حمدي سيد محمد محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8303 - 2025 / 4 / 5 - 12:43
المحور:
المجتمع المدني
د.حمدي سيد محمد محمود
في قلب التاريخ الإسلامي، حيث ازدهرت الحضارة الإسلامية بالعلم والمعرفة، برزت شخصية نسائية استثنائية جسدت نموذجًا رائدًا للعلم والعمل الخيري. إنها فاطمة الفهرية، المرأة التي حفرت اسمها في ذاكرة الزمن كواحدة من أعظم الشخصيات التي ساهمت في النهضة العلمية، ليس فقط في المغرب، بل في العالم الإسلامي كله.
وُلدت فاطمة في القرن التاسع الميلادي في مدينة القيروان بتونس، وسط عائلة عربية ثرية من ذرية الفهريين الذين عُرفوا بتجارتهم وثرائهم. وحينما انتقلت مع أسرتها إلى مدينة فاس في المغرب، كان القدر يخط لها مسارًا فريدًا ستخلّده الكتب والسجلات التاريخية.
بعد وفاة والدها، ورثت فاطمة الفهرية وأختها مريم ثروة طائلة، لكنهما لم تتجها إلى حياة الترف والرخاء، بل سخرتا هذه الثروة في خدمة المجتمع والعلم. وبينما بنت مريم مسجد الأندلسيين، كرّست فاطمة نفسها لمشروع أعظم، وهو بناء "جامع القرويين"، الذي لم يكن مجرد مسجد للصلاة، بل كان نواة لأول جامعة في التاريخ، سبقت جامعات أوروبا بأكثر من قرنين.
كان جامع القرويين مركزًا علميًا وفكريًا جذب إليه العلماء والمفكرين من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، فاحتضن حلقات العلم في الفقه والحديث، والفلك والرياضيات، والطب والفلسفة، وغيرها من العلوم التي ازدهرت تحت سقفه. وتخرّج منه العديد من الأعلام الذين ساهموا في إثراء الفكر الإنساني، من أمثال ابن خلدون وابن باجة، كما استقبل طلابًا غربيين مثل البابا سيلفستر الثاني الذي نقل العلوم العربية إلى أوروبا في عصر النهضة.
لم تكن فاطمة الفهرية مجرد راعية للعلم، بل كانت امرأة ذات رؤية حضارية، تجسدت في تصميمها على بناء صرح علمي مستدام يخدم الأجيال القادمة. قيل إنها صامت طوال مدة بناء الجامع، وأشرفت بنفسها على أدق تفاصيله، مستخدمة في بنائه المواد المستخرجة من أرض المغرب، ليكون نابعًا من بيئته وممتدًا في جذوره إلى هوية الأمة الإسلامية.
واليوم، وبعد مرور أكثر من ألف عام، لا يزال جامع القرويين قائمًا كرمز للعلم والمعرفة، شاهدًا على بصمة امرأة عظيمة استطاعت أن تخلّد اسمها في سجلات التاريخ، ليس بسلطة الحكم أو القوة، بل بسلاح الفكر والتعليم. إن قصة فاطمة الفهرية ليست مجرد فصل من فصول التاريخ الإسلامي، بل هي رسالة ملهمة لكل الأجيال، تؤكد أن المرأة كانت ولا تزال قادرة على بناء الحضارات وقيادة الأمم نحو النور.
#حمدي_سيد_محمد_محمود (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟