بديعة النعيمي
كاتبة وروائية وباحثة
(Badea Al-noaimy)
الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 10:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نقلت قناة الإخبارية/فلسطين أن "جيش الاحتلال الصهيوني قام خلال المنخفض الجوي الأخير بفتح السدود ومصائد المياه عند مجرى وادي غزة، ما أدى إلى اندفاع المياه وانجراف خيام النازحين في المناطق المحاذية".
ألا يكفي أهل غزة ما ذاقوه من قهر وجوع، وحصار. ألا يكفيهم وهن الخيام العاجزة عن الصمود أمام هبة ريح وقطرة مطر. ألا يكفيهم فقدان الأمان، وغياب الدواء، ووجع الفقد. حتى يأتي جيش بلا أخلاق ليضاعف المأساة ويزيدها مأساة أشد وأخطر ولا تمت للإنسانية بصلة. وكأن المطلوب أن يعاقبوا على بقائهم أحياء!!
إن ما قام به هذا الجيش من فعل لا أخلاقي ما قام به إلا لظنه أن القوة وخاصة قوة السلاح وحدها قادرة على فرض واقع يضمن استمرارية الدولة. غير أن التاريخ لا يحفظ استمرار الدول بما تمتلكه من سلاح، بل بما تمتلكه من قيم.
ومن هنا فإن دولة الاحتلال لا يمكن وصفها، أخلاقيا أو سياسيا، بأنها دولة أخلاقية على الإطلاق، لا في ممارساتها اليومية، ولا في أيديولوجيتها التي بنيت عليها، ولا في علاقتها بشعب سرقت حقه بقوة السلاح.
وما حدث في وادي غزة ما هو إلا تعبير عن نمط له تاريخ طويل من السلوك اللا أخلاقي. والدولة التي تتصف بأنها أخلاقية، هي تلك التي تضع المدنيين في صلب قرارها السياسي، وتعتبر حمايتهم واجبا عليها أثناء الحروب. وبما أن دولة الاحتلال استيطانية إحلالية هدفها التخلص من أصحاب الأرض من قبل قيامها، فلا غرابة حين تدار سياستها بمنطق العقاب الجماعي، والتجريد من الكرامة، واستغلال حتى الظروف الجوية كأداة ضغط. ولذلك نستطيع القول بأنها مفرغة من مضمونها الأخلاقي. فحين تفتح المياه، لتتدفق بقسوة نحو تجمعات خيام النازحين الذين أرهقتهم الإبادة الجماعية، كما أرهقهم انعدام البنى التحتية بسبب عدوانها الغادر، فنحن أمام دولة بالفعل تسعى لإبادة المدني أينما حل ومحاربته بكافة الطرق والوسائل، حتى ذلك الذي تجود به السماء من خير.
ولكن عبر التاريخ البشري لم تكن السيطرة على الأرض وحدها كافية لضمان بقاء أي دولة. فالإمبراطوريات التي اعتمدت على قهر الشعوب سقطت، ودولة الاحتلال، منذ قيامها، اعتمدت سياسة قهر الآخر ونفيه والحلول مكانه بالاعتماد على القوة، ولكن هذا الخيار حتى لو بدا ناجحا عسكريا في المدى القصير، فإنه يحمل في داخله بذور الزوال.
وإغراق أهل غزة ومحاولة إقصائهم، سلوك له أثره الأخلاقي لا على أهل غزة وحدهم، إنما على بنية دولة الاحتلال نفسها. فحين يعاد تعريف الأخلاق بما يخدم الأمن لتبرير ما قام به جيشها بهدف استمرار الإبادة، سيدفع نحو تآكل القيم داخل المجتمع الصهيوني، فتفقد الدولة قدرتها على ادعاء التفوق الأخلاقي، وتعيش في حالة دفاع دائم وهذا لا يضمن استمراريتها بل يعطيها أسباب الانهيار فقط.
#بديعة_النعيمي (هاشتاغ)
Badea_Al-noaimy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟