أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة














المزيد.....

فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 15:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست القضية في فنزويلا، ولا في شخص الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بحدّ ذاته، بقدر ما تكمن في الدلالة السياسية العميقة للصورة التي جرى تداولها على نطاق واسع، وما تحمله من رسائل تتجاوز الحدث الآني لتطال بنية النظام الدولي نفسه، ولا سيما في ما يتعلق بمفهوم السيادة وتحوّلاته، وانعكاس ذلك على إيران والشرق الأوسط.
في الأدبيات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، كانت السيادة تُفهم بوصفها سلطة عليا لا تقبل التجزئة أو الاختراق، تتمتع بحصانة قانونية، خصوصًا حين يتعلّق الأمر برؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم. غير أن العقود الأخيرة، منذ نهاية الحرب الباردة مرورًا بـ«الحرب على الإرهاب»، شهدت انتقالًا تدريجيًا من السيادة بوصفها مبدأً قانونيًا مطلقًا، إلى سيادة مشروطة بالقوة والاصطفاف والقدرة على الردع. في هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع الصورة المتداولة باعتبارها مجرد توثيق لواقعة أمنية، بل بوصفها تعبيرًا مكثفًا عن هذا التحول البنيوي في النظام الدولي، حيث باتت السيادة قابلة للتآكل، بل وللتجاوز العلني.
تُظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، جالسًا داخل فضاء عسكري مغلق، يرتدي سماعات واقية تُستخدم عادة في الطائرات أو السفن العسكرية، في وضعية جسدية توحي بالسيطرة الكاملة عليه. لا دماء، لا آثار اشتباك، ولا فوضى بصرية. المشهد منضبط، بارد، ومحسوب بدقة. الخلفية المعدنية والإضاءة القاسية تعزّزان الإحساس بالعزل الكامل عن العالم الخارجي. تعصيب العينين لا يحمل دلالة أمنية فقط، بل رمزية، إذ يُستخدم تاريخيًا لنزع الإرادة والسيطرة على الإدراك، بينما توحي السماعات بعزل سمعي كامل، أي بقطع الصلة بالزمان والمكان. أما غياب العنف الظاهر، فيعيد تأطير المشهد بوصفه عملية «منظمة» لا انتقامية، ما يمنحها شرعية شكلية في الخطاب السياسي، رغم افتقارها إلى أي غطاء قانوني دولي واضح.
بهذا المعنى، تؤدي الصورة وظيفة خطابية تتجاوز التوثيق، إذ تعمل كأداة سياسية بصرية تُعلن أن الحصانة السيادية لم تعد ضمانة قائمة بذاتها، وأن إخراج رأس السلطة من فضائه الوطني يمكن أن يتم بهدوء، ومن دون مشاهد صدامية، وبطريقة تجعل الأثر الرمزي أعمق من أي عمل عسكري مباشر. إنها رسالة مفادها أن السيادة لم تعد حدًا مانعًا، بل شرطًا قابلًا للتجاوز حين تختل موازين القوة.
من هذه الزاوية، لا تُقرأ الصورة في إيران بوصفها سقوط حليف، بل باعتبارها سابقة عملية تؤكد أن كسر السيادة لم يعد افتراضًا نظريًا، بل خيارًا مطروحًا في الممارسة السياسية الدولية. وهي رسالة مقلقة بعمق لطهران، لا لأنها تنذر بالانكسار أو الاستسلام، بل لأنها تؤكد فرضية راسخة في العقل الأمني الإيراني مفادها أن القانون الدولي لم يعد إطارًا ضابطًا للصراع، بل أداة انتقائية تُفعَّل حين تخدم ميزان القوة وتُهمَل حين تعيقه.
لكن الافتراض بأن مثل هذه الرسالة ستدفع إيران إلى التراجع أو الخضوع هو افتراض مضلل. التجربة التاريخية تشير إلى أن سياسات كسر الهيبة لا تنتج الانصياع، بل تُفضي في الغالب إلى مزيد من التحصّن والتصلّب. ومن المرجح أن ينعكس هذا الحدث، إن تأكد، في تعزيز موقع التيارات الأكثر تشددًا داخل بنية القرار الإيراني، وإضعاف أي خطاب براغماتي أو تفاوضي، ورفع منسوب الهواجس الأمنية، لا فتح مسارات جديدة للتسوية.
ولا تتوقف تداعيات هذا التحول عند إيران، بل تمتد مباشرة إلى حلفائها الإقليميين، ولا سيما في العراق و**لبنان** و**اليمن**. ففي هذه السياقات الهشّة أصلًا، تُقرأ الصورة بوصفها دليلًا إضافيًا على أن الدولة الضعيفة أو المنقسمة لا توفّر حماية حقيقية، وأن السيادة الشكلية لا تمنع الاستهداف. وبدل أن تؤدي مثل هذه الوقائع إلى تعزيز منطق الدولة، فإنها تُغذّي الاعتقاد بأن الردع غير الرسمي، والسلاح خارج مؤسسات الدولة، هما الضمانة الوحيدة للبقاء.
وهنا تتجلى المفارقة الأخطر: فبدل أن تعزّز هذه العمليات منطق القانون والمؤسسات، فإنها تُسرّع من تآكل السيادة في مناطق النزاع، وتدفع الفاعلين المحليين نحو مزيد من التشدد ورفض التسويات، وتحوّل السياسة إلى امتداد دائم لمنطق القوة. بهذا المعنى، لا تنقل الصورة الصراع من حالة إلى أخرى، بل ترفعه إلى مستوى أعلى من التوتر وعدم الاستقرار.
هي ليست صورة انتصار،
بل صورة إعلان مرحلة جديدة:
مرحلة يُقاس فيها الحق بالقدرة،
والسيادة بالقوة،
والقانون بما تسمح به موازين الردع.
إن خطورة هذه المرحلة لا تكمن في الحدث ذاته، بل في ما يفتحه من سوابق، وفي ما يرسّخه من منطق يُدار فيه العالم بالرسائل البصرية والضربات الرمزية، لا بالقواعد والمؤسسات. وهو مسار لا يُنذر بنظام دولي أكثر استقرارًا، بل بعالم أقل قابلية للتسويات، وأكثر انكشافًا على الصدام، ولا سيما في الشرق الأوسط حيث السيادة، منذ زمن، باتت مفهومًا متنازعًا عليه لا حقيقة راسخة.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تفقد الدولة سيطرتها على الفضاء العام ... حادثة البصرة نم ...
- من يملك الإكراه في العراق ؟ (2/2)
- وهم نزع السلاح في العراق (1/2)
- صومالي لاند في سياق النفاق البنيوي للنظام الدولي
- أوروبا تحت الضغط: من فشل الاندماج إلى تشديد القوانين على الد ...
- العراق ..... حين يصبح السؤال عن الحاكم بلا جدوى
- حين يستعيد العقل مكانته: تفكيك سلطة النص ومسارات النقد الدين ...
- من علي الوردي إلى قيس الخزعلي: حين يهاجم الوهمُ علمَ الاجتما ...
- العنف الشيعي والعنف السني: تشابهات عميقة خلف الانقسام المذهب ...
- عندما تتردد الدولة: قراءة في إلغاء قرار تجميد أموال حزب الله ...
- العراق بين الدولة والمحاور: خطوة جريئة قد تغيّر قواعد اللعبة
- كاظم الحائري، نظرية الكفاح المسلح، والانتظار المهدوي – قراءة ...
- لا يهم أن كنت فقيرًا في الدنيا… كيف تُستخدم اللغة الدينية لإ ...
- الحرب على الفرح في العراق: حين يتحوّل التحريم إلى مشروع سلطة
- «المسلم في أوروبا: قراءة في التوترات العميقة للاندماج»
- خطاب أحمد البشير: كيف تتحوّل السخرية إلى أداة لقراءة الواقع ...
- ظاهرة احمد البشير: كيف تحوّل الإعلام الساخر إلى قوة نقدية في ...
- الإعلام العراقي بعد 2003: كيف تغيّر المجال العام؟
- العراق 2025: تحليل نقدي لثبات المنظومة الحاكمة وحدود التغيير ...
- الجولاني في البيت الأبيض... نهاية زمن الشيطان وبداية زمن الت ...


المزيد.....




- -فنزويلا ستشتري منتجات أمريكية الصنع فقط-.. ترامب يكشف تفاصي ...
- ترامب يوقع مذكرة انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية.. والبيت ال ...
- قوات حكومية تنتشر في عدن عقب اختفاء وعزل الزبيدي بتهمة -الخي ...
- ترامب يستعد لإعلان -مجلس السلام- بشأن غزة
- مصر.. تحرك حكومي لحل أزمة -الكلاب الضالة-
- ترامب: فنزويلا ستشتري المنتجات الأميركية مقابل بيع نفطها
- فيديو.. متظاهرون في طهران يستنجدون بترامب ويسمون شارعا باسمه ...
- حكومة غرينلاند تشارك في اجتماع بين روبيو ومسؤولين دنماركيين ...
- إذا استولى ترامب على -كل- نفط فنزويلا.. ماذا سيحدث لكوكب الأ ...
- هيئة البث: نتنياهو يبلّغ وزراءه بموافقة ترامب على مهاجمة لبن ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - فنزويلا… صورة واحدة ونهاية وهم السيادة