محفوظ بجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 10:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تزوير أصل البلاد، وتحريف حضارتها، ومسخ تاريخها ومحو قومية شعبها باسم الدين، أو بالأحرى باسم المقدّس، ليس مجرد اختلاف فكري ولا نقاش ثقافي بريء، بل هو فعل خطير يمسّ جوهر الوجود الجماعي للأمم، ويصيب بنيتها العميقة في أخطر مواضعها: الذاكرة والهوية والانتماء. إنّه امتداد مباشر لمشروع هيمنة حديث، واستعمار جديد لا يأتي بالدبابة ولا بالبارجة، بل بالفكرة والخطاب، ولا يحتل الأرض بالقوة بل يحتل الوعي تدريجيًا حتى يصبح التشويه قناعة والطمس حقيقة مزعومة، والاغتراب حالةً طبيعية لا تُستغرب.
في هذا النوع من الاستعمار لا تُنهب الثروات وحدها، بل تُعاد صياغة الذاكرة، وتُفكك الهوية، ويُعاد تعريف الانتماء على مقاس مشاريع لا تمتّ إلى تاريخ الشعوب ولا إلى خصوصياتها بصلة. تُمسَخ الأسماء، وتُبدَّل الرموز، ويُعاد ترتيب الماضي ليخدم حاضرًا مصطنعًا ويُساق الناس إلى تصديق سرديات لا تشبههم، ولا تعبّر عنهم، لكنها تُقدَّم لهم بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وحين تُفرَّغ الذاكرة من محتواها الحقيقي، يصبح المجتمع هشًّا، سهل الاختراق، قابلًا لإعادة التشكيل مرارًا وفق مصالح القوى التي تمتلك أدوات التأثير وحينها لا تعود المعركة معركة حدود أو موارد، بل معركة وعي ووجود. فالتاريخ ليس مادةً طيّعة تُحرّكها الأهواء، ولا وثيقة يمكن تعديلها وفق ميزان المصالح والهوية ليست شعارًا يُرفع أو يُخفَض حسب السياق، بل هي تراكم قرون من التجربة والدم واللغة والأرض.
الهوية ليست فكرة مجردة، بل كيان حيّ، يتكوّن من تفاصيل الحياة اليومية، من لهجة الناس، من ذاكرتهم الجماعية، من قصص أجدادهم، من علاقتهم بالأرض والمكان، من طريقتهم في الفرح والحزن، من مفهومهم للشرف والكرامة والمعنى. ومن يعبث بكل ذلك لا يهدم الماضي فقط، بل يزرع في المستقبل بذور التفكك والانقسام والتيه.
ومن يزوّر الذاكرة الجماعية لا يصنع حاضرًا، بل يهدم مستقبلًا، لأن أمة بلا جذور لا تستطيع أن تقف طويلًا في وجه الرياح، ولا أن تبني مشروعًا يستحق البقاء. فالأمم لا تُقاس بما تملك من ثروات فحسب، بل بما تمتلك من وعي بتاريخها، وإيمان بذاتها، وقدرة على حماية روايتها من التحريف والتشويه.
إنّ أخطر ما في هذا الاستعمار الجديد أنّه يتخفّى في ثياب الفضيلة، ويتسلّل عبر لغة الأخلاق والمقدّس والمصلحة العامة، بينما هدفه الحقيقي تفريغ المجتمعات من معناها الأصلي، وإعادة تركيبها وفق قوالب جاهزة، تضمن لها التبعية الدائمة، والارتهان المستمر، وفقدان القدرة على الفعل المستقل.
لهذا، فإن معركة الوعي اليوم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، ومعركة الذاكرة ليست سجالًا ثقافيًا بل دفاع عن الحق في أن نكون أنفسنا، كما كنّا، وكما نريد أن نكون. فالذي يفقد ذاكرته، يفقد طريقه، والذي يفقد هويته، يفقد مستقبله.
#محفوظ_بجاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟