أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - خمسة أسابيع في دمشق 2















المزيد.....



خمسة أسابيع في دمشق 2


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 22:56
المحور: الادب والفن
    


11
مساء اليوم التالي لوصولي للشام، حمل لي مفاجأة جميلة. صديقي القديم، أحمد حسو، اتصل بي كي يُخبرني أنه في سيارة الأجرة مع زوجته، وطلب مني عنوان منزل شقيقتي. صديقنا ( وهوَ من مدينة عامودا )، تعرفتُ عليه في مبتدأ الثمانينات، حينما كانَ يدرسُ طب الأسنان في جامعة دمشق. إلا أن دراسته قطعت، بسبب نشاطه السياسي المعارض، وما لبث أن أعتقل عقب عودته من بيروت، ليحكم عليه بالسجن عامين مع تجريده من الحقوق المدنية. عقبَ خروجه من السجن، انتقلَ إلى ألمانيا، ومن ثم عمل كإعلامي في الإذاعة الناطقة بالعربية. زوجته، هيَ السيدة لاريسا بندر، المترجمة المعروفة، التي نقلت للألمانية مؤلفات عددٍ من الروائيين العرب والسوريين؛ ومنهم الراحل خالد خليفة، الذي أطلق عليها لقب " خاتون: الأميرة! ".
وبالطبع، كانَ لقاؤنا حميماً عقبَ فراقٍ دامَ عدة عقود. بعدئذٍ رافقتهما في سيارة الأجرة إلى حي مساكن برزة، المجاور، أينَ امتلكا هناك شقة جميلة. قلت لهما، أنني سبقَ وعرفتُ هذه المنطقة الراقية، التي كانَ يقيم فيها المخرج الراحل بسام الملا: " صديقنا بشار، كانَ في بعض الأحيان يدعونا للسهر في شقة شقيقه، حينما يكون هذا الأخير على سفر "
" الصديق زهير، أيضاً يقيم هنا في الجوار، وسأتصل به حالاً كي يأتي "، قال لي أحمد. كانَ يتكلم عن الفنان المبدع، زهير حسيب، وكنتُ قد تعرفت عليه بأواسط الثمانينات بعد انهائه للدراسة بكلية الفنون الجميلة، وارتبطنا بصداقة قوية. وها هوَ يأتي سريعاً برفقة زوجته، التي سبق أن عرّفني عليها، حينما كانت بعدُ خطيبته، وذلك أثناء حضوري لمعرضه الأول عام 1987. في هذه السهرة المبهجة، فضّلتُ شربَ عرق " الريان "؛ وهذا سيكون مألوف عادتي طوال اقامتي بالشام، بالنظر لحرماني منه في غربتي. أما الأصدقاء، فتناولوا البيرة المستوردة، بعدما منعَ النظامُ الجديد تصنيعَ البيرة المحلية!
في صباح اليوم التالي، خابرني الصديق أحمد: " ما رأيك بجولة في حي الصالحية، لكي نتعرّف على أوابد أسلافنا الأيوبيين؟ ". هكذا جولة، كنتُ قد قمتُ بها في أواسط الثمانينات، برفقة صديق من الحارة؛ هوَ الراحل حسام جانبكلي، الذي درسَ التاريخ في جامعة دمشق. الصديق حسام، أحضرَ إذاك الكاميرا، ليلتقط بها من ثم عدداً كبيراً من الصور للأوابد الكردية، الأيوبية والعثمانية. فيما بعد، ربما عام 1994، نشرت لي مجلة " سورغول: Sorgul "، التي كانت تصدر في بيروت، مقالة طويلة بعنوان " جولة في دمشق صلاح الدين "، متضمنة بعضَ تلك الصور. مع الأسف، فإن صديقنا حسام سيكون أحد ضحايا هجوم جبهة النصرة على منطقة عدرا العمالية، الذي جدّ عام 2013.
تواعدتُ والصديق أحمد على اللقاء، ثمة أمام مدخل مقام وجامع ركن الدين منكورس. كوني غفلتُ أن للمقام ثلاثة مداخل، فإنني تأخرتُ قليلاً عن الموعد. هكذا بدأنا بالمقام، حيث تكفّل رفيقُ الجولة بأخذ الصور بموبايله. ولأن الحي تغيّر كثيراً عليّ، كانَ لا بد أن أسأل الناس عن مدخل سوق الجمعة، الواصل بين ركن الدين والصالحية. في حقيقة الحال، أنهما كانا حياً واحداً، حتى لقد عُرف حينا في كتابات المؤرخين والرحالة، ب " صالحية الأكراد ". نواة ذلك الحي، كانَ في المنطقة الممتدة بين مقام ركن الدين منكورس ومقام الصاحبة. هذا الأخير، يضم ضريحَ ربيعة خاتون، شقيقة صلاح الدين، وكان مغلقاً بسبب أعمال الترميم.
سوق الجمعة، وهوَ أكبر أسواق دمشق خارج الأسوار، كانَ كمألوف العادة، حافلاً بالمتسوقين، الذين يشترون الخضار والفاكهة واللحوم وغيرها من المواد الغذائية. على ذلك، فإن ملامحَ الباعة كانَ يظهر عليها علاماتُ الاستغراب، عندما كنا نسألهم عن الأوابد الأثرية وليسَ عن سلعهم المعروضة.

12
ذكرتُ فيما مضى، أن حيّنا كانَ يدعى " صالحية الأكراد " على لسان المؤرخين والجغرافيين والرحّالة. إنما على الأرجح، أن هذه التسمية لم تكن تشمل الحي بصورته الحالية، أو على الأقل، كما كان حاله حتى أواسط خمسينات القرن الفائت. فالقسم الأعظم من الحي، الممتد بين ساحة شمدين ومستشفى ابن النفيس، نشأ تدريجياً بفعل هجرات الكرد من بلادهم في خلال العهد العثماني، وخاصة في القرنين الأخيرين من ذلك العهد. يُستدل على ذلك، باقتصار وجود الأوابد الأيوبية في الحي على مقام ركن الدين منكورس ومقام الأكراد الأيوبية. فيما أن أكثر مساجد الحي، تعود للعهد العثماني. كذلك الأمر، فيما يتعلق بالمنازل العريقة، الأشبه بالقصور، التي سكنتها أسر أعيان الكرد العسكريين والموظفين؛ كآل شمدين وأجليقين وبوظو وزلفو وغيرهم.
مقام الأكراد الأيوبية، مررنا به في مستهل الجولة، وكان مغلقاً. تعلو المقام قبة جميلة من الطراز الأيوبي، قد صبغت باللون الأخضر. سألني الصديق أحمد، مبتسماً: " أليسَ صاحبُ المقام، هوَ من أخرجَ قدمه من القبر، حينما شاءَ أحدهم أن يشتمَ الكرد؟ "
" نعم، وقد بقيت قدمُ الولي، المدعو Pembo baba ،الملفوفة بالقطن، شاهدة على المعجزة المزعومة، بحيث أن الحجاج الأتراك والآسيويين عندما كانوا يسافرون للحجاز عن طريق دمشق، اعتادوا زيارة المقام ونثر المال طلباً للشفاعة أو للشفاء "، أجبته فيما كنتُ ألقي نظرة على حديقة المقام. لكنني تذكّرتُ فيما بعد معلومة أخرى، بشأن لغز هذا المقام، وهيَ أنّ صاحبه قد يكون النبي ذو الكفل، شفيع السلطان صلاح الدين. أعتقد أنني قرأت هذه المعلومة في كتاب عن حي الأكراد، للمؤلف وداد الفقير؛ وكانت عبارة عن أطروحة جامعية، تعود لمنتصف القرن المنصرم.
الصالحية، التي كنا نسيرُ في قلبها النابض بالحركة والحياة، سوق الجمعة، عُرفت ب " حي المدارس " من لدُن الباحثين. فإن كل مقام هنا، كان بالأساس يتعهّد تدريسَ الطلبة الفقهَ والعلومَ المختلفة، فيُنفق على مسكنهم وحاجاتهم بفضل الوقف المنذور له. وبحسب الباحثين أيضاً، أن صلاح الدين كانَ أول من أدخل المدارس إلى الشام. وهذا بيّنٌ من حقيقة، أنّ معظم المدارس في الصالحية وأحياء دمشق الأخرى، إنما تعود لعهد بني أيوب. بل إن ملوكهم ( وأيضاً أميراتهم )، أوصوا بأن يُلحدوا في تلك المدارس، التي ستعرف غالباً بأسمائهم: فصلاح الدين، دفن بالمدرسة العزيزية؛ شقيقه الملك العادل، دفن في المدرسة العادلية؛ شقيقتهما، ربيعة خاتون، دفنت في مدرسة الصاحبة ( وهوَ لقبها )؛ شقيقتهما الأخرى، ست الشام خاتون، دفنت بالمدرسة الشامية.. والقائمة تطول ولا ريب.
اختتمنا جولتنا في منطقة العفيف، التي تشكّل حداً بين الصالحية والمهاجرين. انحدرنا إذاً نحو مركز المدينة، مروراً بأحد أقدم حمّامات الشام؛ المعرّف باسم ابن المقدّم، أحد قادة جيش صلاح الدين. في هذا الشأن، يجب التذكير بحمّام آخر من العهد الأيوبي، حمّام ابن النحّاس، وكانَ قائماً في حي الأكراد بالقرب من جسر النحّاس، إلا أنه انذثرَ في عهدٍ ما ولسببٍ غير معلوم. إلا أنني أرجّحُ أن ذلك جرى في عهد البعث البائد، الذي أجهزَ على العديد من الأوابد بحجة توسيع المدينة وفتح الشوارع الحديثة. أستدلُ على ذلك، من حادثة تناقلها أبناءُ الحي جيلاً بعدَ آخر. ففي بداية الستينات، تم شق الشارع المتصل بين ساحة الشهبندر وساحة شمدين. فوجدت البلدية أن المقام، المعروف ب " ستّي حفيظة "، قد غدا عائقاً لامتداد الشارع؛ فأرادوا إزالته. عند ذلك، هب أبناءُ الحي لمنع البلدية من إزالة المقام، وكانوا يجلّون صاحبته واعتادوا اقامة سيران النيروز في بقعته الخضراء. على الأثر، تركت البلدية المقامَ وشأنه، بأن جعلته مركزاً لساحة ستُعرف باسم " الميسات "؛ لوجود أشجار المَيْس بكثرة في المكان.

13
" مقهى الروضة "، هوَ أيضاً قد غدا من معالم دمشق، بالأخص لموقعه في قلب المدينة التجاري؛ بوابة الصالحية. قبل هجرتي من الوطن، قلّما كنتُ أرتاد المقاهي. إذ لم أكن من هواة لعب الورق أو طاولة النرد، ولا من مدخني النرجيلة ( الشيشة ). منذ زمن المراهقة، حينما أكون مع أصدقائي في المقهى، كانوا يحاولون عبثاً أن أجاريهم في التدخين. لكنني فعلتُ ذلك بعد سن الأربعين، وكنت عندئذٍ في زيارة لمدينة الاسكندرية. ومن شقيقتها الكبرى، القاهرة، أشتريتُ نرجيلة متوسطة الحجم، ذات ألوان زاهية، واصطحبتها معي إلى السويد. فيما بعد، بتعرفي على المغرب، أضحيتُ من رواد مقاهي الشيشة، الكائن معظمها في حي غيليز، الراقي.
وإذاً، لم يكن غريباً أن يخالجني الابتهاج لما اقترحَ الصديقُ أحمد أن نمضي إلى مقهى الروضة. ذلك جدّ، عقبَ نهاية جولتنا عبر المعالم الأيوبية في حي الصالحية. في أثناء انحدارنا خِلل طريق الطلياني، الذي لم يتغيّر عليّ إلا قليلاً، أشرتُ بعد وهلة إلى ناحيةٍ في شارعٍ فرعيّ: " هناك كان يعيش صديقنا، زهير ". هذا الصديق الفنان، ما لبث أن انضم إلى صحبتنا في الروضة. المقهى، شبيهٌ بالبيوت الدمشقية التقليدية، تتوسط فسحته السماوية بحرةٌ أنيقة ذات نافورة يتدفق منها سلسبيل الماء، تحيطها أصص الأزهار. ما عتمَ أن طلبتُ لنفسي نرجيلة، بطعم معسّل التفاح؛ وهوَ نوعٌ لا أغيّره. المعلّم الشاب، المتعهّد تحضير النرجيلة، ظهرَ أنه من عفرين، وتكلّم معنا بالكردية. نادلٌ آخر، سمعته يتحدث بكرديته، الجزراوية، مع روّاد قد جلسوا عند طاولة مجاورة.
مساءً، عادَ الصديق أحمد ليقترح علينا، هذه المرة، أن نسهر في باب توما، كونه قد عرفَ مقهىً هناك، يقدّم البيرة. قلتُ له بنبرة دعابة: " أحشى أن يُداهم الأمن العام ذلك المقهى، فنقضي إجازتنا بضيافتهم! "
" لا ليسَ لهذه الدرجة، فالمدينة ما زالت مليئة بمحلات بيع المشروب "، ردّ عليّ بلهجة جدّية. هكذا غادرنا المقهى، لنتمشى نحو شارع يقع خلف البرلمان؛ هناك، أينَ ترك صديقنا الفنان سيارته. ثم مضينا بالسيارة على الأثر، باتجاه ساحة عرنوس، ومن ثم إلى السبع بحرات فشارع بغداد. عند أحد المنعطفات، قال لنا زهير مشيراً برأسه إلى الناحية اليسرى: " كلية الفنون الجميلة، التي تخرجتُ منها ". وما لبثت سيارتنا أن ولجت إلى كراج مفتوح، يقع على طرف ساحة باب توما، لتصطف هناك. العتمة، تهيمن تقريباً على الساحة، إلا من أنوار المركبات.
مشينا بعدئذٍ في الدرب القديم والأليف، القشلة، الذي يربط باب توما بباب شرقي. لقد جرت هنا مؤخراً أعمالُ ترميم للدرب، شملت تجديد حجارته البازلتية، فأضحى أكثر أناقة. إلا أن بعض الصفحات العامة على وسائل التواصل الاجتماعي، زعمت أن السلطات عبثت بالأرضية الأثرية للدرب، لكي تفرشه بالاسفلت. في حقيقة الحال، أنه منذ سقوط النظام السابق، وأمثال هذه الصفحات تنشرُ أخباراً كاذبة، أو مبالغاً بها، عن الوضع في البلد عموماً.. فلا دمشق قد تحولت إلى قندهار، ولا جماعة الشرع يتأثرون خطى طالبان!
على خلاف المألوف في أحياء دمشق القديمة، فإن نوافذ بيوت باب توما خلت من المشربيات. والمشربية، هيَ مشبك من أضلاع خشبية، تخفي نساءَ الدار عن أعين الجيران أو المارة ما لو أردنَ النظر إلى الشارع. كذلك، لفتّ نظرَ الصديقين إلى مسألة أخرى: " لِمَ يفتقدُ هذا الحي للبيوت الفخمة ذات الطراز الأوربي التقليدي، الذي يراه المرءُ في الأحياء المسيحية بحلب؟ ". ثم قلتُ، مستطرداً: " ذلك لأن هكذا بيوت، قد تم تدميرها بالحريق الكبير في أثناء فتنة عام 1860 ". وهيَ فتنة، كما هوَ معروف، كانت موجهة ضد النصارى في الشام وجبل لبنان، شارك فيها الكثيرُ من المسلمين والدروز بتحريضٍ من الباب العالي.

14
مأكولات شقيقتي، اللذيذة والدسمة، كانَ من المفترض أن تزيد وزني. إلا أن الميزان، الذي اختبرته لدى عودتي من دمشق، خالفَ ما توقعته. في حقيقة الحال، أن ذلك يعود إلى قضائي وقتاً مستمراً في التجوال سواءً بالحي أو المدينة. فيما سلف، تحدثتُ عن جولةٍ عبرَ المعالم الأيوبية، برفقة الصديق أحمد. لاحقاً، ستشاركنا زوجته في جولتين، شملت كلّ منهما جانباً من حيي سوق ساروجة والقنوات. إلا أنني سأتكلم عن ذلك في حينه، طالما كنتُ ملتزماً بالسياق الزمني.
صديقنا الآخر، كمال، تأكّدتُ فعلاً أنه مَشّاءٌ لا يُضارَع. بل هوَ لا يستعمل وسائل المواصلات، إلا لو شعرَ أنه سيتأخر عن موعدٍ ما. مثلما جرى التطرق إليه فيما سبق، آنَ اصطحابه لي إلى باب توما. بلى لقد أدهشني، مرةً تلو الأخرى، لما علمتُ أنه اجتاز الطريقَ مشياً على الأقدام من بيته في حي الأكراد إلى كلّ من جرمانا ومشروع دمّر. لا غروَ أن يحتفظ بجسمٍ رشيق، ذكّرني بأيام الصبا حينما كانَ من أمهر لاعبي كرة القدم في الحارة. وها أنا ذا معه، ونحنُ في أحد أيام سنّ التقاعد، جالسان على شرفة مسكنه. أنصتَ إليّ مبتسماً، لما حدّثته كيفَ اضطررتُ للتوقف أكثر من مرة أثناء ارتقائي الطريقَ، الصاعد من الجادة إلى زقاقنا، أينَ منزل الأسرة. " حينما كنا أطفالاً، اعتدنا الصعودَ إلى قمة الجبل على نفسٍ واحد "، أختتمتُ القولَ وأنا أتنهّد.
وعليّ كانَ أن أرتقي طريقاً، وعراً بحق، لما دعيتُ معه ذات مساء إلى سهرةٍ عند صديقٍ قديم، يقيم في طلعة ساحة شمدين. أعتقدُ أننا كنا في زقاق عرفات، المُعرّف بكنية صديقنا، ضياء. لقد ذكّرني مسكنُ أسرته، بمنزل شقيقتي، بيد أنّ أرضَ دياره أصغر حجماً؛ ثمة، حيث مدّت طاولة كريمة، حافلة بالمازة والعرق. صديقٌ آخر، كانَ هناك أيضاً، فما لبثنا أن رفعنا نخبَ لقائنا بعدَ عقودٍ من الفراق. ولأننا كنا رفاقاً في نفس التنظيم، كانَ لا بد أن تتخلل أحاديثنا أمورُ السياسة. وينبغي التنويه، بأن كل من قابلتهم في زيارتي لدمشق، من الرفاق الشيوعيين السابقين، سبقَ لهم أن أظهروا شجاعة ونبلاً في تمسكهم بالمبدأ، فأيدوا بحماس الثورة السورية إلى حين يوم انتصارها. على ذلك، لم يكن غريباً أن ينتقم النظامُ المدحور من بعض أولئك الرفاق، بسوق أبنائهم إلى أقبية العذاب والموت.
قلنا أن الصديقَ كمال، مشاءٌ عريق. شاءَ أن يُثبت ذلك مجدداً، وهذه المرة حينما رافقته إلى عزاء في صالةٍ تقع على طرف منطقة المزرعة. هذه المنطقة، كما هوَ معروف، كانت حتى بداية عقد السبعينات امتداداً أخضر لكل من حييّ الصالحية والأكراد. من ناحيتي، أتذكّر مغامراتنا في زمن الطفولة عبرَ طريق عين كرش، المتصل بين حينا ومركز المدينة مروراً بمنطقة المزرعة. كان طريقاً ترابياً، مسوّراً على طوله بجدارين متهالكين، تجلله أغصان الأشجار المثمرة، خاصة الجوز، والتي تغطي البساتين على الجانبين. على ذلك، ندرك لِمَ دُعيت هذه المنطقة بالمزرعة. إلا أن معظم تلك البساتين اختفت، ليحل بمكانها الخرسانة.
هذا كانَ أيضاً حالُ بساتين الحي، التي شقّ فيها أتوستراد الفيحاء، وكنا عندئذٍ نسير على رصيفه الأيمن في الطريق إلى مقصدنا. كنا نمشي بإزاء محموعة الملاعب، المشكّلة ما يشبه المدينة الرياضية، فذكّرتُ صديقي بماضيه كلاعب كرة قدم. أبوابٌ عديدة لتلك المدينة الرياضية، المفترضة، يحرسها أفرادٌ من الأمن العام. لسبب غير مفهوم، تم حجبُ الأسوار المعدنية جميعاً بقماش المشمّع. اعتقدنا أولاً أن الأمرَ يتعلق بحالة ترميم، إلا أننا حينما رفعنا جانباً من المشمع شاهدنا فتية يلعبون كرة القدم تحت إنارة جيدة. قلتُ لصديقي، بنبرة ممازحة متماهية بالسخرية: " أخشى أنهم وضعوا هذا الحجاب، لكي لا تظهر للمارة عوراتُ اللاعبين!

15
بعدَ الغداء، غادرتُ بيتَ شقيقتي باتجاه ساحة شمدين، التي تبعد عنه بنحو ثلاث دقائق. كنت في طريقي إلى المدينة، والمفترض أن أوقف سيارة أجرة عند موقف جسر النحّاس. إلا أنني بمجرد ما وضعتُ قدمي على الجادة، غيّرتُ رأيي وقررت المضيّ إلى مقصدي مشياً على الأقدام.
وتلك شيمة أليفة، دأبتُ عليها منذ الصغر، وخصوصاً بالأعياد لما كنتُ ولدّاتي نتمشى إلى حديقة المزرعة، الكائنة مباشرةً خلف البنك المركزي. من هناك، اعتدنا السيرَ نحو إحدى صالات السينما، لكي نحضر فيلم كاوبوي غالباً. في زمن الصبا، كانت أقدامنا تمضي بنا حتى باب توما، لتناول السمك المشوي صُحبة العرق عند " أبو وليم ". عقبَ هكذا عشاء فاخر، كنا نؤوب إلى الحي مشياً عن طريق ساحة العباسيين ومروراً من ثمّ بمساكن برزة. المرحلةٍ التالية من العُمر، المُمعنة في السياسة، كانَ لا بد أن تتغيّر فيها قائمةُ الأصدقاء، وبالتالي، أماكنُ السهر والسمر. إلا أنّ هذا، حديثٌ يطول.
ساحة شمدين، التي كنتُ أعبرها في طريقي إلى المدينة، لم يبقَ منها سوى الاسم. فإن الأبنية الحديثة زاحمتها، فلم تترك سوى حيّزاً ضئيلاً لمرور السيارات، فيما احتل مقامُ ركن الدين بقية المكان. عُرفت الساحة منذ القدم باسم شمدين آغا، زعيم كرد الشام في بداية القرن التاسع عشر، الذي تسنّمَ مناصبَ رفيعة في الدولة العثمانية. بيد أن منزله الفخم، الكائن على طرف الساحة، أزيل في نهاية سبعينات القرن المنصرم، لتقوم بمكانه عمارتان كبيرتان.
سأنحدرُ بعدئذٍ في الشارع العام، المُظلل جانبٌ منه بالمنارتين الشاهقتين لمسجد أبو النور. دخلة كفتارو، تنفتحُ من يمين الشارع؛ وذلك المسجد يُعدّ مركزها. سوى أنني أكمل طريقي، باتجاه ساحة الميسات. الاسم الرسمي للساحة، هوَ حطين، تيمناً بالطبع باسم مكان المعركة الفاصلة، التي هُزم فيها الفرنجة. في حقيقة الحال، أن أسماءَ الأماكن الحديثة نسبياً في الحي، العديدُ منها يمتّ لرموز الدولة الكردية الأيوبية: ففضلاً عن اسم الحي ذاته، ركن الدين، لدينا شارع صلاح الدين، ومسجد صلاح الدين، وجادة أسد الدين ( شيركو )، وشارع ابن النفيس، ومستشفى ابن النفيس، ومدرسة محي الدين بن عربي، ومدرسة الملك العادل، ومدرسة ست الشام.. وغيرها.
علمنا فيما سلف، أن القبة الجميلة في مركز ساحة الميسات، يثوي تحتها رمسُ مَن يعرفها الناسُ باسم " ستّي حفيظة ". وهذا تحويرٌ شعبيّ للقب الحافظة ( وهيَ مرتبة دينية لمن تحفظ القرآن )، الذي اقترنَ باسم الشاعرة الصوفية، عائشة الباعونية. كنيتها، مستمدة من بستان بنفس الاسم. وأفترضُ أن أشجارَ المَيْس، المُعرّفة الساحة بها، كانت من بقايا ذلك البستان القديم. ينبغي القول أيضاً، أن هذه المرأة الكردية، عاشت حتى مستهل العهد العثماني؛ وهوَ العهد، المستمر لمدة أربعة قرون، والذي خلا من أيّ قرينٍ لها حتى نهايته: وعندئذٍ ظهرت امرأة كردية أخرى، وفي القاهرة هذه المرة، هيَ الشاعرة عائشة التيمورية.
منظرُ ساحة الميسات، لم يتغيّر عليّ تقريباً. خلا العمائر الحديثة، المشكّلة جانبيّ شارع برنية حتى نهايته. أيضاً ثمة عددٌ من المطاعم والكافيتريات الراقية، اصطفت على طرف الساحة بين مسجد العثمان ( الكويتي سابقاً ) ومبنى وزارة الأوقاف. الكثير ممن يتعاطى تدخين النرجيلة هناك، وفي مقاهٍ أخرى بالمدينة، كانوا من النسوة والفتيات؛ وهذه الظاهرة، لحظتها أيضاً في مراكش.

16
قبل الوصول إلى المسجد الكويتي ( العثمان حالياً )، ثمة مدرسة ثانوية للبنات، حملت اسم أحد مؤسسي حزب البعث؛ زكي الأرسوزي. حينما مررتُ بالمكان، عادت ذاكرتي إلى واقعة في مستهل سبعينات القرن الماضي، وكانت إحدى شقيقاتي طالبة في تلك المدرسة. فمعلمة الرياضة، وكانت من آل البرازي، اقترحت آنذاك أن تؤدي طالباتها الكرديات رقصة من فلكلورهن بمناسبة الاحتفال باختتام العام الدراسي. هكذا صرتُ أرافق شقيقتي في أثناء التدريب، وما زلتُ أذكر بعض أسماء زميلاتها ممن اشتركن معها بالرقصة؛ نارين جلعو وسناء برازي وهيفاء ملا وهيفاء أيوبي وصافيناز قدري ( شقيقة السياسي قدري جميل ). المدرب، كانَ محمد علي أومري؛ وهوَ من تكفل أيضاً باحضار الملابس الفلكلورية. أمسية الحفل، شهدت اقبالاً جماهيرياً كبيراً؛ بحيث أن كثيرين، وكانوا من غير المدعوين، احتشدوا خارج المدرسة لكي يسمعوا الموسيقى الكردية في أثناء تأدية الرقصة. تلك كانت واقعة فريدة، وأعتقد أنها كانت المرة الأولى في دولة البعث، سُمحَ فيها رسمياً بهكذا نشاط. وعلى أثر ذلك، لم يعُد ثمة ( تابو ) على الثقافة الكردية، في دمشق على الأقل، فتعددت مناسبات فعالياتها إن كانَ في الجامعة أو في المركز الثقافي السوفييتي.
ساحة الشهبندر، وكنتُ عندئذٍ أسير على طرفها، ينتهي فيها الشارعُ العام، حطين، الذي يربط حي ركن الدين بالمدينة. على الطرف الآخر من الساحة، يقع مركز أدهم اسماعيل للفنون التشكيلية، وكنتُ قد داومت فيه لمدة عام واحد، وذلك في خلال فترة دراستي الإعدادية. عمارة أخرى، كائنة في أحد مداخل شارع الشهبندر، كانَ لا بد لها أن تنعش ذاكرتي. إذ سكنَ فيها العقيد محمد زلفو، صديق عُمر والدي، وكانَ يدعها بعهدته في أثناء سفراته إلى الخارج، سواءً لأعماله التجارية أو لزيارة أولاده. لسببٍ لا داعٍ لذكره هنا، كانَ يجب ألا تترك الشقة فارغة بغياب صاحبها. كون عمل والدي يتعارض مع وجوده هناك، فإنه كان يطلب مني الحلول فيها بمكانه. بالرغم من أن الشقة تحظى ببار عامر، إلا أنني كنتُ أشتري المشروب من أحد محلات شارع العابد، القريب.
وها أنا ذا أمرّ بإزاء مدخل ذلك الشارع، المنفتح على ساحة السبع بحرات. ومنه إلى شارع 29 أيار، الممتد بين السبع بحرات وساحة يوسف العظمة؛ وهوَ أكثر شوارع دمشق حيوية ونشاطاً. وصلتُ إلى الشارع على مشارف الغروب، إلا أن زحمة السيارات كانت ما تفتأ على أوجها. ثمة مقهى في أول الشارع، كانَ جديداً عليّ، معظم روّاده من رجال المنطقة الشرقية، الذين أضحى تواجدهم كبيراً في المدينة عقبَ سقوط نظام البعث. المقر الرئيس لهذا الحزب المنحل، كانَ يقع في الطرف الآخر المقابل للمقهى. راودتني عند ذلك، هذه الفكرة الساخرة: " لعل العديد من روّاد المقهى أولئك، اختاروا الجلوس هنا بدافع الحنين لماضيهم النضالي! ".
بيد أنّ لي حنيني أيضاً، وإن كانَ في مكانٍ آخر من هذا الشارع. إذ كنتُ في مبتدأ عقد الثمانينات، أتواجدُ عدة مرات بالأسبوع في المركز الثقافي السوفييتي ( تحوّل اسمه إلى الروسي لاحقاً )، لكي أحضر فيلماً أو أمارس هوايتي بلعبة الشطرنج. وبما أن المركز امتلك صالة جيدة لعرض الأعمال التشكيلية، فإنني حملتُ ذات يوم نماذج من رسومي الكاريكاتيرية بغيَة عرضها هناك. مدير المركز، القاص المعروف سعيد حورانية، أبدى اعجابه بتلك الرسوم، إلا أنه كلمني بغموض عن صعوبة عرضها؛ ربما لدواعٍ أمنية.
قبل الوصول لذلك المركز، كانَ ثمة مطعم، يُدعى " السفراء "، اعتدتُ في ذلك الزمن على السهر فيه مع الأصدقاء. صيفاً كنا نجلس على الترّاس، نتناول المشروبات الروحية مع المازة ومن ثم الوجبة الرئيسة؛ وهيَ المشاوي غالباً. صاحبُ المقهى، وكانَ من أصلٍ شركسيّ، ارتبط آنذاك بصداقة مع أمير البزق، محمد عبد الكريم. أحياناً، كانَ هذا الفنان يستجيب لطلبنا، فيعزف مقطوعاتٍ شجية جميلة. المطعم، لم يعُد له وجودٌ اليوم، ولا كذلك المركز الثقافي الروسي.

17
لم تكن الصالة السينمائية بالنسبة لي ( وربما لأكثر أبناء جيلي أيضاً )، مقتصرة على متعة حضور الأفلام، سواءً عربية أو أجنبية. فإنني أذكرُ أنها مراتٌ قليلة، صادفَ فيها أن أحضرَ فيلماً لوحدي. وإذاً فالذهاب لمشاهدة فيلم سينمائي، كانَ طقساً أثيراً عندي، يُعزز علاقات الصداقة مع الآخرين، علاوة على تبادل الأفكار والرؤى. أتكلمُ بالطبع عن فترة النضوج، الموافقة لأواسط سبعينات القرن الفائت، والمتواشجة مع بدء اعتناقي للعقيدة اليسارية. آنذاك، وبالرغم من حظوة دمشق بحوالي عشرين صالة سينمائية، إلا أنني دأبتُ غالباً على ارتياد صالة الكندي، التي بدت كأنها متخصصة بعرض الأفلام الفرنسية والإيطالية. ولكن رأيتني أحياناً في بعض الصالات الأخرى الراقية، كالسفراء والزهراء والدنيا، حينَ كانت تعرضُ أفلاماً جيدة.
وهوَ ذا الجوّالُ أمام إحدى دور السينما، التي كانت عمارتها الأنيقة في ذلك الزمن، درّة شارع 29 أيار. وأتكلم عن صالة السفراء، ذات الواجهة الزجاجية لأدوارها الثلاثة؛ الأرضيّ والبلكون واللوج. إنها اليوم مغلقة، كأخواتها جميعاً، باستثناء صالة دمشق، التي تغيّر اسمها إلى " سينما سيتي ". صالة الخيّام، وهيَ جارة السفراء، تحوّلت كذلك في فترة غيابي عن البلد إلى مسرح. إلا أنني أذكرها، لما كانت تقدّم نهاراً أفلاماً سينمائية، فيما العروض المسرحية تبدأ مساءً. ربما المرة الوحيدة، حضرتُ فيها مسرحية في صالة الخيّام، كانت كوميدية من بطولة الفنان زياد مولوي. إذاك، ألحّ عليّ أحد أصدقاء الصبا لحضور العرض. غير أنني غادرتُ الصالة قبل بداية الفصل الثاني، لشعوري بتدنّي مستوى النص والأداء. في مناسبة أخرى، وكانَ ذلك بمستهل عقد الثمانينات، حصلتُ على بطاقة دعوة لحضور مسرحية كوميدية للفنان محمود جبر، وكانت تعرض في صالة سينما الفردوس. الصديق بشار الملا ( المخرج التلفزيوني حالياً )، هوَ من دعاني؛ كون والده قد لعبَ دوراً في المسرحية. كان معي يومئذٍ صديقنا، أحمد حسو، الذي وافقني على تفاهة العرض والانسحاب منه عند نهاية الفصل الأول!
قادني تجوالي إلى ساحة يوسف العظمة ( ساحة المحافظة )، طالما أن شارع 29 أيار هوَ أحد فروعها الأربعة. وكان تمثالُ بطل ميسلون، المهيب والبرونزيّ، يتوسط المكان. لاحظتُ أيضاً أن جميع الساحات، المنتصب فيها تماثيلٌ، تفتقد تماماً لأزهار الزينة؛ وهوَ أمرٌ، في اعتقادي، يُنذر بالسوء. المطعم الشهير، الريّان، كان يقع على طرف الساحة. لقد انقلبَ الآن إلى صفة أخرى، وربما جدّ ذلك قبل التحرير. من ذكرياتي في هذا المطعم، الذي كان يقدّم مازة جيدة مع المشروب، عندما كنتُ ذاتَ أمسية شتوية مع صديقنا أحمد، وبالقرب منا طاولة جلسَ إليها عددٌ من المثقفين العراقين. فدخل الشاعر سعدي يوسف إلى المكان بخطى متعجلة، حاملاً سترة ( ردنجوت ) فضيّة اللون، قائلاً لجيراننا أولئك: " وصلتُ تواً من عدن! ".
شارع بور سعيد، هوَ أيضاً من فروع ساحة يوسف العظمة، ويذهب باتجاه محطة الحجاز. في طريقٍ فرعيّ من هذا الشارع الحيويّ، تقع كل من صالتيّ السينما، الدنيا والفردوس، وكانتا بمنتهى الرثاثة والاهمال. في الطريق الفرعيّ التالي، توجد سينما الكندي، المتحوّلة إلى مركز ثقافي يتبع وزارة الأوقاف. سينما الأهرام، التي كانت تحتلُ أرضيّة أحد أبنية منتصف الشارع، انقلبت إلى محل حلويات، باسم " سلّورة ". في يوم آخر، سأدخلُ هذا المحل لكي أطلب لنفسي حلاوة الجبن. فإن ذلك الاسم، أوحى لي أن صاحبه من آل سلّورة الحمويين ( وهم من أصل كرديّ )، المعروفين بتحضير هذا النوع من الحلوى. حلاوة الجبن هناك، كانت مستساغة وبسعر مناسب. هذا شجعني لأعيد الكرّة في يومٍ تال، لأطلب هذه المرّة الحلاوة النابلسية. عندئذٍ لم أستطع أن أطعَم سوى لقمتين، كون الحلوى قد أُشْبه طعمها بالباذنجان المقلي. وعلى الأغلب، أن ذلك كان بسبب نوع الزيت السيء، المستخدم في تحضير الحلاوة النابلسية.

18
فيما سلف، ربما فهمَ القارئ أن علاقتي لم تكن على ما يرام مع المقاهي الدمشقية، وذلك في زمن المراهقة والصبا. آنذاك، كنتُ أفضّل البقاء عدة ساعات في مكتبة الظاهرية، متسمّراً على الكرسي، وسطَ صمتٍ مهيب، على أن أنطلق على سجيّتي في المقهى، المشتعل بالضوضاء وجذوات النرجيلة.
في مرحلةٍ لاحقة من العُمر، كوني وزعتُ اهتمامي بين الرسم الكاريكاتيري والشعر، رأيتني من المرتادين الدائمين لصالة الشعب للفنون الجميلة، الكائنة بالقرب من ساحة المحافظة ( يوسف العظمة حالياً ). في ذلك الحين، كانَ المشرفَ على الصالة أحدُ أبناء الحي من آل البرزنجي. حينما علِمَ باهتماماتي الكاريكاتيرية، فإنه شجّعني على جلب نماذج من رسومي بغرض عرضها على الإدارة. إلا أنّ طبعي الحيي، فوّتَ عليّ فرصة اقامة معرض لرسومي في الصالة التشكيلية، الوحيدة في المدينة آنذاك.
في حقيقة الحال، لم يكن الحياءُ، حَسْب، وراءَ تصرفي السلبيّ ذاك. ففي تلك الفترة، اصطحبني صهري إلى صحيفة " تشرين "، بغيَة لقاء الإعلامي جان ألكسان. كانا في أوان الصبا صديقين في مدارس الحسكة، ونشطا في التنظيم اليساري نفسه. الصحيفة، لم تكن تملك بعدُ رسامَ كاريكاتير. قلّب صاحبنا نماذجَ رسومي بين يديه، وما لبثَ أن هنأني على موهبتي وما أحظى به من وعي سياسي؛ أنا من لم تنبت لحيته بعد. لاحقاً، أبلغَ الصهرَ هاتفياً بأن عضوية حزب البعث، هيَ شرطٌ أساسٌ للعمل كرسام كاريكاتير!
لأعُدْ إلى جولتي، التي شاءت أن تثيرَ أنفاسَ الذكرى في نفسي حينما مررتُ من أمام تلك الصالة التشكيلية، المهجورة اليوم. بعدها بخطواتٍ قليلة، ركنَ على الناصية أحدُ أشهر مقاهي الشام؛ " الهافانا ". أحتفظ بأكثر من ذكرى في ذلك المقهى، إحداها في أواخر عقد الثمانينات، حينما ارتبطتُ بموعدٍ مع الشاعر الكردي، شيركو بيكس. كنتُ قد تعرفتُ عليه في سهرةِ يومٍ سابق، لما اصطحبني صديقنا، جمال سلو ( وكان آنذاك من إداريي مكتبة ميسلون )، إلى منزل أحد المثقفين العراقيين. جئتُ صباحاً إلى الموعد، لأدهش برؤيتي الفنان رفيق السبيعي، وكانَ يجلسُ إلى طاولة شاعرنا الكرديّ. شخصٌ آخر في أربعينات عُمره، نحيلٌ ومنطوٍ على نفسه، كانَ بصحبتهما. ما عتمَ أن سألتُ شيركو بصوتٍ خفيض عن هذا الشخص، فأبدى بدَوره دهشته: " كيف؟ ألا تعرف الشاعر نزيه أبو عفش! ".
ذاتَ الشعور من الدهشة، كانت تراودُ معارفي المثقفين، هنا في غربتي السويدية، حينما كنتُ أخبرهم ببساطة أنني لم أرتبط بصداقة مع أيّ أديب، أو صحافي، ثمة في الوطن. فبحسب وجهة نظر أكثرهم، أن العلاقات العامة لا تقل أهمية عن الموهبة الأدبية: " فكيف، وأنتَ ابن الشام، تهملُ هذا الأمر؟ ". ولعلهم كانوا يعدّون أحدهم، وهوَ أيضاً من الشمال الكرديّ، نموذجاً للنجاح في عقد شبكة من العلاقات العامة، بوساطة الزواج من ابنة عَلَمٍ ثقافيّ شهير وباللهاث وراء مؤخرات أصحاب النفوذ.

19
الطقسُ، كانَ ما زالَ دافئاً في هذه الأمسية الخريفية. ولأنني قررتُ السهرَ في مقهى الروضة، فقد آثرتُ أن أتناول أولاً عشاءً خفيفاً. عدّتُ أدراجي باتجاه بوابة الصالحية، مستعيناً بأضواء السيارات لمعرفة موطئ قدميّ، بسبب انقطاع الكهرباء عن مصابيح الشوارع. إلا أنني بوصولي إلى مبتدأ البوابة، المشكّلة سوقاً عصرياً، هدأت نفسي مع الأضواء المُبهرة للمحلات التجارية. في حقيقة الحال، أن الأمرَ على خلاف ذلك ما لو كنتُ في المنزل: عندئذٍ أفضّل الإنارة الخافتة، إلا لو كانَ لديّ ضيفٌ له رأيٌ آخر.
بوابة الصالحية، هيَ بالأساس شارعٌ مستقيم تقريباً، متصلٌ من الجنوب إلى الشمال بين ساحة المحافظة ( يوسف العظمة ) وساحة عرنوس. البوابة اسمٌ مَجاز، لا يمتّ للواقع. فأبواب دمشق معروفة، وهيَ التي تنبثق من أسوار المدينة القديمة. لكنهم على الأغلب، كانوا يقصدون ب " البوابة " أنها المدخل لحي الصالحية من جهة المدينة. بناءُ البوابة، جدّ في زمن الإنتداب الفرنسي، لتغدو أهم شارع تجاري في دمشق؛ مثلما شارع الشانزيليزيه بالنسبة لباريس. وهذا جليّ، خصوصاً بالطراز المعماري الأوربي لأغلب بيوت البوابة على جانبيّ الشارع، والتي تقبع تحتها المحالُ التجارية.
مررتُ أولاً بالمكان القديم لصالة سينما أوغاريت، التي انتصبَ بمحلها أحدُ الأبراج التجارية. أما صالة سينما الأمير، التي تبعد بضع خطوات عن شقيقتها الفقيدة، فإنها مغلقة وواجهتها بحالة يُرثى لها. المبنى الأنيق لصالة سينما الزهراء، الكائن في الجانب الآخر من الشارع، أصبحَ حائلَ اللون. هذه الصالة، مغلقة بدَورها. مسرحُ الحمراء، الكائن في أرضية المبنى نفسه، يذرو نسيمُ المساء غبارَ واجهته. طريقٌ فرعيّ، يفصل المبنى عن مقر نادي الضباط، يهيمن عليه الظلُ العملاق لبرج الشام. كذلك سينما الشام، وهيَ أحدث الصالات بالمدينة، مغلقة منذ فترة ما قبل التحرير. هنا كانَ يُقام سنوياً، وفي مثل هذه الأيام الخريفية، مهرجانُ دمشق السينمائي. تعطل المهرجان بسبب الحرب، وأعتقدُ أنه لن تقوم له قائمة من بعد. وها أنا ذا أمرّ بإزاء مبنى البرلمان، وهوَ أهم معالم بوابة الصالحية، ملاصقٌ لنادي الضباط: قد أكون متشائماً كثيراً، لو قلتُ أنه أيضاً سيبقى مغلقاً.. أو بأحسن الأحوال، سيحظى بنوّاب لا يختلفون كثيراً عن نوّاب زمن النظام الساقط!
" سيروب "؛ هوَ كذلك من معالم بوابة الصالحية. إنه مطعمٌ، صغيرُ الحجم للغاية، اشتهرَ على الأخص بتقديم سندويش البسطرما الأرمنية. ولأن السندويش هنا ( كما في دمشق عموماً ) حجمه دقيق، فإنني طلبتُ مع البسطرما سندويش سجق. تناولتُ عشائي مع قدح لبن عيران، خارجَ المطعم. قبل هجرتي من الوطن، كانَ المرءُ يتوهم أن ثمة مظاهرة في هذا المكان، وذلك لكثرة الزبائن. اليوم، وعلى خلفية تدني الرواتب وصعوبة الحالة المعيشية، فإن زبائن المطعم باتوا يعدون على أصابع اليد الواحدة.
بعدئذٍ ولّيتُ شطري، باتجاه مقهى الروضة، المنتحي في زاوية مقابل البرلمان. شارعُ العابد، الذي يوجد فيه المقهى، يتصالب مع شارع الصالحية. نظراً لعدم وجود إشارة سير، فإن السيارات تمضي بسرعة كبيرة غير آبهة بالمارة؛ بل ولا حتى بشرطي المرور الملتحي، المنتصب هناك وكأنه بلا عمل. إلا أنني الآن، كنتُ قادماً إلى " الروضة " من الجهة الأخرى من شارع الصالحية، المغلقة على حركة مرور السيارات. كمألوف العادة، رأيتُ المقهى ممتلئاً بالروّاد، تتداخل أنفاسُ النراجيل مع أصواتهم. بعدما ارتحتُ قليلاً، طلبت لنفسي نرجيلة مع فنجان قهوة بالهيل. من ثمّ هاتفتُ صديقي، الفنان زهير حسيب. فأخبرني أنه سيوافيني إلى المقهى مستعملاً سيارة أجرة، بسبب صعوبة حجز مكان لسيارته.

20
ربما لحظَ قارئُ هذه اليوميات، أنني من صنف البشر، المعتادين على التردد إلى مكانٍ واحد، غالباً. وقد ذكرتُ مثالاً عن ذلك فيما سلف، بخصوص صالة سينما الكندي، وكنتُ من مرتاديها في زمن الصبا والشباب. على ذلك، لم يكن غريباً أن أواظب على لقاء الأصدقاء في المكان عينه في خلال وجودي بدمشق مؤخراً؛ وهوَ مقهى الروضة.
فضلاً عن أفلامها المتميّزة، وأكثرها من روائع السينما الفرنسية والإيطالية، فإنني كنتُ أشعرُ بطمأنينة لا توصف في صالة الكندي.. وبالطبع، أتكلمُ عن فترةٍ فائتة من العُمر. فكأنني كنتُ أجلسُ متوحّداً، والكتاب بيدي؛ هناك في حجرتي بالمنزل، التي كانَ الأصدقاء يدعونها بتحبب، تارةً بالكهف وتارة أخرى بالخلوة. ففي صالات السينما الأخرى، عموماً، لم أكن أتمثّل هكذا شعور. فقد دأبَ الفتية المراهقون على الصراخ مع ترديد كلماتٍ تنمّ عن الشبق، وذلك حينما تظهر لقطة إيروتيكية في الفيلم. كانت تأخذهم النشوة، ولا ريب، بوجود الجنس الآخر في الصالة، وأن صراخهم وكلماتهم تلقى أذناً صاغية. والصالة معتمة، تمنحهم شعورَ الجسارة.
أعودُ إلى سياق يومياتي، وكنتُ عندئذٍ في مقهى الروضة، بانتظار صديقي، الفنان زهير حسيب. بينَ فينةٍ وأخرى، كنتُ ألقي نظرة على مدخل المقهى. إلى أن رأيته أخيراً، يسيرُ بخطواته المتعثرة وعيناه مصوبتان على مكاننا المألوف. عينا فناننا، تبصران هنا الكائنات والأشياء دونما أن تحتفظا بانطباع عنهم.. ولا حتى بيوت دمشق وحواريها، انعكست قط في فنه. لقد بقيَ زهير أميناً ل " نسائه الكرديات "، اللواتي يظهرن دوماً في لوحاته بملابسهن الفلكلورية الزاهية وعلى وجوههن تعبيرُ حزنٍ لا يريم. فكم أشبَهَ بالفرنسي الكلاسيكي، هنري تولوز لوتريك، بالرغم من أنّ نساء هذا الأخير، كنّ من عالم الليل والحانات.
فيما سلف، كنتُ قد تكلمت عن طبعي المتحفّظ، وأنني لم أهتم قبل هجرتي من الوطن بعقد " علاقات عامة " مع الشخصيات الثقافية المؤثّرة. في حقيقة الحال، أنّ الفضل يعود لصديقي زهير ما لو تخلّيتُ مرةً عن شيمتي تلك. إذ تعرّفتُ على الشاعر فايز خضور، الذي أبدى رغبته برؤيتي عقبَ نشره لي قصيدة في مجلة " الأسبوع الأدبي "، وكان ذلك في منتصف الثمانينات تقريباً. آنذاك كانَ صديقي، الفنان زهير حسيب، يعملُ في المجلة كرسام موتيفات.
هكذا أمر، استعدّته مع زهير حينما التقينا في مقهى الروضة، الذي باتَ عنواناً شبه دائم لمواعيدنا. أتذكّرُ أنني قلت له، كمثال عن طبيعتي: " أكثر من مرة، عرضَ عليّ أحدهم زيارة الروائي، حنا مينه، في منزله بمساكن برزة؛ كونه على صداقة وطيدة مع ابنه. ولكنني لم أتمنّع بسبب التهيّب، بل ببساطة لأنني كنتُ أهتم بنتاج الأديب وليسَ شخصه "
" سأخبرك إذاً بواقعة طريفة، بما أنك أتيتَ على ذكر حنا مينه "، علّقَ زهير وهوَ يبتسم. ثم أردفَ، يقصّ عليّ الواقعة: " أثناء دراستي الجامعية، كنتُ مستأجراً مع آخرين شقة في عمارة مروان شيخو بالحي. شابٌ قريبٌ لأحدنا، كانَ قد حلّ ضيفاً عليه، ووصلَ تواً من بلدته. لم يكن قد زارَ دمشق من قبل. وبما أنه شاعرُ المستقبل، فقد ألقى نظرة سريالية على الشارع، خِلَل النافذة، ثم قدّمَ لنا هذا الاقتراح: " لِمَ لا ننزل إلى الشارع، علّنا نلتقي حنا مينه وزكريا تامر ومحمد الماغوط، وهم يتجولون هناك؟ ". ثم اختتمَ زهير الحكاية، ضاحكاً: " المسكين، كان يعتقد أن دمشق بحجم بلدته الصغيرة؛ فيها شارعٌ واحد لا غير! ".



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خمسة أسابيع في دمشق
- المهاجران من المسرح إلى السينما
- فيلم الطفولة الكردية، المغتالة
- فيلم اليهودي والضياع الأخير
- فيلم الكردي وحروب الآخرين
- مصير أسرة في فيلم سوري
- تراب الغرباء والتلاعب بالتاريخ
- الترحال؛ منحوتة للطفولة والمدينة
- الطحين الأسود ولعنة المكان
- اللجاة؛ البيئة الدرزية سينمائياً
- حسّيبة؛ الشام بحسَب يوميات إمرأة
- شيء ما يحترق؛ عن الدرزي النازح
- الطحالب؛ حكاية جرح سوري
- باب المقام، المفتوح على الشغف
- سُلّم إلى دمشق؛ التقمّص عشيّة الثورة
- الليل؛ الفنتاسيا والواقع
- أحلام المدينة أم كوابيسها
- وقائع العام المقبل واختلال الوعي
- ليالي ابن آوى؛ البطريركية والسلطة
- نجوم النهار؛ رسم ساخر للمجتمع العلوي


المزيد.....




- أبرز ما قاله أحمد السقا عن طليقته وصديقه الفنان الراحل سليما ...
- مسؤول يمني: اليونسكو أوفد بعثة للتحقيق في الانتهاكات التي تع ...
- تركي آل الشيخ يشارك -أجواءًا طربية- من حفل أنغام في رأس السن ...
- من الاحتفال إلى -فيلم رعب-.. تفاصيل حريق مروع في سويسرا
- ترامب ينتقد منح باريس الممثل الأمريكي جورج كلوني الجنسية الف ...
- سيدرا التركية.. مدينة سكنت بها معاصر الزيتون في كل بيت
- المخرج والمنتج كمال الجعفري: فيلمي -مع حسن في غزة- يستخدم ال ...
- لعبة -أحلام على وسادة-.. حين تروى النكبة بلغة الفن والتقنية ...
- مخرج فلسطيني يوثق غزة بالذاكرة البصرية: السينما مقاومة للنسي ...
- -تسويق إسرائيل-.. كتاب يكشف دور الهاسبارا في -غسيل الدماغ- ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - خمسة أسابيع في دمشق 2