أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود عباس - هل الله جريمة؟














المزيد.....

هل الله جريمة؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8300 - 2025 / 4 / 2 - 23:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تأملات في الغياب الإلهي والإنسان المسكون بالمطلق
وكأني أقف إلى جوار الحلاج حين صرخ "أنا الحق" ومزّق الحُجب بين الإنسان والإله، أو كأني أُنصت لابن الراوندي، وهو يُمعن في الشك، لا كمن يهدم، بل كمن يفتّش عن الإله الذي غاب حين حضرت الجريمة، وسكت حين بكت الإنسانية تحت أنقاض المجازر.
أين الله من الدم المسفوك؟ على صفحة كوردستان، وسوريا، والعراق، بل على وجه الشرق الأوسط الجريحة بأسره.
هل خُلق الإنسان ليُلقى في أرضٍ لا تشبه الجنّة إلا في الحكايات؟
أم خُلق ليختبر الحياة في عالمٍ أقرب إلى الجحيم؟
جحيم لا بناره، بل بمآسيه، بأحزانه التي لا تنطفئ، وبمواسم الفقد التي تتكرّر كأنها طقس يومي.
فأي معنى للخلق إذا كانت الأرض التي نُفي إليها تضجّ بالظلم أكثر من الرحمة، وتفيض بالقسوة أكثر من الحنان؟
هل نُسجت فكرة الله على مقاس الخوف، ليَعبد الإنسان ظله المرتجف؟
أم أن الله كما تصوّره العقل البشري، ليس إلا محاولة لتبرير العجز، وتأليه المجهول، وإسقاط الرحمة على وجودٍ غير مُتحقق؟
كما قال دوستويفسكي ذات مرة:
إن لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح."
ولكن، إن كان موجودًا، وكل شيء ما يزال مباحًا، فأيُّ صورة هذه عن الله؟ أليس الأسوأ من غيابه هو حضوره بلا فعل؟
إن كان الله عند الإنسان، كاحتمال لا يُطاق، سينطلق السؤال الصارخ:
هل الله جريمة؟
ليست الجريمة في ذاته، بل في صورته التي صاغتها الأديان، حين جعلت منه ديّانًا، ثم صامت حين هُتكت الأعراض، وسُفكت الأرواح، وحُرقت المدن.
الإنسان، في لحظة خوفه القصوى، اخترع الإله، لا ليحب، بل ليخاف، جعل منه قاضيًا، ثم عبد أحكامه، وجعل من الجحيم مرآة لذنوبه، لم يكن الله حضورًا شافيًا، بل رعبًا قادمًا من اللا معلوم.
وها نحن، في هذا العبث، نعيد صياغة الجريمة على هيئة طقس ديني، ونطلب الغفران من غياب لا يستجيب.
إذا كانت قوانين الكون من خلق الله، فهل الجريمة جزء من القانون الإلهي؟
وهل الجريمة مُشفّرة في نسيج الخلق؟
هل الشر ضرورة كونية، أم اختلال في التصميم؟
وإذا كانت "الرحمة" هي صفته الكبرى، فأين تتجلى في طفلة تُذبح، أو أمٍّ تُحتَضَر تحت الأنقاض؟
"إن الشرّ مشكلة منطقية لمن يؤمن بإله كلي القدرة وكلي الرحمة" كما أشار ديفيد هيوم، فكيف تفسر وجود الشر إن لم يكن الله عاجزًا، أو غير مبالٍ، أو أن الصورة التي رسمناها له لا تنتمي للواقع بل للرغبة؟
وحين نسأل، أين الله من كل هذا الدم؟
يجيب المتدين، إنه يختبرنا.
لكن أيُّ إله هذا الذي يختبر أبناءه بالنار؟
وأيّ أبٍ يرضى أن يَشرب أولاده من كأس الموت كي يثبتوا ولاءهم؟
نحن أمام معضلة وجودية أكثر مما هي دينية.
كما قال كامو:
المشكلة الفلسفية الجادة الوحيدة هي الانتحار، الحكم ما إذا كانت الحياة تستحق أن تُعاش أم لا، هو الجواب على الأسئلة الفلسفية."
وكذلك نقول، المشكلة الإلهية الوحيدة هي العدالة، فإن لم تكن عدالته حاضرة، فما جدوى وجوده؟
نرفع أيدينا نحو السماء، في عالم لا يسمع.
نُصلي لسماءٍ تسبح فيها مجرّات لا تعنينا، وأكوان لا ترى دموعنا.
الله، كما صوّرته الفلسفات، ليس شخصًا في العلو، بل هو سؤال، هو القلق، هو غياب المعنى في مواجهة الألم.
وهنا، تعود الأسئلة القديمة بثياب جديدة:
هل الإله خلقنا أم نحن من خلقنا الإله؟
هل الإيمان به هو خوفنا من العدم؟
هل نعبده لننجو، أم لأننا لا نطيق أن نكون وحدنا في هذا الفراغ المترامي؟
هل الله بريء من الجريمة، أم أنه منطقها الأعلى؟
أم أن الجريمة ليست سوى نتيجة لحرية أُعطيت للإنسان، دون أن تُعطى له أدوات ضبطها؟
في كُنه هذا السؤال، نُدرك حجم المأساة، فإمّا أن الله عاجز، أو أنه لا يبالي، أو أن صورة الله في أذهاننا مشوهة، مفصّلة على مقاس الخوف، وليست انعكاسًا للمطلق.
"السماء لا تهمها دموعنا" كما قال جان بول سارتر، فهل كان على حق حين أعلن:
الإنسان محكوم عليه بالحرية"؟
حرية تؤلمه، لا ترفعه، حرية يصرخ بها وهو يركع لصنم صنعه من رعبه.
ومن على عتبات هذه الحرية أراد الحلاج أن يرى الله في الإنسان، فانتهى على الصليب.
ورأى ابن الراوندي في الله فكرة فاسدة تُستعمل لإرهاب العقل، فصار ملعونًا في كتب التراث.
أما الإنسان المعاصر، فصار بينهما، لا يجرؤ أن يُحب الله كما الحلاج، ولا أن يهدمه كما الراوندي.
وهنا يحضرنا مقولة نيتشه:
لقد مات الله، ونحن من قتلناه."
لكنه لم يكن احتفالًا، بل رثاءً لعالم فقد حريته ومركزه الأخلاقي، عالم تُرك للضياع دون خريطة.
إننا اليوم نعيش وسط انفجار المعرفة، وانهيار المعنى، لنحكم على سعة وعي الحاضر.
الله لم يمت، بل انسحب، من رؤية منظر شلالات دم الإنسان.
أو ربما تماهى مع صمت الكون، واختبأ في عمق وعينا، في تلك الزاوية حيث لا يدخل الضوء.
لكننا، نحن البشر، لا نزال نحفر في الظلام، نكتب على جدران الكهوف الحديثة أسئلتنا القديمة:
من أنا؟ لماذا أموت؟ وأين هو الله؟"
وكل إجابة محتملة، ليست إلا سؤالًا جديدًا متنكرًا، يوسّع من دوائر الحيرة، ويعمّق ظلال الشك، فكلما اقتربنا من يقينٍ ما، تكشّف عن هشاشته، وكلما نطقنا باسم الله دفاعًا، وجدناه يُستدعى ذريعةً للذبح.
أهي الأسئلة التي تُخطئ؟ أم أن الأجوبة فُصّلت على مقاس القتلة؟
في الشرق الجريح، لا تُطرح الأسئلة بحثًا عن الحقيقة، بل تُكمم حتى لا تُربك الولاءات، وتُدان إن لامست المعنى.
لكن، ماذا لو كان الشك هو بداية الإيمان الحقيقي؟ وماذا لو أن الله، لا يسكن في الفتاوى، بل في صرخة الضحية؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
[email protected]
25/3/2025م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسعد الزعبي صدى البعث المُتعفّن في زمنٍ يطلب الكرامة
- زيارة الشرع إلى إسطنبول رسائل مشفّرة من واشنطن عبر أنقرة
- تسليم الساحل السوري لقوات قسد خطوة إنقاذ لسوريا من التقسيم
- في حضرة الغياب الإلهي مجازر شنكال وسوريا بين التكفير ورايات ...
- الكورد والثورة السورية تحذير من تكرار الخطيئة الإيرانية
- نوروژ بين الدين والقومية، بين الثورة والطمس
- إلى أي درك كارثي تتهاوى سوريا؟
- حين يتقيأ الحقد، العروبة المشوهة في مواجهة الحقيقة الكوردية
- إعادة قولبة سوريا
- سوريا نحو الاستبداد الدستوري
- صناعة الشعوب المشوهة
- قراءة سياسية في اتفاقية مظلوم عبدي وأحمد الشرع
- سوريا على طريق التقسيم بين إرهاب الدولة واستبداد الإسلام الس ...
- سوريا بين المركزية القاتلة والفيدرالية المنقذة
- بين ضرورة الإصلاح ومخاوف التفكك في سوريا
- القضية الفلسطينية بين واقع التاريخ وخطاب الأنظمة العروبية
- أردوغان في قبضة ترامب هل يواجه مصير زيلينسكي أم يراوغ بذكاء؟
- تحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والم ...
- تحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والم ...
- ترامب وبينس إهانة للبيت الأبيض باسم السلام


المزيد.....




- بزشكيان للمشاط: الوحدة تحمي الأمة الإسلامية من ظلم الأعداء
- تردد قناة طيور الجنة 2025.. استمتع بمحتوى تعليمي وترفيهي للأ ...
- أحلى أغاني على تردد قناة طيور الجنة الجديد 2025 استقبلها بجو ...
- حرس الثورة الاسلامية: فتن أميركا لن توقف زوال الكيان الصهيون ...
- قبيل الانتخابات المحلية.. عون يتعهد بحماية ضباط الأمن من الض ...
- محفوظ ولد الوالد يتحدث عن معسكرات تدريب -القاعدة- وأول لقاء ...
- الأمم المتحدة تدين الهجوم على المسيحيين بدهوك: التنوع الديني ...
- الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة ا ...
- الكويت تدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
- “نزلها واستمتع”.. تردد قناة طيور الجنة الفضائية 2025 على الأ ...


المزيد.....

- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي
- مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي / حميد زناز
- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب
- مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع ... / فارس إيغو
- الكراس كتاب ما بعد القرآن / محمد علي صاحبُ الكراس
- المسيحية بين الرومان والعرب / عيسى بن ضيف الله حداد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود عباس - هل الله جريمة؟