|
|
بين الدستور والتوافق.. العراق يودّع 2025 على عتبة اختبار الدولة
نوري حمدان
الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 13:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في مساءات نهاية العام، حين يخفّ ضجيج الأيام ويثقل صمتُها، يميل الناس إلى مراجعة ما مضى لا بدافع الحنين وحده، بل بحثاً عن معنىً يربط الأحداث ببعضها، وعن خيطٍ يفسّر كيف صار العالم كما نراه الآن. كانون الأول 2025 كان شهراً كثيفاً على هذا النحو؛ لقطاتٌ متفرقة من مدنٍ بعيدة تبدو وكأنها تنتمي إلى فيلم واحد: ضباب يبتلع ناطحات السحاب، ثريّا تهتز في سقف بيتٍ بسبب زلزال، شوارع تُطفأ فجأةً بسبب انقطاع كهرباء، حشود تركض خوفاً في ساحلٍ مفتوح، وجثث أطفال تُحمل في طرقٍ ضيقة. كل ذلك يمرّ على شاشات العالم بسرعةٍ تكاد تسلبه حقه في التأمل، ثم يختفي ليحلّ محله خبرٌ جديد. لكن وسط هذا التشتت الدولي، كان العراق يعيش لحظةً لا تقل دلالةً، لحظةً تبدو "برلمانية" في ظاهرها، لكنها في عمقها تلخّص كثيراً من أسئلة الدولة والهوية والتوازنات والقدرة على صنع قرارٍ سياسيٍ متماسك: انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه، وما رافق ذلك من تعثرٍ وجولاتٍ متكررة ومناخات جدلية حول الدستور، وصولاً إلى الرسائل المباشرة وغير المباشرة التي بعثتها الجلسات الأولى للدورة السادسة من مجلس النواب إلى الداخل العراقي وإلى الإقليم معاً. ليس من الإنصاف النظر إلى انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه باعتباره "تفصيلاً إجرائياً" أو مجرد محطة بروتوكولية تُستكمل سريعاً قبل التوجه إلى الاستحقاقات الأخرى في العراق، كما في تجارب دولٍ كثيرة تمرّ بانتقالات سياسية طويلة، تصبح الخطوات الأولى اختباراتٍ مبكرة لما هو مقبل، وتصبح إدارة الجلسة الأولى مرآة لإدارة المرحلة بأكملها. ولأن 2025 كان عاماً تداخلت فيه الملفات الاقتصادية والأمنية والخدمية مع الاستقطابات السياسية العميقة، فإن ما جرى في البرلمان خلال أيام قليلة في نهاية كانون الأول بدا وكأنه تلخيص عملي لطبيعة اللعبة السياسية: تفاهماتٌ تُعلن، ثم تُختبر، ثم تتعثر، ثم تُرمّم على عجل، بينما يقف المواطن في الطرف الآخر من المعادلة يسأل سؤالاً واحداً لا يتغير منذ سنوات: هل ستنتج هذه العملية حكومةً قادرةً على تقديم الخدمات وضبط الإيقاع الاقتصادي والأمني؟ أم أننا أمام موسمٍ جديد من المناورات التي تستنزف الوقت وتستبدل المعنى بالشكل؟ جاء انتخاب رئيس مجلس النواب، هيبت الحلبوسي، في الجلسة الأولى، مع انتخاب النائب الأول عدنان فيحان، بوصفه إنجازاً يُفترض أن يفتح الباب مباشرةً أمام استكمال بقية الاستحقاقات. غير أن الصورة لم تكتمل بسلاسة، إذ تعثر المجلس في انتخاب النائب الثاني، وهو المنصب المخصص وفق الأعراف السياسية للمكوّن الكردي، واضطر إلى جولات متتابعة من التصويت، قبل أن ينتهي الأمر في اليوم التالي إلى انتخاب فرهاد أمين الأتروشي ممثلاً للحزب الديمقراطي الكردستاني بعد سحب ترشيح شاخوان عبدالله وتقديم الأتروشي بديلاً. قد تبدو هذه القصة للوهلة الأولى مجرد منافسة داخل "الحصة الكردية"، لكنها في الحقيقة كانت ساحة قياس نفوذٍ أوسع من ذلك بكثير: نفوذ داخل البيت الكردي نفسه، ونفوذ بين القوى الشيعية والسنية التي حسمت نصيبها سريعاً، ثم بدا وكأن بعض أطرافها - بحساباتٍ معقدة - تفضل أن يبقى المنصب الكردي معلّقاً حتى تنضج شروط تفاوض أكبر تتعلق برئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب وترسيم مساحات القوة داخل المجلس. العرف السياسي العراقي، الذي تشكل بعد 2003 واستقر عملياً منذ انتخابات 2005، يوزّع المواقع العليا بمنطق "التوازن الطائفي-القومي": رئاسة الحكومة للشيعة بوصفها المنصب التنفيذي الأقوى، رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الجمهورية للكرد وهي أقرب إلى المنصب الرمزي - التحكيمي في كثير من تفاصيله. ويُضاف إلى ذلك عرفٌ موازٍ داخل البرلمان بأن يكون أحد نائبي رئيس المجلس شيعياً والثاني كردياً. في مثل هذا النظام، تتحول المناصب من وظائف دستورية إلى رموز تمثيل، ثم من رموز تمثيل إلى أدوات تفاوض، ثم إلى أوراق ضغط. وعندما يتحول المنصب إلى ورقة ضغط، يصبح التعطيل جزءاً من السياسة لا عرضاً جانبياً لها، ويصير "الوقت" مادةً للتفاوض مثلها مثل المقاعد والوزارات. من هنا تحديداً، لم يكن تأخر انتخاب النائب الثاني مجرد تعثر فني في جمع الأصوات. لقد ظهر بوضوح أن المجلس الجديد، منذ لحظته الأولى، يعيش توتراً بين رغبتين متناقضتين: رغبة معلنة في احترام المدد الدستورية والذهاب سريعاً إلى انتخاب رئيس الجمهورية ثم تكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، ورغبة غير معلنة لدى بعض القوى في إبقاء هامش للمساومة حتى آخر لحظة، لأن الاستحقاقات التالية أكثر كلفة وأكثر ربحاً في الوقت نفسه. عندما فشل المجلس في جولتين متتاليتين في حسم منصب النائب الثاني، ثم اضطر إلى فتح جولة ثالثة بعد نحو اثنتي عشرة ساعة من الجلسة، كان ذلك انعكاساً لمدى هشاشة التفاهمات المسبقة، ولحقيقة أن التصويت في لحظة الامتحان لا يسير دائماً وفق ما يُقال في الغرف المغلقة. ثم جاء الجدل الدستوري الذي رافق تمديد الجلسة الأولى وتأجيل حسم المناصب ليضيف بعداً آخر للصورة. خبراء في القانون ومراقبون رأوا أن ما جرى يمثل تجاوزاً أو التفافاً على روح النصوص الدستورية التي تتحدث عن "الجلسة الأولى" بوصفها إطاراً زمنياً يجب أن يُحسم فيه انتخاب رئاسة المجلس ونائبيه، محذرين من أن أي تساهل في هذه اللحظة يفتح الباب أمام سوابق أخطر في الاستحقاقات التالية. في المقابل، قال آخرون إن السياسة لا تُدار بنصوص جامدة وحدها، وإن التوافقات في بلد مركب مثل العراق تحتاج إلى مساحة تشاور لتجنب انفجار الانقسامات في لحظة التأسيس. وبين الرأيين، يظهر سؤال الدولة: هل يصبح الدستور سقفاً آمراً لا يملك أحد تجاوزه، أم يتحول إلى مادة قابلة للتمديد والتأويل كلما احتاجت القوى السياسية إلى وقتٍ إضافي؟ هذا السؤال ليس نظرياً، لأن المدد الدستورية في العراق ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل هي محاولة لمنع الانسداد السياسي الذي عاشته البلاد أكثر من مرة. فبحسب السياقات الدستورية، على البرلمان بعد جلسته الأولى أن ينتخب رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يوماً وبغالبية الثلثين، ثم يكلف رئيس الجمهورية مرشح "الكتلة النيابية الأكبر" بتشكيل الحكومة خلال خمسة عشر يوماً، وعلى المكلف أن يقدم تشكيلته خلال ثلاثين يوماً. هذه سلسلة زمنية وُضعت لمنع المراوحة، لكنها في التجربة العراقية كثيراً ما اصطدمت بتعقيدات التوافقات وانقسام التحالفات وتداخل الأجندات. لذلك بدا أن اختبار الدستور بدأ مبكراً: هل ستُحترم هذه المدد فعلاً في 2026؟ أم أن الجلسة الأولى ستغدو نموذجاً يُحتذى لتطبيع التأجيل؟ ما يفاقم حساسية هذا الأمر أن البرلمان الجديد يدخل عام 2026 وسط ملفات "مؤجلة" تتجاوز الأسماء إلى حياة الناس: موازنة عامة، مشاريع خدمية متوقفة، قوانين تُوصف بالمفصلية مثل قانون الحشد الشعبي وقانون المحافظات وملف العشوائيات، وأزمة ثقة عامة بين المواطن والمؤسسات. الكثير من التصريحات التي رافقت انتخاب الرئاسة تحدثت عن "انسجام" و"توافق" و"حرص على الالتزام بالمدد"، وعن أن الدورة ستكون مختلفة وأن الخطاب سيكون أقل حدة. لكن السياسة العراقية خبرت سابقاً الفرق بين الخطاب والواقع: لغة التهدئة تُستخدم أحياناً لتقطيع الوقت، وعبارة "التفاهمات مستمرة" قد تكون اسماً آخر لتأجيل الحسم. اللافت في مشهد انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه أنه كشف في الوقت نفسه قدرتين متعارضتين داخل النظام السياسي. من جهة، ظهرت قدرة على إنتاج تسوية سنية "نادرة" لحسم منصب رئيس مجلس النواب بعد منافسة حادة، وبما يسمح بتقديم صورة توافقية تقول إن المجلس انطلق ولم يتعثر كلياً. ومن جهة أخرى، ظهرت انقسامات داخل ما يُعرف بـ"الكتلة الأكبر" أو داخل القوى الشيعية، سواء عبر تعدد المرشحين أو عبر حديث نواب عن عدم توحد القرار. وهذا التناقض نفسه هو جوهر الحالة العراقية: القدرة على التسوية موجودة، لكنها تسوية اضطرارية غالباً، وليست تسوية استراتيجية تُبنى على برنامج حكم واضح. والمشكلة أن التسويات الاضطرارية قد تكفي لتمرير منصب، لكنها لا تكفي لإدارة دولة بملفات ثقيلة. ثم تأتي عقدة النفوذ المرتبط بالفصائل المسلحة، وهي العقدة التي لا يمكن تجاوزها عند قراءة مشهد كانون الأول. تقارير وتحليلات وتصريحات متقاطعة أشارت إلى أن ثِقلاً عددياً داخل المجلس، محسوباً على قوى قريبة من الفصائل أو متحالفة معها، بات قادراً على "خلخلة التوافقات" أو تعطيلها أو إعادة توجيهها. سواء اتفق المرء مع هذا التوصيف أو اختلف، فإن واقع العملية السياسية في السنوات الأخيرة يؤكد أن السلاح خارج الدولة - حتى عندما لا يُستخدم مباشرة - يُنتج تأثيراً سياسياً مضاعفاً، لأنه يغير قواعد التفاوض ويزيد كلفة المعارضة ويقلل من هامش المناورة لدى القوى الأخرى. وعندما ينتقل هذا الثقل إلى البرلمان، يصبح المجلس نفسه ساحة ترجمة لهذا النفوذ، وتصبح جلساته الأولى رسائل سياسية إلى الشركاء والخصوم معاً: من يملك القدرة على التعطيل يملك القدرة على فرض شروطه في الاستحقاقات التالية. وهنا يصبح انتخاب نائبٍ ثانٍ لرئيس البرلمان أكثر من مجرد "منصب كردي". إنه إشارة إلى طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل، وإلى قدرة الحزب الديمقراطي الكردستاني على فرض حضوره داخل التوازنات الجديدة، وإلى شكل المساومات القادمة على رئاسة الجمهورية التي يُقال إنها ستُحسم "من داخل البيت الكردي". فالعراق لا يعيش فقط صراعاً بين مكونات، بل يعيش أيضاً تنافساً داخل كل مكوّن، وتداخلاً بين هذه التنافسات الداخلية وبين الاستحقاقات الوطنية. البيت الكردي نفسه، بحزبيه الكبيرين وتياراته، يدخل إلى كل استحقاق وهو يحمل حساباته الخاصة: من يمثل الإقليم؟ من يفاوض باسم الكرد؟ من يضمن نصيباً أكبر في الحكومة؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل موقفه إلى ورقة ضغط إذا شعر بأنه خُذل في محطة ما؟ لذلك لم يكن غريباً أن تُقرأ أزمة النائب الثاني بوصفها مقدمة لأزمة أكثر تعقيداً في رئاسة الجمهورية، لأن الأخيرة تحتاج إلى تصويت الثلثين، ما يجعل أي تشتت كردي أو شيعي أو سني قادراً على تعطيلها. وفي المقابل، الملف السني ذاته لم يخرج من دائرة التساؤلات. صحيح أن منصب رئيس البرلمان حُسم لصالح هيبت الحلبوسي، لكن الروايات حول كيفية حسمه، وما قيل عن انسحابات وتسويات واتهامات تتعلق بصفقات، كلها تركت ظلالاً على شرعية المشهد في نظر الجمهور. إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مؤسسة منتخبة هو شعور الناس بأن المناصب تُباع وتُشترى أو تُحسم بعيداً عن منطق المنافسة الشفافة. حتى لو كانت هذه الاتهامات جزءاً من حرب سياسية، فإن تداولها يضرب الثقة العامة، ويجعل البرلمان يبدأ دورته وهو يحمل عبء الدفاع عن صورته قبل أن يبدأ بممارسة دوره التشريعي والرقابي. وفي هذه النقطة تحديداً، يلتقي العراق مع المزاج العالمي في كانون الأول 2025: عالمٌ يزداد فيه الشك، وتزداد فيه هشاشة الثقة بالمؤسسات، وتعلو فيه أصوات الاحتجاج والقلق. لكن الفرق أن الدول المستقرة تمتلك مؤسسات تلتقط الصدمات وتعيد إنتاج المعنى، بينما الدول الهشة - ومنها العراق - قد تتحول فيها الصدمة إلى فرصة لزيادة الانقسام بدل أن تكون فرصة للإصلاح. لذلك يبدو السؤال العراقي في نهاية 2025 شديد البساطة في صياغته وشديد التعقيد في تطبيقه: هل سيتحول البرلمان الجديد إلى منصة تشريع ورقابة تخفف أزمات الناس وتمنح النظام السياسي فرصة لاستعادة شيء من شرعيته؟ أم أنه سيبقى ساحة لتقاسم النفوذ وإدارة الوقت واستهلاك المهل الدستورية في تفاوض لا ينتهي؟ الإشارات التي خرجت من تصريحات بعض القوى توحي بأن هناك إدراكاً لحساسية المرحلة، وأن تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات بات شرطاً لكل شيء: للموازنة، للقوانين الخدمية، لإطلاق المشاريع، ولترميم الاقتصاد. هذا صحيح من الناحية العملية. لكن التجربة تقول أيضاً إن "الحكومة كاملة الصلاحيات" قد تصبح عنواناً مؤجلاً إذا دخلت القوى في صراع على رئاسة الوزراء وعلى توزيع الوزارات السيادية والخدمية وعلى ملفات الأمن والموارد. العراق يعرف جيداً كيف تمتد مهلة تشكيل الحكومة أشهراً، وكيف تتحول مفاوضات "الكتلة الأكبر" إلى متاهة، وكيف يصبح المواطن رهينة لصراعٍ لا يرى نهايته. لذلك فإن انتخاب رئاسة البرلمان في نهاية ديسمبر ليس خاتمة لعامٍ سياسي فقط، بل هو افتتاح لعامٍ سياسي جديد بكل ما يحمل من احتمالات. فنجاح المجلس في حسم المناصب الثلاثة في النهاية يقدّم "جرعة أمل" صغيرة بأن المؤسسات قادرة على العمل، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الانقسام الذي قد يعصف بالاستحقاقات الأكبر. التعثر الذي رافق انتخاب النائب الثاني أظهر أن كل طرف يمتلك القدرة على تعطيل جزء من المشهد، وأن التسويات تحتاج إلى كلفة، وأن الكلفة تُدفع غالباً من رصيد الثقة العامة ومن الوقت الذي يفترض أن يُصرف في التشريع والخدمات. وعند هذه النقطة، يصبح من الضروري إعادة تعريف معيار النجاح في 2026. النجاح ليس أن تُحسم المناصب فحسب، بل أن تُحسم بسرعة وضمن المدد الدستورية وبأقل قدر من التنازعات التي تُهدر الثقة. النجاح ليس أن تُشكّل حكومة "بالاسم"، بل أن تكون حكومة برنامج وخطة، حكومة تعالج الكهرباء والماء والبطالة والفساد وتعيد تنظيم العلاقة بين المركز والإقليم وتضبط السلاح وتمنع الاقتصاد من أن يبقى رهينة أزمات النفط والإنفاق. النجاح ليس أن تُمرر الموازنة ثم تُنسى، بل أن تتحول الموازنة إلى مشاريع حقيقية يشعر بها الناس لا إلى أرقام في نشرات الأخبار. وفي ختام 2025، تبدو الرسالة الأوضح التي يكتبها البرلمان العراقي الجديد - شاء أم أبى - هي أن البلاد تقف مجدداً أمام مفترق قديم: إما أن تتحول التوافقات إلى عقد سياسي يحترم الدستور ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، وإما أن تتحول إلى صفقات مرحلية تُنتج انسداداً جديداً. العراق لا ينقصه الذكاء السياسي ولا القدرة على التفاوض، لكنه يحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: إرادة أن يكون الدستور إطاراً ملزماً لا ورقة تفاوض، وأن يكون البرلمان مؤسسة دولة لا منصة نفوذ، وأن تكون الاستحقاقات الدستورية وسائل للاستقرار لا مناسبات لتوسيع الشقوق بين الشركاء. قد يقول قائل إن هذه لغة مثالية في بلدٍ معقد. لكن السياسة ليست ترفاً؛ إنها إدارة حياة الناس. والناس في العراق - بعد أعوام طويلة من الأزمات - لا يطلبون معجزات، بل يطلبون الحد الأدنى من دولة تعمل: حكومة تُشكّل في وقتها، مؤسسات تحترم القانون، خدمات تتحسن ولو تدريجياً، وكرامة عامة لا تُستهلك في كل جولة مساومات. في عالمٍ تتكاثر فيه الأخبار السوداء، يصبح أي بلدٍ قادر على إنتاج معنى للاستقرار إنجازاً بحد ذاته. والعراق، وهو يدخل 2026، أمام فرصة أن يجعل من جلسات البرلمان الأولى نقطة انطلاق لإثبات أن السياسة يمكن أن تتوقف عن كونها صراعاً على المواقع فقط، وتبدأ في أن تكون صراعاً على الحلول. فإذا كانت رئاسة البرلمان قد حُسمت أخيراً بعد تعثر وجولات، فإن الرسالة الأعمق ليست في الأسماء، بل في السؤال: هل يتعلم النظام السياسي من هذا الدرس السريع أم يعيده على نطاق أكبر في رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء؟ إن كان العام 2025 قد انتهى بهذه اللقطة، فإن العام 2026 سيبدأ بسلسلة لقطاتٍ أخطر. وما يحتاجه العراقيون ليس مشهداً درامياً جديداً، بل نهاية مختلفة للفيلم ذاته: نهاية تقول إن الدولة أقوى من التعطيل، وإن الدستور ليس خياراً، وإن الناس - أخيراً - ليسوا آخر من يُحسب حسابه.
#نوري_حمدان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حراك اقتصادي غير مسبوق: إعادة تشكيل المالية الريعية العراقية
-
إقليم البصرة.. سؤال الثروة والدولة في لحظة عراقية حرجة
-
كهرباء العراق.. حين يتحول الغاز الإيراني إلى مفتاح العتمة
-
الدولة أولاً.. والسلاح أخيراً
-
بعد نكسة 2025: هل يمتلك التيار الديمقراطي العراقي شجاعة المب
...
-
العراق بعد إسدال ستار التفويضات
-
هل يحتاج العراق إلى مزيد من الأحزاب؟
-
صراع المناصب يضع العراق أمام معادلة حاسمة
-
بعثة الأمم المتحدة في العراق.. ماذا أنجزت فعليًا؟
-
العلاقات الأميركية - العراقية بين اختبار السيادة وحدود الشرا
...
-
اقتصادٌ مُنهك يبحث عن إدارة رشيدة: قراءة في أزمات العراق الم
...
-
بين تعقيدات الداخل وضغوط الخارج.. الحكومة المقبلة على مفترق
...
-
نون العراق.. حين يفتح المعرض بوابة الضوء
-
المخدرات في العراق.. حين يتحوّل الخطر الصامت إلى تهديد وطني
...
-
البلاد التي يعلو فيها صوت الخوف
-
ماذا يراد من الكاظمي؟..
-
رونگ سايد: خروج القوات الاجنبية
-
رونگ سايد: گەندەڵ في ديوان العشيرة
-
رونگ سايد: گەندەڵ بغداد
-
رونكَ سايد: الناطق باسم المتظاهرين
المزيد.....
-
احتجاجات إيران تتحول إلى اشتباكات دامية مع الشرطة في عدة محا
...
-
مدينة عربية تدخل موسوعة غينيس في احتفالات رأس السنة الجديدة
...
-
على المصحف… زهران ممداني يؤدي اليمين كأول عمدة مسلم لنيويور
...
-
كران مونتانا: كيف تحول احتفال رأس السنة إلى مأساة في منتجع س
...
-
رسائل -الفرصة الأخيرة- إلى حزب الله: -الوقت ينفد والخيارات م
...
-
-200 شيكل كبداية-.. كيف تُتَّهم حماس باستدراج مراهقي غزة إلى
...
-
انسحاب إماراتي من جنوب اليمن يفتح الباب أمام إعادة رسم التحا
...
-
-التضخم المؤسسي-.. لماذا تأخرت ألمانيا عن ركب قطار التحول نح
...
-
الانفصاليون في اليمن: من هم وما هي أهدافهم وكيف يغيّر تقدمهم
...
-
الهجمات الإلكترونية عام 2025 الأخطر والأكثر تكلفة في أوروبا
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|