أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع الهيمنة الأمريكية؟















المزيد.....

بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع الهيمنة الأمريكية؟


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 15:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة
في ظل نظام دولي تهيمن عليه القوى العظمى، تبرز الولايات المتحدة الأمريكية كقطب أوحد يتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي وعسكري غير مسبوق... ؛ وهذا الواقع يفرض على الدول، خاصة تلك الواقعة في مناطق النزاع والتأثير المباشر، خيارات محدودة في تعاملها مع هذه القوة العظمى. فإما أن تسلك طريق التحالف والتقارب، وإما أن تسعى لبناء قدرات ذاتية تحمي بها سيادتها وتوازن في علاقتها مع الآخرين... ؛ أي خيار خارج هذا الإطار قد يعرض الدول لمخاطر جسيمة، كما تشهد به تجارب عدة في التاريخ المعاصر.
نعم , يكشف الواقع السياسي الدولي، بلا مواربة ولا تجميل، أن التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية لا يخرج عن مسارين اثنين لا ثالث لهما... ؛ فإما الالتحاق بمنظومتها والتحول إلى حليف يدور في فلكها، كما فعلت دول عديدة في المنطقة والعالم، وإما بناء عناصر قوة ذاتية حقيقية تجعل كلفة استهداف الدولة أو إخضاعها باهظة وغير مضمونة النتائج.
المسار الأول واضح المعالم: التحالف مع واشنطن، والاندماج في استراتيجياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما يضمن الحد الأدنى من الحماية والاستقرار، ولو على حساب قدر من الاستقلالية الوطنية... ؛ نعم , هو خيار يضمن للحكومات قدرًا من الحماية والدعم في النظام الدولي، ولكنه قد يقيد حرية اتخاذ القرار السيادي ويجعل الدولة تابعة لإرادة القوى العظمى في بعض الأحيان... .
أما المسار الثاني : فهو الأصعب والأكثر تعقيدًا، إذ يتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا يقوم على اقتصاد قوي، وسياسة خارجية متوازنة، وقدرة عسكرية رادعة ؛ وهذا المسار يحفظ للدولة استقلاليتها ويوفر لها هامشًا أوسع للمناورة، ولكنه محفوف بالتحديات ويتطلب إرادة سياسية حقيقية وموارد كبيرة , وقبل ذلك كله شرعية داخلية حقيقية قوامها رضا الشعب وثقته... ؛ فالدولة التي لا يشعر مواطنوها بأنها تمثلهم فعلًا لن تجد من يدافع عنها ساعة الشدة، مهما رفعت من شعارات أو استعرضت من خطابات... .
ومع امتلاك عناصر القوة، تبقى الدبلوماسية الذكية شرطًا لا غنى عنه... ؛ فالقوة وحدها، إذا لم تُحسن إدارتها، قد تتحول إلى عبء على صاحبها... ؛ فالمطلوب هو الابتعاد عن الاستفزاز غير المحسوب، وعن الخطاب الانفعالي، واعتماد سياسة النفس الطويل التي تحمي المصالح الوطنية بأقل الخسائر الممكنة... ؛ خارج هذين الخيارين، تبقى الدول عرضة للضغط والإذلال، وقد ينهار في لحظات ما بُني خلال سنوات من الادعاء والتهويل.
أخطار المسار الثالث: المواجهة المباشرة دون القوة اللازمة :
أي محاولة لمواجهة الولايات المتحدة دون اعتماد أحد المسارين السابقين تؤدي إلى عواقب وخيمة، كما تبين من تجارب دول اخرى مثل ليبيا وفنزويلا ... ؛ فالشعارات والخطابات العاطفية لا تحمي الدول من عدوان القوى الكبرى عندما تتعارض مصالحها مع سياسات هذه الدول... ؛ فالولايات المتحدة تمارس قوتها وفق حسابات المصالح، ولا تتردد في استخدام كل أدواتها العسكرية والسياسية والاقتصادية لتحقيق أهدافها.
إن التاريخ الحديث حافل بالأمثلة القاسية... ؛ فشعارات التحدي لم تحمِ أنظمة، ولا الخطاب الثوري أنقذ دولًا من السقوط أو التفكك... ؛ والعالم الذي تحكمه المصالح لا يعترف بالأماني ولا بالعواطف، بل بموازين القوى الصلبة... ؛ حتى القوى الكبرى الأخرى، كروسيا والصين، تتحرك بحذر شديد عندما تتقاطع مصالحها مباشرة مع الولايات المتحدة، إدراكًا منها لحجم الكلفة المحتملة لأي مواجهة مفتوحة... .
ليس المقصود من هذا التشخيص تبرير الهيمنة الأمريكية أو تلميع صورتها، بل توصيف واقع دولي قائم... ؛ فالولايات المتحدة تمارس قوتها وفق منطقها الخاص، بلا اكتراث كبير بالقيم التي ترفعها في خطابها العلني... ؛ ومن يراهن على الاحتماء بالشعارات أو على معاداة القوة العظمى دون امتلاك أدوات الردع، إنما يغامر بمصير شعبه ودولته.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: لماذا تصر بعض القوى السياسية، التي وصلت إلى الحكم في بلدانها ضمن ترتيبات دولية معروفة، على تبني خطاب عدائي تجاه واشنطن، من دون أن تمتلك بدائل واقعية أو قدرة حقيقية على المواجهة؟
ألم تكن تجارب دول وأنظمة سابقة كافية للاعتبار؟
أين انتهت أنظمة رفعت لواء التحدي من دون إعداد فعلي؟
وما الذي جناه أصحاب “دول الشعارات” غير العزلة والانهيار الاقتصادي والمعاناة الشعبية؟
إن العالم لا يُدار بمنطق الحلال والحرام في السياسة الدولية، ولا بمنطق العيب والواجب الأخلاقي، بل بمنطق المصالح وتوازنات القوة... ؛ والذكاء السياسي يكمن في القدرة على قراءة هذا الواقع، ومسايرة النظام الدولي بما يحفظ مصلحة الشعب، لا في الدخول في معارك خاسرة سلفًا.
ومن المهم التأكيد هنا أننا لسنا بصدد الدعوة إلى الاستسلام، ولا إلى التخلي عن السيادة الوطنية، ولا إلى تخويف القوات الأمنية أو المسلحة من أداء واجبها إذا فُرضت المواجهة دفاعًا عن الوطن... ؛ كما لسنا من دعاة الأوهام الطوباوية أو الشعارات العاطفية التي لا تغير شيئًا في موازين القوى.
نحن بصدد الفصل بين الإيمان والنيات من جهة، وبين قوانين الصراع المادي من جهة أخرى... ؛ فالتاريخ الديني نفسه يعلّمنا أن الحق الأخلاقي لا يعطل قوانين القوة، وأن الأمور تجري بأسبابها، كما جاء في الأثر... ؛ لذلك أُمر الناس بالإعداد والأخذ بالأسباب، لا بالاكتفاء بالدعاء والتمنّي.
ومن هذه الواقعية المؤلمة نشأت مفاهيم عقلانية في التراث، هدفها حماية الضعفاء من بطش الأقوياء، وهو ما عبّر عنه الوعي الشعبي بعبارات موجزة تختصر حكمة التجربة... ؛ فالسياسة، في جوهرها، فن تقليل الخسائر قبل أن تكون سعيًا وراء المكاسب.
وعليه، فإن على الساسة في الدول الهشة، وفي مقدمتها العراق، أن يتعاملوا مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى بمنطق براغماتي نفعي، بعيدًا عن العنتريات الإعلامية... ؛ فالحوادث المتكررة التي تشهدها الساحة الدولية تؤكد أن واشنطن لا تتردد في استخدام أقصى درجات الضغط، من التدخل الأمني المباشر، إلى العقوبات الاقتصادية، وصولًا إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، وغالبًا ما تدفع الشعوب البسيطة ثمن هذه السياسات.
إن ما نشهده اليوم ليس سوى تذكير صارخ بطبيعة النظام الدولي القائم، حيث تتقدم القوة على القانون، والمصلحة على القيم... ؛ وهذا الواقع، على قسوته، ينبغي أن يكون دافعًا لإعداد دراسات سياسية واقعية، وبناء استراتيجيات وطنية قابلة للتطبيق، لا للهروب إلى خطاب انفعالي يرضي العاطفة ويضر بالدولة.
في المحصلة، لا تحمي الأوطان النوايا الحسنة وحدها، ولا تنقذها الشعارات العالية. ما يحمي الدول هو مزيج دقيق من القوة، والشرعية الشعبية، والعقل السياسي البارد القادر على المناورة في عالم لا يرحم الضعفاء.
الخلاصة:
إن الدرس المستفاد من التجارب الدولية يؤكد أن العلاقة مع الولايات المتحدة يجب أن تُدار بواقعية ومنطق المصالح، وليس بالعواطف أو الشعارات... ؛ فالعالم يحكمه منطق القوة والمصالح، وعلى الدول أن تتعامل مع هذا الواقع ببراغماتية وحكمة... ؛ وهذا لا يعني التخلي عن المبادئ أو السيادة، بل يعني السعي لتعزيز القوة الذاتية وبناء التحالفات الذكية التي تحقق مصالح الشعوب وتحمي استقلالية القرار... ؛ فالواقعية تقتضي الاستعداد لكل الاحتمالات، والإعداد المادي والمعنوي لمواجهة التحديات، لأن الأمة التي تريد الحفاظ على كرامتها وحريتها يجب أن تعد العدة وتتحلى بالحكمة في سياستها الخارجية.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قل لي كم تكسب .. أقل لك كيف تفكّر.. الاقتصاد الخفي وراء أفكا ...
- حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح
- كائنٌ زائدٌ عن الحاجة
- محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم ...
- سجين الزمن المنكسر
- العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه ...
- من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق ...
- كلما عرفتُ أكثر سقطتُ أعمق ..!!
- حارس الذاكرة
- ظاهرة جريمة السحل في العراق : تشريح فلسفي - سياسي - اجتماعي ...
- السيطرات بين وهم الأمن وحقيقة التعطيل: قراءة سياسية–اجتماعية ...
- الطائفية والنكران: تحليل عابر للحدود للعلاقات العراقية الأرد ...
- العمالة الأجنبية والوافدون في العراق: قراءة سياسية-اجتماعية ...
- استمرارية كابوس الثعابين السبعة
- مرونة النظام العراقي الديمقراطي: آلية التصحيح الذاتي وقابلية ...
- ثروات بلا أصحاب: العمالة الأجنبية في جنوب العراق بين منطق ال ...
- تسلّل السوريين إلى بغداد عبر أربيل: مقاربة سياسية–أمنية لظاه ...
- جريمة في المنصور: انعكاس لجروح إقليمية عميقة وتحولات في طبيع ...
- العنصرية والاستغلال بحقّ السوريين في تركيا: قراءة سياسية-اجت ...
- مرثية الروح والظل


المزيد.....




- -فنزويلا ستشتري منتجات أمريكية الصنع فقط-.. ترامب يكشف تفاصي ...
- ترامب يوقع مذكرة انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية.. والبيت ال ...
- قوات حكومية تنتشر في عدن عقب اختفاء وعزل الزبيدي بتهمة -الخي ...
- ترامب يستعد لإعلان -مجلس السلام- بشأن غزة
- مصر.. تحرك حكومي لحل أزمة -الكلاب الضالة-
- ترامب: فنزويلا ستشتري المنتجات الأميركية مقابل بيع نفطها
- فيديو.. متظاهرون في طهران يستنجدون بترامب ويسمون شارعا باسمه ...
- حكومة غرينلاند تشارك في اجتماع بين روبيو ومسؤولين دنماركيين ...
- إذا استولى ترامب على -كل- نفط فنزويلا.. ماذا سيحدث لكوكب الأ ...
- هيئة البث: نتنياهو يبلّغ وزراءه بموافقة ترامب على مهاجمة لبن ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع الهيمنة الأمريكية؟