أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة لضبط الاحتجاج الإيراني؟














المزيد.....

ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة لضبط الاحتجاج الإيراني؟


ليث الجادر

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 00:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تُقاس خطورة التصريحات السياسية بما تعلنه صراحة، بل بما تُضمِره من دلالات، وبالوظيفة التي تؤديها داخل السياق الذي تصدر فيه. من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائل إن الولايات المتحدة «ستتدخل إذا ما أطلقت أجهزة الأمن الإيرانية النار على المتظاهرين السنّة» بوصفه تهديدًا مباشرًا للنظام الإيراني، بقدر ما ينبغي قراءته كرسالة محسوبة تُوجَّه إلى الداخل الإيراني، وتؤدي عمليًا دورًا في إعادة ضبط الحراك الجماهيري لا في حمايته.
فترامب لم يقل «المتظاهرين الإيرانيين»، ولم يستخدم توصيفًا جامعًا للحراك بوصفه حركة احتجاج اجتماعي عابرة للهويات، بل لجأ إلى توصيف هوياتي ضيق يُخرج جزءًا من المحتجين من الإطار الوطني العام، ويعيد إدراجهم ضمن خانة طائفية محددة. هذه الصياغة ليست تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل مفتاح لفهم الوظيفة السياسية للتصريح، وما يحمله من أثر عملي يتجاوز نواياه المعلنة.
في لحظة تشهد فيها إيران احتجاجات ذات طابع معيشي–طبقي واضح، ناتجة عن تدهور مستويات العيش، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع الفجوة الاجتماعية، يأتي هذا الخطاب ليُعيد تأطير الغضب الشعبي لا بوصفه أزمة بنيوية في الاقتصاد السياسي الإيراني، بل كتوتر قابل للتفسير الطائفي. وبهذا المعنى، فإن التصريح لا يدعم الحراك، بل يعمل على تفتيته رمزيًا قبل أن يُفتَّت ميدانيًا.
إن الإشارة إلى «المتظاهرين السنّة» تحمل رسالة مزدوجة. فمن جهة، تُقدَّم ظاهريًا كتحذير موجَّه إلى النظام من مغبة القمع، لكنها من جهة أخرى تُرسل إشارة ضمنية إلى بقية المجتمع الإيراني بأن هذا الحراك قابل للاشتباه، ومُعرَّض للتأويل بوصفه حراكًا فئويًا أو جزئيًا، لا تعبيرًا عامًا عن أزمة وطنية شاملة. وهنا، تتحول لغة «الحماية» إلى أداة تشكيك داخلي، ويتحوّل التهديد الخارجي إلى عنصر يخدم السلطة بدل أن يقيّدها.
فالنظام الإيراني، الذي دأب على تصوير الاحتجاجات الاجتماعية بوصفها مؤامرات خارجية أو حركات انفصالية أو اضطرابات هوياتية، يجد في هذا التصريح مادة جاهزة لإعادة إنتاج سرديته الأمنية. وبدل أن يُحرج الخطاب الأميركي السلطة، فإنه يخفف عنها عبء مواجهة حركة احتجاج وطنية جامعة، ويمكّنها من إعادة فرز المتظاهرين، وإعادة تعريف الصراع على أسس غير اجتماعية وغير طبقية.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يسهم في تفكيك التضامن الطبقي العابر للهويات، وهو الشرط الأكثر تهديدًا لأي سلطة في لحظات الأزمات البنيوية. فحين يُدفع المحتجون إلى قراءة أنفسهم من خلال انتماءاتهم الطائفية أو الإثنية، يتراجع البعد الاجتماعي للصراع، وتُستبدل لغة الحقوق بلغة الهويات، وهي أرضية تجيد الأنظمة السلطوية التحرك فوقها.
من هنا، لا يبدو تصريح ترامب تعبيرًا عن رغبة في حماية المتظاهرين بقدر ما يبدو محاولة لتطويع الحراك واحتوائه رمزيًا. إنه خطاب لا يوفّر غطاءً للاحتجاج، بل يعيد توزيع المحتجين داخل خريطة انقسام تجعل تعميم قضيتهم أصعب، وتسهّل عزلهم أو تشويههم أو قمعهم لاحقًا. وبهذا المعنى، فإن الرسالة – بصيغتها هذه – لا تُقرأ كنصرة للحراك، بل كأداء سياسي يخدم استمرارية النظام عبر إضعاف خصمه الحقيقي: الجماهير حين تتوحد خارج القوالب الهوياتية.
مرةً أخرى، يقدّم دونالد ترامب، من خلال هذا الخطاب بالذات، مؤشرات موضوعية لا يمكن القفز عليها. فتصريح يُفكك الحراك الاحتجاجي على أساس هوياتي، ويمنح السلطة أدوات جاهزة لإعادة تأطيره أمنيًا، لا يمكن اعتباره تهديدًا للنظام الإيراني مهما حمل من لغة تحذيرية ظاهرية. وعلى العكس، فإن أثره السياسي العملي يصبّ في خدمة النظام عبر إضعاف حركة احتجاج اجتماعية خرجت أساسًا من رحم التدهور المعيشي والاختلال الطبقي.
وفي هذا السياق، لا يترك هذا الأداء سوى احتمالين لا ثالث لهما: إما أن ترامب يؤدي، بوعي أو من دونه، دور الحليف الوظيفي للنظام الإيراني عبر خطاب يُشتّت الاحتجاج ويعيد إنتاج سردية السلطة، أو أنه يتصرف بوصفه قائدًا يفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق السياسي، فتتحول تصريحاته إلى أدوات تفكيك للحراك بدل أن تكون وسائل ضغط على النظام. وفي الحالتين، لا تبدو هذه اللغة نصرة للمتظاهرين، بل جزءًا من آلية ضبطهم.



#ليث_الجادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترامب، وأداء الحليف للنظام الإيراني
- إقليم البصرة: حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى إدارة للانهيا ...
- ما هي فصائل الفراغ؟ تفكيك السلاح بلا مشروع في غزة
- غزة بعد تسليم الرهائن: توازنات هشة ومصير غامض
- حين يختزل الإعلام الجغرافيا: هل قصفت واشنطن داعش في نيجيريا؟
- غزة بين الفراغ الأمني واقتصاد الغاز: قراءة في منطق الثروة ال ...
- قطر وفصائل الفراغ: الفوضى كسلاح إقليمي ضد الخليج
- السلطة الفلسطينية والخليج: من صراع الشرعية إلى تقاسم غزة الض ...
- مصالح الدول في حماس: من أداة توازن قبل طوفان الأقصى إلى عنصر ...
- إعادة تدوير حماس: من مشروع التصفية إلى استراتيجية الاستيعاب
- إسقاط النظام السابق في العراق: ذروة الهيمنة الأميركية… ومنح ...
- العراق بين الكاتونات الإقليمية وجزر الفراغ السيادي: في الجغر ...
- الاستراتيجية الأمريكية: نزع الولاء لإيران، لا نزع سلاح الفصا ...
- لا تحوّل استراتيجي في إيران: تكتيكات تعبويّة لا أكثر
- بريطانيا: ملاذ الإخوان وسط تباين غربي يهدد التحالف الأنجلو-أ ...
- هل بدأ ينفذ صبر اليهود الإسرائيليين في الهرم السياسي الأمريك ...
- انتفاضة التقدميين: بيرني ساندرز ونادي القتال يقودان التمرد ا ...
- نسبه المعوزين للطعام في الولايات المتحده تتخطى ١٢، ...
- إيران تستعد لليوم الأسود: الرسالة التي لا تريد تل أبيب سماعه ...
- نداء إلى الشيوعيين العراقيين..استفيقوا ..أنها مجرد كبوه


المزيد.....




- ليلة رأس السنة على وقع المآسي: حوادث صادمة هزّت العالم على م ...
- قراءة في إعلان المجلس الانتقالي مرحلة انتقالية قبل استفتاء ل ...
- مريم عمير بطلة مسلسل -السردين- وباحثة في المحيطات
- بيانات تؤكد أن روسيا حققت في 2025 أكبر مكاسب ميدانية لها في ...
- حريق سويسرا: إيطاليا تعلن إصابة 13 من رعاياها وفقد 6 آخرين
- ماذا يعني إعلان الزبيدي عن مرحلة انتقالية لاستقلال الجنوب؟
- باحث سعودي: القوة العسكرية لن تحل الأزمة بجنوب اليمن
- عازف كمان يتهم ويل سميث بالفصل التعسفي والانتقام بعد بلاغ عن ...
- القلق عالي الأداء.. عدو يعمل في صمت بداخلك
- اليونيفيل تعلن تعرّض دوريتين لها بلبنان لنيران إسرائيلية


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليث الجادر - ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة لضبط الاحتجاج الإيراني؟