أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو














المزيد.....

العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو


كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

(Karam Nama)


الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 16:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العبث بوضاعة ليس مجرد سلوك عابر في العراق، بل هو اللغة الرسمية لصوص الدولة الذين لا يملكون سوى التهريج وسوء النية للتعبير عن أنفسهم. لذلك تراهم يتربصون بأي كلمة، يقتنصون أي جملة، ويحوّرون أي معنى ليستخدموه سلاحًا ضد من تبقى من الأصوات النظيفة.
وهذا بالضبط ما فعلته الأحزاب والميليشيات الحاكمة مع كلام البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، الرجل الذي بقي نموذجًا للعراقي المخلص لعراقيته وسط طبقة أوليغارشية وطائفية لا ترى في العراق سوى غنيمة.
لم يتوقف الكاردينال ساكو يومًا عن إدانة تقسيم العراقيين على أنفسهم، ولم يساوم على عراقيته التي وضعها فوق أي اعتبار ديني أو طائفي.
قبل عام، وفي قداس الميلاد ذاته، قال كلمته بوضوح وهو يواجه الطبقة السياسية الحاكمة مباشرة، بينما كان يجلس أمامه رئيس حكومة الإطار التنسيقي محمد شياع السوداني، وإلى جانبه عمار الحكيم، الرجل الذي يعاني من معضلة وطنية وأسرية في آن واحد.
يومها قال ساكو إن العراق مخطوف من قبل الميليشيات، وإن البلاد تعيش وضعًا صعبًا بسبب التغييرات الإقليمية والدولية، وإن الخروج من هذا المأزق يبدأ من العودة إلى الهوية الوطنية.
وفي كاتدرائية مار يوسف ببغداد، ذكّرهم بأن المنابر الدينية وجدت للصلاة والمحبة والرحمة، لا للعسكرة ولا لتسويق الفوضى. رجل الدين، كما قال، هو رجل الله، لا رجل الميليشيا. له كلمة أمام الظلم، نعم، لكن ليس ليصبح جزءًا من ماكينة سياسية ملوّثة.
ثم دعا إلى العودة إلى هويتنا الوطنية العراقية الجامعة، إلى المواطنة الكاملة، إلى المصالحة الحقيقية، إلى الدولة الحقيقية: دولة القانون والعدالة، لا دولة السلاح والولاءات المتعددة.
هذا العام، كرّر ساكو موعظته الأخلاقية، وكان السوداني والحكيم أيضا يجلسان قبالته في استعراض تلفزيوني مكشوف.
لكن هذه المرة قالها بوضوح أكبر: التطبيع يجب أن يبدأ بين العراقيين أنفسهم. قالها وهو يعرف أن هناك مليون مهجّر استولت الميليشيات على أراضيهم وبيوتهم، وأن هناك عددًا مماثلًا يعيشون في هجرة دائمة بعد أن دُمّرت منازلهم.
قالها وهو يعرف أن مدنًا كاملة طُرد أهلها منها، وأن متنفذين استولوا على عقارات العراقيين بذرائع شتى.
قالها لأنه يعرف أن العراق لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى إعادة تطبيع الحياة نفسها.
لكن ما إن نطق الكاردينال بكلمة “التطبيع” حتى انطلقت ماكينة التضليل. الميليشيات التي تعرف جيدًا أنها المقصودة، سارعت إلى حرف المعنى وتحويله إلى “التطبيع مع إسرائيل”. لم يكن ذلك سوء فهم، بل سوء نية متعمد. كان الهدف واضحًا: إسكات صوت يذكّرهم بأن الخراب الذي يعيش فيه العراقيون ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لسلطتهم. ما يثير غضب الأحزاب والميليشيات الطائفية ليس كلمة “التطبيع” بحد ذاتها، بل وجود رجل دين عراقي لا يشبههم.
في بلد تحوّل فيه رجال الدين إلى أدوات تعبئة، ومقاولين للولاء، ومسوّقين للطائفة، يظهر الكاردينال لويس روفائيل ساكو كنموذج نادر، يكاد يكون شاذًا عن القاعدة: رجل دين عراقي قبل أن يكون أي شيء آخر. هذا النموذج غير مقبول في عراق اليوم. غير مقبول لأن رجل الدين، في عرف الطوائف، يجب أن يكون تابعًا، لا مستقلاً. يجب أن يكون جزءًا من ماكينة التحريض، لا صوتًا للضمير. يجب أن يبارك السلاح، لا أن يدين عسكرة المنابر. يجب أن يصفّق للميليشيا، لا أن يذكّرها بأن العراق ليس ملكًا لها.
ساكو بقي مخلصًا لعراقيته، وهذه جريمة كبرى في بلد قُسّم فيه العراقي على نفسه، وصار الانتماء الوطني تهمة، والولاء الخارجي فضيلة. لذلك كان لا بد من تشويه كلامه، لا بد من العبث بمعناه، لا بد من تحويل دعوته إلى “التطبيع بين العراقيين” إلى تهمة جاهزة: التطبيع مع إسرائيل.
المفارقة المضحكة المبكية أن الأحزاب والميليشيات التي صرخت ضد “التطبيع” هي نفسها التي لا تمتلك قرارها السياسي، ولا حتى قرار سلاحها. تتحدث عن إسرائيل لأنها لا تستطيع أن تتحدث عن نفسها. تصرخ في الهواء لأنها عاجزة عن مواجهة الحقيقة التي قالها ساكو: أن العراق يحتاج إلى مصالحة داخلية، لا إلى شعارات خارجية.
الميليشيات التي تتهم الآخرين بالتطبيع هي نفسها التي: تطبع يوميًا مع الفساد. تطبع مع تهجير العراقيين. تطبع مع سرقة العقارات. تطبع مع تحويل الدولة إلى مزرعة للخرافة الطائفية. تطبع مع الولاءات العابرة للحدود لكنها لا تطبع مع الحقيقة. ولا تطبع مع النقد. ولا تطبع مع رجل دين يذكّرها بأن العراق ليس ساحة لتجاربها.
لذلك كان لا بد من تحويل كلمة ساكو إلى معركة مفتعلة. فالميليشيات لا تعيش إلا على المعارك الوهمية. ولا تستمد شرعيتها إلا من خلق عدو جديد كل يوم.
واليوم كان العدو هو كلمة “التطبيع” التي قالها رجل دين يعرف جيدًا أن العراق يحتاج إلى إعادة تطبيع الحياة نفسها قبل أي شيء آخر.
ما قاله ساكو لم يكن سياسيًا بقدر ما كان صرخة أخلاقية في وجه طبقة سياسية فقدت أي صلة بالأخلاق. كان يقول لهم ببساطة: أعيدوا العراق إلى نفسه. أعيدوا الناس إلى بيوتهم. أعيدوا الدولة إلى القانون. أعيدوا السياسة إلى معناها.
لكن هذا الكلام لا يناسب من بنى نفوذه على الخراب. ولا يناسب من يرى في العراق مجرد مساحة نفوذ، لا وطنًا.
ولا يناسب من يخاف من أي صوت يذكّره بأن السلطة ليست قدرًا، وأن الميليشيا ليست دولة، وأن الطائفة ليست هوية.
لذلك سيبقى ساكو نموذجًا نادرًا، وربما مزعجًا، لكنه النموذج الذي يحتاجه العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى.



#كرم_نعمة (هاشتاغ)       Karam_Nama#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرح عميق في ذاكرة العراق
- لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لاتستحق
- حين تُفتي الآلة ويصمت الفقيه
- صندوق أكاذيب البصرة
- مكابرة دنزل واشنطن على السنين والثراء
- من يملك الإعلام العراقي؟ الجواب سهل!
- الملهم غوارديولا.. أخلاقي عندما يتعلق الأمر بفلسطين
- إحسان الإمام يعيد نبض القلوب
- عفيفة إسكندر وشهد الراوي
- المعادل الطائفي في العراق
- الحقيقة المؤجلة عند الشريان وقطيش
- زمن النسيان العام
- باب انتخابي دوّار لا يفضي إلى وطن
- المستقبلية في ألحان كاظم الساهر
- بغداد تتفوق على برافدا في الخيال السياسي
- تونس مختبر الذاكرة
- أينتصر القلم على محفظة النقود؟
- دوخي المفقود في تقاسيم الصبا
- فؤاد التكرلي بين حافظ والعناني
- موعد مع أخطبوط!


المزيد.....




- ليلة رأس السنة على وقع المآسي: حوادث صادمة هزّت العالم على م ...
- قراءة في إعلان المجلس الانتقالي مرحلة انتقالية قبل استفتاء ل ...
- مريم عمير بطلة مسلسل -السردين- وباحثة في المحيطات
- بيانات تؤكد أن روسيا حققت في 2025 أكبر مكاسب ميدانية لها في ...
- حريق سويسرا: إيطاليا تعلن إصابة 13 من رعاياها وفقد 6 آخرين
- ماذا يعني إعلان الزبيدي عن مرحلة انتقالية لاستقلال الجنوب؟
- باحث سعودي: القوة العسكرية لن تحل الأزمة بجنوب اليمن
- عازف كمان يتهم ويل سميث بالفصل التعسفي والانتقام بعد بلاغ عن ...
- القلق عالي الأداء.. عدو يعمل في صمت بداخلك
- اليونيفيل تعلن تعرّض دوريتين لها بلبنان لنيران إسرائيلية


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كرم نعمة - العبث الميليشياوي بكلام الكاردينال ساكو