كامل الدلفي
الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 20:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن دولةً كفنزويلا، تحرص على تماسكها وتحمي كيانها من الضياع، وتملك قضاءً حقيقيًا ممثّلًا بـ المحكمة العليا، قادرة على أن تقدّم نموذجًا واضحًا لمعنى الدولة الفاعلة. فخلال يوم واحد فقط، أصدرت المحكمة العليا قرارًا دستوريًا يقضي بتكليف نائبة الرئيس التنفيذي ديلسي رودريغيز بتولي جميع صلاحيات ومهام منصب الرئاسة بصفة رئيسة بالإنابة، استنادًا إلى الدستور الفنزويلي، وذلك كبديل سريع لرئيس الدولة نيكولاس مادورو الذي جرى تغييبُه قسرًا خارج البلاد في سياق تدخل عسكري أمريكي.
هذا الإجراء السريع والحاسم لا يصدر إلا عن دولة حقيقية، دولة ترى في الفراغ خطرًا وجوديًا لا يمكن التساهل معه، وتعتبر استمرارية السلطة مسألة سيادية لا تخضع للمساومة. والأهم من ذلك، أن هذا السلوك المؤسسي يكشف حقيقة ساطعة:
أن دولة بهذا القدر من التماسك والانضباط المؤسسي لم تكن لتسمح أصلًا لشخص يتّصف بالصفات التي تلصقها به الدعاية الأمريكية—كالدكتاتورية أو تجارة المخدرات—أن يتقلد منصب الرئاسة، حتى لو فاز في الانتخابات.
هنا تنكشف الحقيقة، ويُزاح الستار عن زيف السردية التي يروّجها زعيم الإمبريالية الدولية وأتباعه عن “عدوهم النبيل”. فخطابهم ليس سوى تمهيد دعائي لاعتداء همجي، مخالف للقواعد الدولية، يصفّق له المهزومون والخائفون واللاوطنيون والحمقى في بلدان العالم، ومن بينهم نفرٌ في بلادنا، صدّقوا الوهم الأمريكي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والعدالة.
إن البرامج الجديدة لإدارة ترامب تفصح بوضوح عن حرب كبرى على مفهوم الدولة الوطنية ذاته؛ حرب تستهدف كل من يتمسك بتطبيق هذا المفهوم، وتسعى إلى إسقاطهم واحدًا تلو الآخر. وترافق هذه الحرب حملة دعائية منظّمة لتشويه القادة والدول، تحت ذرائع القمع والفساد وتجارة المخدرات، في سياق سعي محموم للاستحواذ على منابع النفط، والسيطرة على الواردات النفطية، والتحكم باحتياطيات الدول النفطية والمعدنية في مختلف أنحاء المعمورة.
وأمام هذا المشهد، تفرض المقارنة نفسها بمرارة:
ليت القضاء العراقي تحلّى بالحدّ الأدنى من الحرص الوطني الذي أبداه نظيره الفنزويلي، فسارع إلى ردم الفراغ الحكومي الممتد منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية حتى اليوم.
لكن الفارق المؤلم أن الفراغ في العراق لم يُعامل بوصفه خطرًا على الدولة، بل تُرك ليتحوّل إلى أداة صراع، ومجال ابتزاز، ودليل إضافي على غياب فقه الدولة لصالح منطق الغنيمة.
#كامل_الدلفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟