أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - الاحتجاجات الإيرانية: حين يهتز الداخل وتتقاطع خرائط النفوذ في العراق والمنطقة















المزيد.....

الاحتجاجات الإيرانية: حين يهتز الداخل وتتقاطع خرائط النفوذ في العراق والمنطقة


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 15:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تعود الاحتجاجات الشعبية في إيران إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي، ليس باعتبارها حدثًا داخليًا معزولًا، بل بوصفها تعبيرًا متجددًا عن أزمة بنيوية تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والشرعية بالأمن، والداخل بالخارج. فالمظاهرات التي اندلعت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع كلفة الحياة لا يمكن قراءتها بوصفها رد فعل اقتصادي صرف، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاحتقان الاجتماعي الذي لم تُفلح الدولة الإيرانية، رغم أدواتها الأمنية الصارمة، في تفكيك أسبابه أو احتوائه جذريًا.
ما يلفت الانتباه في هذه الجولة من الاحتجاجات هو خروجها مجددًا من مركز العاصمة إلى الأطراف، حيث المحافظات الريفية والمدن الأقل حظًا من التنمية، وهي مناطق غالبًا ما تكون أقل حضورًا في الحسابات السياسية، وأكثر عرضة للضغط الاقتصادي المباشر. وفي مثل هذه البيئات، يتحول الغضب بسرعة من شكوى معيشية إلى مواجهة مفتوحة، لا سيما حين يقترن بالقمع وسقوط الضحايا. وقد أعاد تسجيل قتلى خلال الأيام الأولى للاحتجاجات إلى الأذهان سيناريوهات مألوفة في التجربة الإيرانية، حيث يشكل الدم عتبة نفسية وسياسية فاصلة، تنقل المشهد من الاحتجاج المحدود إلى أزمة مفتوحة على احتمالات متعددة.
في هذا السياق المتوتر، لم يتأخر التفاعل الدولي، وبخاصة الأميركي، في الظهور. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن "الاستعداد للتحرك" في حال قُتل متظاهرون، وما تبعها من تحذيرات إيرانية من مغبة أي تدخل خارجي، أعادت إنتاج خطاب الصراع التقليدي بين طهران وواشنطن. غير أن هذا التراشق السياسي، على حدته الإعلامية، لا يغير كثيرًا من جوهر الأزمة، بل قد يسهم في تعقيدها، إذ يمنح السلطة الإيرانية ذريعة مألوفة لربط الاحتجاجات بمؤامرات خارجية، ويضعف في الوقت نفسه قدرة الشارع على فرض مطالبه بوصفها مطالب داخلية مشروعة.
لكن الاحتجاجات الإيرانية، مهما كان مسارها أو مآلها، لا تقف عند حدود الجغرافيا الوطنية. فإيران ليست دولة عادية في محيطها، بل لاعب إقليمي ثقيل التأثير، وأي اهتزاز في داخلها ينعكس، بدرجات متفاوتة، على الدول المرتبطة بها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وفي مقدمتها العراق. ومن هنا، فإن قراءة المشهد الإيراني بمعزل عن انعكاساته على العراق تبدو قراءة ناقصة، تتجاهل تشابك المسارات بين البلدين.
لقد شكّل العراق، منذ عام 2003، إحدى الساحات الأساسية للنفوذ الإيراني في المنطقة. هذا النفوذ، الذي تعزز في ظل الفراغات الأمنية والسياسية، لم يكن مجرد علاقة جوار أو تعاون ثنائي، بل تحوّل تدريجيًا إلى حضور عميق في مفاصل القرار السياسي، وفي بنية الأمن، وفي قطاعات اقتصادية حيوية. وعلى مدى سنوات، استطاعت طهران إدارة هذا النفوذ بكفاءة نسبية، مستفيدة من استقرارها الداخلي مقارنة بجيرانها، ومن قدرتها على توظيف أدوات متعددة، رسمية وغير رسمية.
غير أن أي اضطراب داخلي في إيران يضع هذه المعادلة تحت الاختبار. فالدولة التي تواجه ضغوطًا اقتصادية خانقة، واحتجاجات متكررة، وتراجعًا في ثقة قطاعات واسعة من شعبها، تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: إلى أي مدى تستطيع إيران الاستمرار في تحمّل كلفة نفوذها الخارجي، في وقت تتزايد فيه كلفة ضبط الداخل؟
بالنسبة للعراق، تفتح هذه اللحظة نافذة دقيقة، لكنها ليست بالضرورة واسعة. فضعف إيران النسبي، إن حصل، لا يعني تلقائيًا تراجع نفوذها في العراق، لكنه قد يحدّ من قدرتها على إدارة هذا النفوذ بالزخم ذاته، أو على فرضه من دون كلفة سياسية. وهذا يضع القوى العراقية، ولا سيما تلك المرتبطة بطهران، أمام معادلة جديدة: إما الاستمرار في الارتهان لمحور يواجه أزماته الخاصة، أو البدء بإعادة تموضع تدريجي يراعي المتغيرات الداخلية العراقية قبل الحسابات الإقليمية.
في المقابل، يواجه العراق نفسه اختبارًا لا يقل صعوبة. فالبلد الذي شهد احتجاجات واسعة في تشرين 2019، رفعت شعارات واضحة ضد الفساد والتدخلات الخارجية، لم ينجح حتى الآن في ترجمة تلك اللحظة إلى إصلاحات بنيوية حقيقية. وما زالت الدولة العراقية، رغم كل التغييرات الشكلية، تعاني من هشاشة القرار، ومن تضارب الولاءات، ومن اقتصاد ريعي عاجز عن امتصاص الأزمات.
إن الاحتجاجات الإيرانية، في هذا المعنى، تشكل مرآة مزدوجة للعراق: فهي تذكير بمخاطر الاعتماد على توازنات خارجية غير مستقرة، وتحذير من أن القمع وحده لا يصنع استقرارًا دائمًا، لا في طهران ولا في بغداد. كما أنها تضع النخب العراقية أمام سؤال مؤجل منذ سنوات: هل العراق دولة ذات مشروع وطني مستقل، أم ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين؟
دوليًا، يتعامل الغرب مع الاحتجاجات الإيرانية بحذر واضح. فبينما تتصاعد لغة الإدانة والدعوة إلى احترام حقوق الإنسان، يبقى القلق من سيناريو الانفلات حاضرًا بقوة. فإيران، على خلاف دول أخرى شهدت انهيارات سريعة، تمسك بخيوط توازنات إقليمية حساسة، وأي زعزعة غير محسوبة قد تطلق موجات اضطراب تمتد من الخليج إلى بلاد الرافدين. وهذا ما يفسر تردد المجتمع الدولي في الذهاب بعيدًا في الضغط العملي، والاكتفاء في الغالب بخطاب سياسي لا يغيّر موازين القوى على الأرض.
في المحصلة، لا تبدو الاحتجاجات الإيرانية مقدمة لتغيير وشيك في بنية النظام، لكنها بالتأكيد مؤشر على تصدع مستمر في معادلة الحكم القائمة على الأمن وحده. وهي في الوقت ذاته رسالة إلى دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، بأن الاستقرار القائم على القمع أو على النفوذ الخارجي هو استقرار هش، قابل للاهتزاز عند أول اختبار جدي.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل تلتقط طهران هذه الإشارات فتذهب إلى مراجعة داخلية تقلل من كلفة الاحتقان، أم تستمر في إدارة الأزمات بالمنطق ذاته، مؤجلة الانفجار إلى وقت لاحق؟ وبموازاة ذلك، هل يمتلك العراق شجاعة تحويل التحولات الإقليمية إلى فرصة لبناء توازن أكثر استقلالية، أم يكتفي مرة أخرى بدور المتلقي لتداعيات أزمات الآخرين؟
في عالم مضطرب، لا يبدو أن الأزمات المؤجلة تختفي من تلقاء نفسها، بل تعود في كل مرة بصورة أكثر تعقيدًا، وأشد كلفة، على الداخل أولًا، وعلى الجوار ثانيًا.



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الدستور والتوافق.. العراق يودّع 2025 على عتبة اختبار الد ...
- حراك اقتصادي غير مسبوق: إعادة تشكيل المالية الريعية العراقية
- إقليم البصرة.. سؤال الثروة والدولة في لحظة عراقية حرجة
- كهرباء العراق.. حين يتحول الغاز الإيراني إلى مفتاح العتمة
- الدولة أولاً.. والسلاح أخيراً
- بعد نكسة 2025: هل يمتلك التيار الديمقراطي العراقي شجاعة المب ...
- العراق بعد إسدال ستار التفويضات
- هل يحتاج العراق إلى مزيد من الأحزاب؟
- صراع المناصب يضع العراق أمام معادلة حاسمة
- بعثة الأمم المتحدة في العراق.. ماذا أنجزت فعليًا؟
- العلاقات الأميركية - العراقية بين اختبار السيادة وحدود الشرا ...
- اقتصادٌ مُنهك يبحث عن إدارة رشيدة: قراءة في أزمات العراق الم ...
- بين تعقيدات الداخل وضغوط الخارج.. الحكومة المقبلة على مفترق ...
- نون العراق.. حين يفتح المعرض بوابة الضوء
- المخدرات في العراق.. حين يتحوّل الخطر الصامت إلى تهديد وطني ...
- البلاد التي يعلو فيها صوت الخوف
- ماذا يراد من الكاظمي؟..
- رونگ سايد: خروج القوات الاجنبية
- رونگ سايد: گەندەڵ في ديوان العشيرة
- رونگ سايد: گەندەڵ بغداد


المزيد.....




- ليلة رأس السنة على وقع المآسي: حوادث صادمة هزّت العالم على م ...
- قراءة في إعلان المجلس الانتقالي مرحلة انتقالية قبل استفتاء ل ...
- مريم عمير بطلة مسلسل -السردين- وباحثة في المحيطات
- بيانات تؤكد أن روسيا حققت في 2025 أكبر مكاسب ميدانية لها في ...
- حريق سويسرا: إيطاليا تعلن إصابة 13 من رعاياها وفقد 6 آخرين
- ماذا يعني إعلان الزبيدي عن مرحلة انتقالية لاستقلال الجنوب؟
- باحث سعودي: القوة العسكرية لن تحل الأزمة بجنوب اليمن
- عازف كمان يتهم ويل سميث بالفصل التعسفي والانتقام بعد بلاغ عن ...
- القلق عالي الأداء.. عدو يعمل في صمت بداخلك
- اليونيفيل تعلن تعرّض دوريتين لها بلبنان لنيران إسرائيلية


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - الاحتجاجات الإيرانية: حين يهتز الداخل وتتقاطع خرائط النفوذ في العراق والمنطقة