عبثًا أن يختم النص بقوله: «بسيط كجملة موسيقية». القصيدة نفسها تُقدَّم كحركة ثانية في تركيب أكبر، لا نملك خريطته الكاملة. وهذا تماما ما سيفعله بعد سنوات طويلة، الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين في كتابه "التراكتاتوس" أو "الرسالة المنطقية الفلسفية".
إذن، رامبو يختار عنوان «حرب» لأنه يكتب من داخل معركة، لا عنها. ويضع الرقم «II» لأنه لا يؤمن بالوحدة، ولا بالخاتمة، ولا بالنظام النهائي. ولو توخينا صياغة ذلك بجملة رامبويّة الروح لقلنا: هذه ليست حربًا تُخاض، بل هي حربٌ تُرى.



#حكمت_الحاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نهر عناقنا المكسور
- صورة العراق في الرواية الإنكليزية المعاصرة
- قل مرحى لمنفى آتٍ يا رفيق
- ثلاثون مثقالا من الزمن
- أوزماندياس
- الأنهار التي تصغر
- كوضع السيف في موضع الندى
- النص الهجين بين القصة القصيرة وقصيدة النثر
- فوق الغيم في غرفة مليئة بالقصص والحكايا
- عندما تكتبُ الكردية شعراً، يُصلّي الوردُ معها بلغتين
- رسالة فلسفية شعرية.. تراكتاتوس فيلوسوفيكو بويتيكوس
- الرواية العراقية ما بعد الغزو
- قصة المصعد.. قصة الدقيقة الواحدة
- صديق البحر الأخير
- تعاويذُ وَلُقى
- الميتا-لغة والشعر والما-صدق بحسب فيتغنشتاين
- حينما يفكر المعلم في لحن شارد: مرثية إلى زياد
- النص اليتيم وتداعياته
- قسطنطين كافافي في قصيدتين لهُ نُشرتا بعد وفاته
- دعاء الطلسم


المزيد.....




- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...
- عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة ...
- مايكل بي. جوردان يقول إن مشاهدة فيلم -Sinners- أبكته
- أحزان فيروز تتجدد في جنازة هلي الرحباني.. أمومة استثنائية خل ...
- -الطوفان العظيم-.. سينما الكارثة حين تتحول المياه إلى مرآة ل ...
- وثائق كنسية تعزز -أطلس القدس المصور- وتنصف العثمانيين
- الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال ...
- وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
- عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير ...
- مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025 ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - الحرب، وما أدراك