أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - أَحمد الشُّقيري... رجُلٌ صَنَعَ الثَّورة فخذلتهُ!














المزيد.....

أَحمد الشُّقيري... رجُلٌ صَنَعَ الثَّورة فخذلتهُ!


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8301 - 2025 / 4 / 3 - 12:28
المحور: القضية الفلسطينية
    


كان أحمد الشقيري رجلاً عاش حياتهُ كلَّها من أجلِ فلسطين، لكنه رحلَ غريباً، منكسرَ القلبِ، بعدما خانهُ الجميعُ، حتى أولئك الذين ساندَهُم ورفعَ لواءَهُم يوماً. لم يكن مجرَّدَ سياسيٍّ عابرٍ في التاريخ الفلسطيني، بل كان أول من حاول وضع القضيَّة الفلسطينيَّة في إطارٍ مُؤَسَّسيٍّ، ليجعلها قضيَّة شعبٍ لهُ قيادةٌ تُمثِّلُهُ، لا مجرَّد أزمةٍ يُديرُها العرب وفق مصالحهم وأهوائهم، لكنَّهُ كما هو حالُ كثيرٍ من القادةِ الذين تقدَّموا الصفوف دفاعاً عن قضاياهم، وجدَ نفسهُ في نهايةِ المطافِ وحيداً، يُنبَذُ كما يُنبَذُ الغريبُ في بلادهِ.

عاش الشقيري رحلةً نضاليَّةً طويلةً، بدأَها من شوارع القدس، مروراً بسجون الانتداب البريطاني، ثمَّ في ميادين الدبلوماسيَّة والسياسة. لم يكن مجرَّد سياسيٍّ يُجيدُ الخطابة، بل كان محامياً في المحاكم، ومناضلاً في الميدان، وصوتاً قويّاً لفلسطين في الأمم المتَّحدة. وعندما كلَّفهُ مؤتمرُ القمَّة العربيُّ عام 1964 بإنشاءِ كيانٍ فلسطينيٍّ مستقلٍّ، حملَ المسؤوليَّة بكلِّ صدقٍ، وأسسَ منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، واضعاً أُسُسَها بنفسهِ، وصاغَ الميثاقَ القوميَّ الفلسطينيَّ الذي ظلَّ مرجعاً للنضالِ الوطنيِّ لعقودٍ.

لكن حينَ جاءَ الزمنُ الصعبُ، وحينَ انكسرتِ الجيوشُ العربيَّةُ في نكسةِ حزيران/ يونيو 1967، كان الشقيري هو الضحيَّةَ الأولى، وكأنَّهُ لا بدَّ من تحميلِ شخصٍ ما مسؤوليَّة الهزيمة، حتى لو كان هذا الشخصُ لا يملكُ جيشاً ولا سلاحاً، بل كان يُقاتلُ بالكلمةِ والموقفِ.
فجأةً، بدأ رفاقُ الأمس بالانقلاب عليه، وأولئك الذين صفَّقوا لهُ في البدايات كانوا أوَّل من طالبوا برحيله حين تغيَّرت الموازينُ.

لم يكن خصومُ الشقيري فقط من خارج الصف الفلسطيني، بل كان من بين أبناء القضيَّة من رأى أنَّ زمنهُ قد انتهى، وأنَّ عليه أن يرحلَ. تصاعدتِ الخلافاتُ داخل منظَّمة التحرير، وبدأَت الاتهاماتُ تُحاصِرُهُ من كلِّ الجهاتِ، حتى باتَ يُنظرُ إليهِ على أنَّهُ عبءٌ يجبُ التخلُّصُ منهُ.
كانوا يريدون رجلاً يمكنُ التحكُّمُ بهِ، رجلاً لا يفرِضُ إرادتهُ ولا يُقاتلُ من أجلِ استقلالِ القرارِ الفلسطيني كما فعل الشقيري.

في كانون الأوَّل/ ديسمبر 1967، اضطرَّ إلى تقديم استقالتهِ من رئاسةِ منظَّمةِ التحريرِ الفلسطينيَّةِ، وكأنَّهُ يُقالُ قسراً لا طوعاً. كان يعلمُ أنَّهُ لم يُهزم بسبب فشله، بل لأنَّ اللُّعبةَ السياسيَّة التي أحكمتها بعضُ الأنظمةِ العربيَّة لم تعد تحتملُ رجلاً حرّاً مثلهُ. لقد كان أكبر من أن يكون تابعاً، وأكبر من أن يُؤمَرَ فيُطيعَ، وهذا كان ذنبهُ الوحيدَ.

بعد استقالتهِ، عاش سنواتهِ الأخيرةَ منفياً، في القاهرة أولاً، ثمَّ في تونس ولبنان. كان يُشاهدُ كيف تحوَّلت منظمة التحرير، التي بناها بيديه، إلى شيءٍ آخر لم يَعُد يعرِفُهُ.
رأى كيف تحوَّلت فلسطين إلى ورقةٍ تفاوضيَّةٍ في أيدي الأنظمة، وكيف صارَ مُناضلو الأمسِ يبيعونَ القضيَّةَ في المؤتمرات الدوليَّة. لم يصرخ ولم يُعاتِب، فقد كان يعرفُ أنَّ زمن الرجال الكبار قد انتهى، وأنَّ التاريخ لا يرحمُ من يمضي على طريقِ الصدقِ حتى النهايةِ.

في 25 شباط/ فبراير 1980، رحلَ أحمد الشقيري بصمتٍ، بعيداً عن الضجيج، بعيداً عن الساحات التي جابها يوماً مُنادياً بفلسطين.

أوصى أن يُدفنَ في مقبرة الصَّحابيِّ أبي عبيدةَ في غور الأردن، بعيداً عن العواصم التي طردتهُ، وعن القصور التي خانتهُ، وعن المنابر التي صمَتَت حين كان يحتاجُها.

التاريخ مليءٌ بالخونة، لكنَّهُ يحتفظُ بأسماء العظماء ولو بعد حينٍ. لم يكن أحمد الشقيري رجلاً عاديّاً، بل كان رمزاً لرجلٍ رفض أن يكون أداة في ساحة الآخرين. دفع ثمن حريتهِ، ودفع ثمن استقلال قراره، ودفع ثمن حُبِّهِ لفلسطين، لكنَّ هذا الثمن كان أكثر ممَّا يتحمَّلُهُ قلبُ رجلٍ واحدٍ.

كان أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينيَّة، لكنَّهُ مات بعيداً عنها. كان صوت فلسطين في الأمم المتَّحدة، لكنَّهُ مات ولم يَعُد يسمعُ سوى صدى خيانتِهِ ممَّن كانوا يوماً رفاقهُ. كان رجلاً صنع الثورة، ثمَّ نبذتهُ الثورةُ حين تغيَّرتِ المصالحُ وتبدَّلتِ الوجوهُ.

في النهايةِ، لا عزاء للأوفياء في هذا العالم، فالتاريخُ يكتبهُ المنتصرونَ، والمنتصرونَ ليسوا دائماً هم الأحقَّ.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نوح الفلسطيني: بين طوفانِ الخذلانِ وسفينةِ الصُّمودِ
- فرحان السعدي: الشَّيخ الذي صامَ عن الحياةِ وارتوى بالمجدِ
- اليمن: أَصلُ العروبة وَشُمُوخُ الجبالِ
- نافع محمد: من القامشلي إِلى فلسطين.. حكايةُ عشقٍ لا تنتهِي!
- الشَّهِيدُ مرعي الحسين: نَسرٌ حَلَّقَ في سماءِ المجدِ ولم يه ...
- حينَ يغيبُ الكبارُ... وداعاً أَبا سعيد!
- إبراهيم أبو خليل: عاشقُ الوطنِ الذي رَوَى الأرضَ بِدَمِهِ
- فاطمة فاعور.. أُمُّ الشهداء التي ودَّعتهُم ثُمَّ لحِقَت بِهِ ...
- عمر المحمود (أبو مروان): طائرُ الحُزنِ والحنينِ للوطنِ
- نمر كلّم وحَمَر.. قصَّةُ شهيدٍ لم يُخذِّلهُ كلبُهُ!
- وصيّةُ ندى لافي كلّم: حينَ تكتُبُ الأرضُ رسالتَها الأخيرةَ
- ندى لافي كلَّم (أم علي)... وصيَّةُ الأَرض التي لا تموتُ
- قمة العرب 7353: فلسطين على الرَّفِّ والتَّطبيع على الطَّاولة
- شربل فارس.. حين يُزهر البؤس كبرياءً
- أبو عرب: صوتُ الأرضِ وحارسُ الذاكرة الفلسطينية
- طائرُ السُّنُونُو.. صوتُ الشَّرفِ الفلسطينيِّ في زمنِ العارِ ...
- ثورةٌ بدأَت بالبنادقِ... وانتهت بالتَّنسيقِ الأَمنيِّ المُقد ...
- أمنٌ يَحرُسُ الكُرسيَّ... لا الوطنَ!
- صلاح الدين الكردي: سيفُ المجدِ في وجهِ خيانةِ العرب
- فلسطين.. أرضُ التينِ والزيتونِ وصمودِ الجبالِ


المزيد.....




- -يوم التحرير-.. من الأكثر تضررا من رسوم ترامب الجمركية؟
- كوريا الجنوبية.. المحكمة الدستورية تحسم الجدل بشأن عزل الرئي ...
- الرئيس الفرنسي يزور العريش للتأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار ...
- مقتل ثلاثين شخصا على الأقل في مواجهات شمال جنوب السودان بعد ...
- اغتيال مسؤول فلسطيني بغارة إسرائيلية جنوبي لبنان
- ماذا تفعل أقمار إيلون ماسك في حرب روسيا وأوكرانيا؟ وماذا لو ...
- حرب رسوم ترامب الجمركية تشعل الأسواق العالمية
- فيديو.. غارة إسرائيلية على صيدا بجنوب لبنان 
- المحكمة الدستورية الكورية الجنوبية تحكم بعزل الرئيس يون
- رسوم ترامب تثير استنفارا عالميا.. فرنسا تدعو لتعليق الاستثما ...


المزيد.....

- تلخيص كتاب : دولة لليهود - تأليف : تيودور هرتزل / غازي الصوراني
- حرب إسرائيل على وكالة الغوث.. حرب على الحقوق الوطنية / فتحي كليب و محمود خلف
- اعمار قطاع غزة بعد 465 يوم من التدمير الصهيوني / غازي الصوراني
- دراسة تاريخية لكافة التطورات الفكرية والسياسية للجبهة منذ تأ ... / غازي الصوراني
- الحوار الوطني الفلسطيني 2020-2024 / فهد سليمانفهد سليمان
- تلخيص مكثف لمخطط -“إسرائيل” في عام 2020- / غازي الصوراني
- (إعادة) تسمية المشهد المكاني: تشكيل الخارطة العبرية لإسرائيل ... / محمود الصباغ
- عن الحرب في الشرق الأوسط / الحزب الشيوعي اليوناني
- حول استراتيجية وتكتيكات النضال التحريري الفلسطيني / أحزاب اليسار و الشيوعية في اوروبا
- الشرق الأوسط الإسرائيلي: وجهة نظر صهيونية / محمود الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - أَحمد الشُّقيري... رجُلٌ صَنَعَ الثَّورة فخذلتهُ!