أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - بين فنزويلا والعراق















المزيد.....

بين فنزويلا والعراق


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 01:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في نقد الإمبريالية دون شيطنة الداخل —
قراءة ماركسية هادئة في مقال الرفيق فخري كريم

د. علي عبد الرضا طبله
4 كانون الثاني 2026

يستعيد الرفيق فخري كريم، في مقاله عن أحداث فنزويلا ومحاولة الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، جوهر السلوك الإمبريالي الأمريكي: القدرة على شرعنة العدوان باسم محاربة المخدرات، أو حماية حقوق الإنسان، أو الدفاع عن الديمقراطية، فيما الحقيقة — كما تظهر في نهاية الرواية — هي السيطرة على النفط واستباحة موارد الشعوب. وهذا التشخيص صحيح في جوهره. فالولايات المتحدة، ومعها منظومة رأس المال العابر للحدود، لم تكفّ يومًا عن التعامل مع العالم بوصفه فضاءً مفتوحًا للاستثمار والنهب وإعادة الهيكلة بالعقوبات، والانقلابات، والحروب الباردة، والساخنة.

لكن قراءة هذا المشهد، من زاوية ماركسية تاريخية، لا تكتمل إلا إذا قُرئت الإمبريالية بوصفها جزءًا من علاقة اجتماعية عالمية، لا مجرد فعل عدوان خارجي. أي أن الهيمنة لا تدخل فقط من الحدود، بل من داخل البنية نفسها: من هشاشة الدولة، ومن تفكك المجتمع، ومن تحوّل الريع إلى أداة ولاء سياسي، ومن تعدد مراكز السلاح والقرار خارج إطار الدولة. وهنا بالتحديد يجب أن نكون يقظين: لا لنخفف من نقد الإمبريالية، بل لنُكمله.

في النص الذي كتبه الرفيق فخري كريم، تظهر — إلى جانب نقد الإمبريالية — إشارات ساخرة أو جارحة تمسُّ رموزًا دينية لمكوّن اجتماعي بعينه. وهنا تكمن المشكلة لا في النقد ذاته، بل في وجهته الأخلاقية والرمزية. فحين يتكرر هذا النوع من التلميحات، حتى إن جاء في سياق لغوي ساخر، يتحوّل — عن قصدٍ أو من دونه — إلى تأشيرٍ على مكوّن اجتماعي كامل، لا على ظاهرة سياسية محددة. وهو ما لا يتسق مع تقاليد اليسار، ولا مع المنهج الماركسي النقدي الذي يفكك السلطة والتشكيلة الاجتماعية والدولة والاقتصاد، ولا يجعل الدين أو الهوية أو الطائفة موضوعًا للإدانة الأخلاقية.

إن معركتنا الفكرية والسياسية ليست مع الناس ولا مع عقائدهم ولا مع رموزهم. معركتنا مع علاقات الهيمنة، ومع الدولة الريعية التابعة، ومع السلاح الموازي الخارج عن سلطة الشعب والقانون، ومع كل ما يُفكك المجتمع ويحوّله إلى مساحة نفوذٍ متصارعة بدل أن يكون وطنًا مشتركًا. لذلك فإن أي مقاربة تختلط فيها نقد الإمبريالية بنبرةٍ تحمل طيفًا طائفيًا ولو من بعيد تصبح مقاربةً ملتبسة، حتى وإن كان مقصدها سياسيًا أو لغويًا صرفًا.

بين الإمبريالية وتفكك الداخل — جدل الهيمنة والهشاشة

فالوقوف ضد الهيمنة الإمبريالية لا يكتمل — في أي مقاربة ماركسية جدية — ما لم يُقرأ بالتوازي مع واقع التفكك الداخلي الذي يُنتج هشاشة الدولة والمجتمع. حين تتفكك الدولة من الداخل، وتضعف مؤسساتها، وتتعدد مراكز القوة والسلاح خارج إطارها الشرعي، ويتحول الريع إلى وسيلة ولاء سياسي، فإن المجتمع يخطو نحو الهشاشة. وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح أكثر قابلية للابتزاز الخارجي، لأن القوى الإمبريالية لا تدخل من الأبواب المفتوحة فقط، بل من الشقوق التي تصنعها الانقسامات الداخلية.

وهذا أيضًا ليس صدفة تاريخية. فالدول التي تتوزع فيها السلطة بين تشكيلاتٍ مسلحة متعددة، أو تتراجع فيها قدرة الدولة على احتكار العنف الشرعي، تميل لأن تكون أكثر تعرضًا للتدخلات الخارجية. كما أن رأس المال العالمي يفضّل التعامل مع الدول الضعيفة المنقسمة، لأنها أقل قدرة على فرض شروطٍ سيادية مستقلة.

بهذا المعنى، فإن الإمبريالية والتجزئة الداخلية ليستا مسارين منفصلين، بل حلقتان في سلسلة واحدة. كلما ازدادت الدولة هشاشة من الداخل، ازداد استعداد الخارج لفرض إرادته عليها. وكلما ضعف الشعور الوطني الجامع وتراجعت المواطنة المتساوية، ارتفعت فرص تحويل المجتمع إلى مساحة نفوذٍ متنازعٍ عليها بدل أن يكون كيانًا سياسيًا موحد الإرادة.

ومن هذا المنظور، يصبح الموقف الماركسي واضحًا: نحن ضد الإمبريالية، وضد تحويل السلاح إلى بديلٍ عن الدولة، وضد الطائفية بما تحمله من تفكيكٍ للنسيج الوطني، وضد عسكرة المجتمع أيًّا كان عنوانها. وفي المقابل نحن مع دولة وطنية، مدنية، ديمقراطية، تحتكر السلاح الشرعي، وتحمي الثروة العامة، وتبني مواطنة متساوية على أساس سيادة القانون لا سيادة الولاءات.

كلمة في النص والكاتب — وموقعنا من النقاش

نحن لا نكتب ضد الرفيق فخري كريم كشخصٍ أو كتاريخٍ نضالي. بل نكتب دفاعًا عن منهجٍ. فالمنهج الماركسي الذي نحاول أن نعيد ترسيخه في حياتنا السياسية، يعلّمنا أن نذهب دائمًا إلى البنية لا إلى الهوية، وإلى علاقة القوة لا إلى الدين، وإلى السياسات لا إلى المقدسات. فإن كان في مقاله ما هو صحيح — وهو نقد الهيمنة الإمبريالية — فإن هذا الصحيح يحتاج إلى استكمال بقدر مساوٍ من الوضوح: أن نقد السلاح الموازي للدولة يجب أن يكون وطنيًا عامًا، لا انتقائيًا ولا موجّهًا نحو بيئة اجتماعية بعينها.

فالمجتمع العراقي ليس كتلة واحدة. وكل المكوّنات عانت، وكلها تأثرت، وكلها شاركت بدرجات ومسارات متفاوتة في الصراع السياسي. وليس من المنهج ولا من الحكمة — ولا من الأخلاق السياسية لليسار — أن نضع مكوّنًا اجتماعيًا كاملًا في قفص الاتهام بسبب ممارسات سياسية محددة، مثلما لا يجوز إعفاء غيره من النقد حين تتطابق الممارسة.

خلاصة الموقف

المطلوب اليوم خطابٌ نقدي ماركسي صارمٌ في مواجهة الإمبريالية
وصارمٌ — بالقدر نفسه — في مواجهة تفكك الدولة وتعدد السلاح وتطييف السياسة
وصارمٌ — قبل ذلك وبعده — في عدم الزج بالرموز الدينية والهويات في المعركة السياسية.

فاليسار يفقد روحه حين ينزلق إلى لغة الشيطنة.
ويستعيدها حين يبقى وفيًا لجوهره:
نقدُ السلطة — لا العقيدة.
نقدُ الهيمنة — لا الهوية.
نقدُ السلاح — لا الإنسان.

بهذا فقط يصبح النقد أداة تحرر، لا أداة استقطاب.
وبهكذا وعي — لا بغيره — يمكن أن نبني دولة وطنية حديثة، وأن نحمي مجتمعنا من الخارج، من دون أن نُعيد إنتاج انقسامه في الداخل.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
- الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
- من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
- النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
- قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع ...
- من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
- الهوية بين الأصالة والدونية
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ...
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ...
- إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف ...
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ...
- الوثيقة الثالثة: تشخيصُ السيادة والدين والطبقة في عراق ما بع ...
- الوثيقة الثانية: تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
- تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
- ماذا يريد الشيوعيون؟
- الوثيقة المركزية لإعادة التأسيس الشيوعي في العراق - يا شيوعي ...
- لماذا خسر الحزب؟ وما الذي يجب فعله الآن؟
- العودة إلى الطبقة: في إعادة تأسيس الحركة الشيوعية العراقية د ...
- أوقفوا الإبادة فورًا: الشعب الفلسطيني يقرر
- الاعتراف الغربي بدولة فلسطين و”مشروع ترامب للسلام”: تحليل ما ...


المزيد.....




- -فنزويلا ستشتري منتجات أمريكية الصنع فقط-.. ترامب يكشف تفاصي ...
- ترامب يوقع مذكرة انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية.. والبيت ال ...
- قوات حكومية تنتشر في عدن عقب اختفاء وعزل الزبيدي بتهمة -الخي ...
- ترامب يستعد لإعلان -مجلس السلام- بشأن غزة
- مصر.. تحرك حكومي لحل أزمة -الكلاب الضالة-
- ترامب: فنزويلا ستشتري المنتجات الأميركية مقابل بيع نفطها
- فيديو.. متظاهرون في طهران يستنجدون بترامب ويسمون شارعا باسمه ...
- حكومة غرينلاند تشارك في اجتماع بين روبيو ومسؤولين دنماركيين ...
- إذا استولى ترامب على -كل- نفط فنزويلا.. ماذا سيحدث لكوكب الأ ...
- هيئة البث: نتنياهو يبلّغ وزراءه بموافقة ترامب على مهاجمة لبن ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - بين فنزويلا والعراق