أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - جعفر حيدر - الفصيلة














المزيد.....

الفصيلة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 15:10
المحور: حقوق الانسان
    


تُعدّ “الفصلية” واحدة من أكثر العادات العشائرية إثارة للجدل في التاريخ الاجتماعي العراقي، وهي ممارسة تقوم على منح امرأة من عشيرة المعتدي إلى عشيرة المعتدى عليه كنوع من التعويض البشري عن الدم أو الأذى أو القتل الذي حصل، وقد ظهرت هذه الظاهرة في سياقات اجتماعية قديمة كانت تعتمد فيها القبائل على مبدأ الردع والتوازن بين القوى، حيث كانت المرأة تُقدَّم بوصفها ضمانة لوقف الثأر، أو وسيلة لربط العشيرتين بعلاقة مصاهرة تضمن عدم تجدد النزاع، إلا أن هذه الممارسة، رغم جذورها التاريخية، تحمل أبعادًا معقدة تكشف طبيعة المجتمع القبلي الذي يضع قيمة العشيرة فوق قيمة الفرد، ويعتبر المرأة جزءًا من منظومة الشرف والدم، وليس ككيان مستقل له إرادته وحقوقه، ولذلك كانت الفصلية تُفرض على المرأة قسرًا باعتبارها “ثمنًا” لدمٍ أُريق أو لضرر وقع، فيتحول جسدها وحياتها ومستقبلها إلى وسيلة لتعويض خطأ لم ترتكبه، وهذا ما يجعل الفصلية من أكثر الممارسات التي تضع المرأة في موقع الظلم الاجتماعي الصارخ، حيث تعيش حياتها في بيت العشيرة الأخرى تحت ضغط نفسي واجتماعي كبير، وغالبًا تُعامل بريبة أو تحفظ لأن وجودها ليس قائمًا على رغبة الزواج وإنما على حكم عشائري يراد منه إنهاء الخصومة، ومع ذلك فقد استمرت هذه الظاهرة في بعض مناطق العراق بسبب القوة الكبيرة للأعراف القبلية، وضعف الدولة، ووجود قناعة لدى بعض الشيوخ بأن الفصلية تمنع سفك الدماء وتحمي المجتمع من سلسلة طويلة من الثأر، لكن هذا التبرير رغم وجاهته من زاوية الأمن الاجتماعي، يبقى غير إنساني لأنه يجعل المرأة وسيلة لحل النزاعات بدل أن تكون شخصًا له حقوقه الكاملة، كما أن الفصلية تكشف جانبًا ثقيلًا من الذهنية الذكورية التي تربط الشرف بالمرأة، وتعتبرها جزءًا من “ملكية” العشيرة، مما يجعل مصيرها مرتبطًا بمكانتها داخل السلالة لا بكرامتها كإنسانة، وقد حاولت الدولة العراقية في مراحل مختلفة منع هذه الظاهرة وتجريمها، خاصة بعد تطور القوانين المدنية وانتشار مفاهيم حقوق الإنسان، لكن بعض المناطق الريفية أو العشائر ذات النفوذ بقيت تمارسها بشكل غير علني بسبب إيمانها بأن القانون الرسمي عاجز أحيانًا عن حل النزاعات بالسرعة التي يوفرها العرف القبلي، ومن هنا تظهر الإشكالية الكبرى بين القانون والعرف؛ فالعرف يرى أن الفصلية تحل المشكلة فورًا وتُنهي الدم، بينما القانون يعتبرها انتهاكًا لكرامة المرأة وإلغاءً لحريتها، ومع تطور الوعي الاجتماعي وانفتاح الجيل الجديد بدأت الأصوات ترتفع ضد هذه الظاهرة التي تُعدّ شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر، وبدأت كثير من العشائر تتخلى عنها تدريجيًا وتحاول استبدالها بتعويضات مالية أو صلح عشائري مكتوب دون المساس بحياة النساء، ومع ذلك فإن التخلص الكامل من الفصلية يحتاج إلى وجود دولة قوية، وقضاء فعّال، وتعليم متقدم، ووعي جماعي يحترم كرامة المرأة ويجعل حل النزاعات قائمًا على العدالة وليس على تقديم الضحية البريئة، وهكذا يمكن القول إن الفصلية ليست مجرد عرف عشائري بسيط، بل هي مرآة تكشف حالة الصراع بين الحداثة والتقليد، وبين عقلية الماضي وقيم الحاضر، وهي واحدة من القضايا التي ستستمر بالظهور كنقطة خلافية في المجتمع العراقي حتى يترسخ مفهوم أن المرأة ليست ثمنًا للدم ولا أداة لترميم العلاقات بين العشائر، بل هي إنسانة يجب أن تُعامل كعضو مستقل لا يتحمل وزر أخطاء غيره مهما كانت الظروف.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تط ...
- ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة
- رجال الدين والسلطة
- مجازر لبناء المستقبل


المزيد.....




- منسقية النازحين واللاجئين: الوضع الإنساني بالسودان كارثي.. و ...
- منخفض جوي يعصف بخيام النازحين في غزة وتحذيرات من موجة قطبية ...
- كاتبة بغارديان: ليس من مهام إعلام أميركا الإشادة باعتقال ماد ...
- الشتاء يطارد غزة: خيام تغرق في الأمطار.. وبرد قارس ينهش أجسا ...
- عدد طالبي اللجوء انخفض بنسبة 30 بالمئة العام الماضي
- موسكو واعتقال مادورو.. خسارة جيوسياسية أم صفقة مع واشنطن؟
- سوريا.. اعتقال قيادي كبير في تنظيم داعش
- السوداني: عملنا على إنهاء مهمتي التحالف الدولي وبعثة الأمم ا ...
- الأمم المتحدة تدين -الفصل العنصري- الإسرائيلي: -الأبارتايد- ...
- محكمة سويسرية تقضي بعدم قانونية اعتقال ناشط مؤيد للفلسطينيين ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - جعفر حيدر - الفصيلة