أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا














المزيد.....

اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 01:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تَعُد الحرب مُجرّد آلة قتل، بل تحوّلت إلى اقتصاد بؤس متكامل، يُنتج النُّدرة، ويُسوِّق الألم، ويُعيد تدوير المأساة بوصفها موردًا دائمًا.
في هذا المشهد المُروّع، برزت طبقة جديدة من الفاعلين يمكن تسميتهم بلا مواربة: أُمراء الإغاثة؛ أولئك الذين يمارسون النّهب المؤسساتي تحت قناع العمل الإنساني، ويحترفون تحويل الدموع إلى رِيع كارثي.

هؤلاء ليسوا ضحايا الحرب ولا شهودها، بل مستثمريها. ليسوا مساعدين، بل سماسرة معاناة، يبنون نفوذهم على أنقاض المدن، ويديرون صناعة الحاجة قبل أنْ تُلبّي التبرعات الحاجات الأساسية وتصل إلى مستحقّيها. يُتقنون قرصنة التعاطف العالمي، ويُحوّلون صرخات الضحايا إلى أرقام في تقارير التمويل العاطفي، حيث تُقاس المأساة بقابليتها للجذب لا بعمقها الإنساني.

الفارق بينهم وبين اللّص التقليدي ليس في الجوهر، بل في الجرأة والوقاحة. ذاك يسرق خائفًا ملتفتًا في الظلام، أمّا هؤلاء فينهبون جهارًا تحت الأضواء، بأختام رسمية وشعارات براقة: إغاثة، تمكين، استجابة طارئة. يأكلون باسم خطاب الفضيلة، ويسرقون بلغة الشفافية الزائفة، ويتحرّكون ضمن ما يُمكن تسميته دبلوماسية الشاحنات التي تتحكّم برغيف الخبز ومصير الجياع. إنّها رأسمالية كارثية بوجه إنساني، تُنتج فسادًا أبيضًا لا يُلطِّخ الأيدي، بل يُدمّر الضمير.

في اقتصاد المأساة، تتحوّل الكارثة إلى سُوق، والضحايا إلى سلعة في حملات تضامن مسروقة. يُدار الجوع بمنطق إدارة العَوز، ويُختزل الإنسان إلى رقم في بيانات كارثية تُباع وتُشترى، بينما تتحوّل الفضيلة نفسها إلى بضاعة في سوق نخاسة أخلاقية فارغة، يتدفّق فيه المال، لكنّ الجوع باقٍ، والتقارير تتكاثر، لكن الكرامة تتآكل.

الأخطر أنّ هذه المنظومة لا تسرق الخبز فقط، بل تسرق المعنى ذاته. إنّها اغتيال كرامة مُنظّم، وقتل أمل بطيء يتمّ تحت أنظار العالم. تُمارِس ما يُمكن تسميته الاستدامة السلبية للأزمة، لأنّ مصلحتها في استمرار المأساة لا في حلّها. فالحرب، بالنسبة لها، ليست طارئًا إنسانيًا، بل بيئة عمل واستثمار.

وفي السياق الفلسطيني تحديدًا، لا يُمكن فصل اقتصاد الإغاثة عن بُنية الحصار والعدوان المستمر، حيث تُدار المعاناة لا بوصفها مأساة طارئة، بل كواقع قابل للإدارة والاستثمار. ما يجري هنا ليس خللًا إداريًا ولا سوء تقدير، بل شكل جديد من الاستعمار الإنساني، وجريمة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان. منظومة تعيش على الألم، وتُعيد إنتاجه، ثم تطالب بالحصانة؛ تارة باسم المبادرة والريادة، وتارة باسم الوطنية، وأخرى باسم الرحمة.

تبرير هذه الجريمة أو تمريرها أو الصمت عنها ليس حيادًا، بل تواطؤ وانزياح عميق عن جوهر الفضيلة. والتغاضي عنها ليس حكمة، بل مشاركة في فساد "نظيف" يَقْتل ببطء.
واجب اللحظة ليس تمجيد الواجهات ولا تقديس الشعارات، بل تفكيك اللاهوت السياسي والحزبي والبيروقراطي الذي يُبرّر النّهب، وفضح تجّار الأمل الزائف، واستعادة الخير من براثن باعة الوهم.

في غزة فلسطين، حيث الجوع ليس قدرًا بل أداة، تُصبح المُساءلة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرط نجاة، وآخِر أشكال المقاومة الأخلاقية المُمكنة، وسبيلًا لاستعادة المعنى والكرامة معًا، دون أنْ تتحوّل هي نفسها إلى أداة لمزيد من الحرمان.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين التّطبيل والتّهبيل: إدارة المأساة بلا سياسة
- أُفول فرانس–إفريقيا... تحوّلات موازين القوى العالمية
- غزة بين الإعمار والهيمنة: كيف تُدار الطاقة بعد الحرب؟
- في ذكرى رحيل أمي
- حين يُصبح الألم وقودًا... ويحيا نهج الشيطان
- تركيا أُنموذجًا لاختبار واشنطن نظامًا جيوسياسيًا شرق أوسطيًا ...
- حِينَ يَنهضُ القَلبُ من حُطامِهِ
- العلاقات المصرية الإسرائيلية.. بين الأمن والسيادة-- إدارة ما ...
- بين الصهيونيّة الدينيّة والصهيونيّة الليبراليّة: إسرائيل إلى ...
- من وعد بلفور إلى الاعتراف الأوروبي: قرن من التحوّلات بين الو ...
- حين يتكلم التاريخ بلسان مصر
- أولوية الشّعب: بين الحُكم والسّلاح
- الإعلان الدستوري : بين إدارة الضرورة ومعضلة الشرعيّة
- إلغاء القمة ورسائل توماهوك: السياسة الأميركية بين القوة والح ...
- بين التّحديات والمسؤوليّة: نحو تحويل وقف الحرب إلى فرصة وطني ...
- بين السلطة والضمير: استراحة على شاطئ التاريخ
- الطموح الفلسطيني: بين الوصاية والدولة
- مصر.. سند فلسطين ودرع العروبة
- ناصر القدوة.. في قلب الحسابات الفلسطينية المُقبِلة
- غزة.. بوابة النظام الإقليمي الجديد


المزيد.....




- -فنزويلا ستشتري منتجات أمريكية الصنع فقط-.. ترامب يكشف تفاصي ...
- ترامب يوقع مذكرة انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية.. والبيت ال ...
- قوات حكومية تنتشر في عدن عقب اختفاء وعزل الزبيدي بتهمة -الخي ...
- ترامب يستعد لإعلان -مجلس السلام- بشأن غزة
- مصر.. تحرك حكومي لحل أزمة -الكلاب الضالة-
- ترامب: فنزويلا ستشتري المنتجات الأميركية مقابل بيع نفطها
- فيديو.. متظاهرون في طهران يستنجدون بترامب ويسمون شارعا باسمه ...
- حكومة غرينلاند تشارك في اجتماع بين روبيو ومسؤولين دنماركيين ...
- إذا استولى ترامب على -كل- نفط فنزويلا.. ماذا سيحدث لكوكب الأ ...
- هيئة البث: نتنياهو يبلّغ وزراءه بموافقة ترامب على مهاجمة لبن ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - اللصوصية النّاعمة… حين يُصبح الجُوع مشروعًا سياسيًا