أليكس ب كرين
الحوار المتمدن-العدد: 8302 - 2025 / 4 / 4 - 09:50
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
مقدمة
وصلتني نسخة إلكترونية من الكتاب المذكور أعلاه لمؤلفه رزكار عقراوي.
من العنوان وحده، يعلن الكتاب بوضوح موقفه الطبقي. فالذكاء الاصطناعي لا يُقدَّم بوصفه اختراعًا عشوائيًا، بل كجزء من تطور أدوات الهيمنة الرأسمالية. التحليل لا يُخفي انحيازه، بل يبني رؤيته على أساس الصراع بين رأس المال والعمل ضمن المجال الرقمي. إنه نص سياسي بقدر ما هو تحليلي.
في زمن يشهد تسارعًا مذهلًا في التطور التكنولوجي، وتترسخ فيه خوارزميات السيطرة والهيمنة، يقف اليسار في معظم تياراته مترددًا، غير قادر على صياغة رؤية متماسكة في مواجهة الطفرة الرقمية وما تحمله من أبعاد طبقية واستغلالية. هنا بالضبط تبرز أهمية كتاب "الذكاء الاصطناعي الرأسمالي: تحديات اليسار والبدائل الممكنة". يخوض عقراوي مغامرة فكرية جريئة، يمزج فيها بين الماركسية والنقد التكنولوجي، ويصوغ مشروعًا تحرريًا يتحدى الرأسمالية الرقمية.
الكتاب لا يكتفي بوصف آليات الاستغلال الجديدة، بل يذهب إلى جوهر العلاقة بين التكنولوجيا والسلطة، بين الذكاء الاصطناعي والرأسمال، بين المستقبل الممكن والمفروض. وبهذا، يشكّل الكتاب صرخة نظرية وتحليلية في وجه تواطؤ عمالقة التكنولوجيا مع السلطة السياسية، وفي وجه الاغتراب الرقمي ومصادرة المعرفة.
أولًا: الذكاء الاصطناعي كأداة للهيمنة الطبقية
ينطلق الكاتب من تحليل جذري لطبيعة الذكاء الاصطناعي. فهو لا يراه تطورًا تقنيًا محايدًا أو إنجازًا معرفيًا، بل أداة تُعمّق علاقات الإنتاج الرأسمالية، وتُعيد إنتاج أنظمة السيطرة بشكل متخفٍّ وخطير على نحو متزايد. الخوارزميات لا تُكتب في فراغ، ولا تعمل بشكل محايد، بل تتغذى على بيانات المستخدمات والمستخدمين، وتُصاغ لخدمة تراكم الأرباح، وتسليع الحياة اليومية، وتطبيع المراقبة والقمع.
من هذا المنظور، لا يُعد الذكاء الاصطناعي منتجًا بريئًا، بل هو امتداد للآلة الرأسمالية التي تسعى إلى تحويل المعرفة والبيانات إلى سلع، والمجتمع إلى سوق دائم. ما يُعرف بـ"الثورة الصناعية الرابعة" ليس إلا طورًا جديدًا من الرأسمالية، تُعاد فيه صياغة العمل والسيطرة تحت ستار التكنولوجيا، وتُقصى فيه الطبقات العاملة والمهمشون رقميًا لصالح نخبة بورجوازية تكنولوجية.
ثانيًا: الاعتقال الرقمي والاغتيال الرمزي
يعرض الكتاب مفاهيم نظرية مبدعة تُغني الفكر النقدي، من قبيل "الاعتقال الرقمي" و"الاغتيال الرمزي". هذه المفاهيم تصف أشكال الاستعباد غير المرئية التي تفرضها شركات عملاقة مثل غوغل، أمازون، وفيسبوك. لم تعد السلطة بحاجة إلى شرطة أو سجون. المراقبة باتت ذاتية، والهيمنة أصبحت طوعية. كل مستخدمة ومستخدم يتحول إلى رقم داخل قاعدة بيانات، وكل تفضيل أو نقرة تتحول إلى أداة لتعزيز أنظمة السيطرة.
يبين عقراوي بوضوح أن ما يُسمى بـ"الحياد الخوارزمي" ليس سوى خرافة. فكل خوارزمية تحمل داخلها تصورًا للعالم، ومنطقًا للهيمنة، وآلية لتوزيع الموارد والفرص. ولعل أخطر ما في الذكاء الاصطناعي الرأسمالي هو قدرته على إعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق منطق السوق، بحيث تصبح العزلة والانفصال عن الواقع شرطًا للبقاء.
ثالثًا: ضرورة بناء يسار إلكتروني
من أبرز إسهامات الكتاب طرحه لمفهوم "اليسار الإلكتروني"، وهو ليس يسارًا يكتفي بنقد التكنولوجيا من منظور أخلاقي أو يرفضها بشكل تلقائي، بل يسعى إلى بناء بدائل تقنية فعلية تستند إلى قيم العدالة والمساواة والمعرفة المشتركة. يدعو الكاتب إلى إنشاء بنى تحتية رقمية اشتراكية، وتحالفات يسارية عالمية، وأطر مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي تُدار من قبل جماعات تحررية خارجة عن منطق الربح.
هذا اليسار الإلكتروني لا يتكئ على الدولة القومية أو على المؤسسات القائمة، بل يدعو إلى تجاوزها عبر أشكال جديدة من التنظيم الأممي. ضمن هذه الرؤية، تُنتج التكنولوجيا كجزء من مشروع تحرري واسع. يعيد عقراوي في هذا السياق الاعتبار لدور المثقف العضوي، ويدعو البروليتاريا التقنية إلى خوض معركة استعادة السيطرة على وسائل الإنتاج الرقمي.
رابعًا: لغة نقدية ومنهج تحريضي
ما يميز هذا العمل هو ابتعاده عن النخبوية الأكاديمية، ورفضه للخطاب التكنولوجي السائد. يعتمد لغة يسارية واضحة، تجمع بين التبسيط الضروري والجذرية النظرية. ينحاز الكاتب إلى الطبقات المهمشة، ويضع في صميم أطروحته مقاومة تسليع المعرفة واحتكار خوارزميات الحياة من قبل الشركات الكبرى. ومن الجدير بالذكر أن الكتاب متاح رقميًا ومجانيًا للجميع.
ورغم تعقيد الموضوع، يحرص الكاتب على أن تكون أفكاره مفهومة لشريحة واسعة من القراء. يتجنب المصطلحات التقنية المعقدة، ويستخدم لغة قريبة من التجربة اليومية. وبهذا، يصبح النص أداة للتثقيف دون أن ينفّر القارئ.
نقد منهجي للكتاب
رغم القيمة النظرية والسياسية للكتاب، إلا أن طرحه لا يخلو من بعض الثغرات. ما يلي هو ملاحظات لا تهدف إلى النفي، بل إلى التطوير والتوسيع ضمن جهد ماركسي بنّاء:
1. غياب التفاعل مع تيارات يسارية أخرى
يتبنى الكتاب موقفًا ماركسيًا صريحًا، لكنه لا يفتح حوارًا فعليًا مع تيارات يسارية أخرى مثل التروتسكية، الاشتراكية التحررية، أو النظريات اليسارية ما بعد البنيوية. مثل هذا التفاعل كان سيثري الطرح ويُعزّز من تعددية الفهم داخل معسكر المقاومة، خاصة في قضايا معقدة كالتكنولوجيا والملكية والسلطة.
2. المثالية التقنية في طرح البدائل
رغم دعوة الكاتب إلى بناء ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر يُدار جماعيًا، إلا أن التفاصيل العملية حول كيفية تحقيق هذا المشروع في ظل النظام الرأسمالي العالمي القائم تكاد تكون غائبة. كيف يمكن للأغلبية الرقمية المهمشة أن تبني بدائل تقنية قابلة للحياة في ظل انعدام البنية التحتية واحتكار السلطة والمال؟
كما أن مفهوم "البروليتاريا الرقمية" بحاجة إلى تفصيل أوسع. من هم؟ ما هي خصائصهم؟ كيف يختلفون عن البروليتاريا الصناعية؟ النص لا يجيب على ذلك بوضوح.
الدعوة إلى ذكاء اصطناعي ديمقراطي تظل نظرية إلى حد كبير. من أين نبدأ؟ ما هي التحديات؟ من يدير هذه المشاريع؟ لا نجد إجابات صريحة.
3. نقص في التوثيق النظري
رغم غنى الكتاب بالأفكار، إلا أنه يفتقر إلى مراجع أكاديمية راسخة في بعض المواضع، خاصة فيما يتعلق بتاريخ الذكاء الاصطناعي، أو في استحضار أعمال مفكرين يساريين تناولوا التكنولوجيا مثل أنطونيو نيغري، ديفيد هارفي، أو يوكو هوي. مثل هذه المراجع كانت ستضيف عمقًا نظريًا وتحليليًا للنص.
4. التكرار على حساب البناء التحليلي
أسلوب الكتاب، المصمم لتسهيل القراءة الرقمية المتقطعة، يؤدي أحيانًا إلى تكرار بعض الأفكار والفقرات دون تقدم نظري جديد. هذا قد يُضعف الإيقاع الجدلي ويجعل الخطاب يبدو دائريًا بدلًا من أن يكون تصاعديًا.
خاتمة
رغم هذه الملاحظات، يظل كتاب "الذكاء الاصطناعي الرأسمالي: تحديات اليسار والبدائل الممكنة" من أهم المحاولات اليسارية المعاصرة في مقاربة التكنولوجيا من منظور ماركسي. إنه ليس مجرد كتاب عن الذكاء الاصطناعي، بل عن الإنسان، والعمل، والمستقبل، والمقاومة. إنه دعوة مفتوحة لكل الماركسيات والماركسيين، لكل المثقفات والمثقفين العضويين، ولكل من يرفض أن يُختزل إلى رقم أو ملف، من أجل استعادة وسائل إنتاجهم الرقمي، وبناء عالم جديد لا تحكمه خوارزميات الشركات، بل تحرّكه أحلامنا الجمعية.
********************************
ترجم عن النص الانكليزي:
https://www.ahewar.org/eng/show.art.asp?aid=4302
#أليكس_ب_كرين (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟