|
المسألة الكردية: عدالة القضية واختلال إدارة الصراع
علي الجلولي
الحوار المتمدن-العدد: 8300 - 2025 / 4 / 2 - 12:01
المحور:
القضية الكردية
أثارت دعوة عبدالله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني إلى حزبه بحل نفسه وإلقاء السلاح والانخراط في مشروع سياسي يضمن الحقوق الثقافية للأكراد ضمن الدولة التركية، لغطا وجدلا قديما/جديدا حول المسألة الكردية التي طالما كانت أحد محاور الصراع في المنطقة. وتأتي دعوة أوجلان متقاطعة مع تحولات عميقة تشهدها المنطقة ليس أقلها ما جرى في سوريا التي سقط نظامها وانتصبت عوضه العصابات الإرهابية المدعومة تركيا وقطريا وصهيونيا والتي شرعت في إعادة ترتيب الوضع السوري وفقا لأجندة جديدة تتجه نحو خلق شروط "الشرق الأوسط الجديد" كما صاغته الامبريالية الأمريكية، وآخر معطيات هذا الوضع السوري إمضاء اتفاق بين الجولاني، الحاكم الجديد لسوريا و مظلوم عبدي، قائد "قوات سوريا الديمقراطية"(قسد) الكردية يقضي باندماج الأخيرة بهياكلها العسكرية والمدنية في الدولة الجديدة بما يعني التخلي عن شعار الانفصال أو الانتماء الكنفيدرالي للدولة السورية. فكيف يمكن فهم هذه المستجدات؟ وما هي حقيقة المسألة الكردية؟ وما هو العادل وغير العادل في هذه المسألة؟ ـ المسالة الكردية في التاريخ لا شك بالنسبة إلينا بكون الأكراد هم شعب له خصائصه المميزة من وحدة اللغة والتاريخ والأرض التي تحوز منطقة تقاطع قارتي آسيا و أروبا والتي تسمى أسيا الصغورى حيث اتجه عديد الباحثين إلى أن الأكراد هم السكان الأصليون للمنطقة الواقعة بين جبال طوروس التركية إلى جبال زاغروس الإيرانية. وفيما اعتبرهم البعض من أصول عربية نزحت إلى جبال كردستان حيث خلقت لغة وهوية جديدة، تتجه عديد الأبحاث لنسبتهم إلى العرق الآري وتحديدا من الفرع الهندو أروبي حيث هاجروا من وسط اسيا بين القرنين 12 و 9 قبل الميلاد ليتشكلوا كشعب مميز، وهم من أقدم الشعوب الآرية التي أسست حضارة متقدمة في المنطقة. لكن هذا الشعب تعرض طيلة التاريخ إلى شتى أشكال الاضطهاد بما في ذلك تقسيمه بين الكيانات القومية الكبرى في المنطقة وهي أساسا الأتراك والفرس (إيران) والعرب (العراق وسوريا). إن هذا التمزيق حول هذا الشعب إلى أقليات في هذه البلدان، فيما اختارت أعداد أخرى الهجرة سواء إلى البلدان القريبة (أرمينيا وبعض الجمهوريات السوفياتية السابقة) أو إلى البلدان الغربية وخاصة ألمانيا وذلك هربا من الاضطهاد العرقي والثقافي الذي تعرضت له عبر التاريخ. لقد كان الموقع الاستراتيجي لتركز الأكراد مصيبة عليهم سابقا وحاضرا، إذ استعملتهم الإمبراطوريات الاستعمارية المتلاحقة ورقة ضغط على هذا البلد أو ذاك وهو ما يفسر إلى حد كبير العجز عن تحقيق وحدة الأمة وإقامة الدولة الكردية المستقلة. وكرست اتفاقيات سايكس ـ بيكو الممضاة بين القوى الاستعمارية الفرنسية والانجليزية سنة 2016 والتي قسمت بلدان المنطقة وشعوبها بينهما تقسيم الشعب الكردي بين أربعة بلدان، القسم الأكبر في تركيا، والقسم الثاني في العراق ثم سوريا فإيران. ولا زال الشعب الكردي يعيش كأقليات في هذه البلدان، لكنها أقليات بالملايين، إذ يعيش 20 مليون كردي في تركيا (20°/° من السكان)، و6,5 ملايين في العراق (20°/° من السكان)و3 ملايين في سوريا (15°/° من السكان) و12 مليون في إيران (15°/°). ـ الذاتية الكردية في الفكر والنضال وقد تشكلت عبر التاريخ الحركة القومية الكردية التي طرحت كمهمة توحيد الشعب الكردي في بلد مستقل يسمى كردستان، وعرفت الحركة الوطنية الكردية ذروتها في ثلاثينات القرن المنصرم بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية التي كان الأكراد يتبعونها في كل أقطار تواجدهم. لقد تزامن ميلاد هذه الحركة مع ولادة الحركة القومية العربية التي نشطت فكرا وممارسة في ذات الحقبة حين طرحت ضرورة استقلال العرب عن تركيا وبناء دولتهم القومية الخاصة بهم. برز المفكرون الأكراد الذين اتجه بعضهم إلى طرح فكرة الانفصال والاستقلال من خلال بناء الدولة الخاصة حتى باعتماد طريقة بناء الكيانات الكردية في كل بلد على حده في أفق خلق شروط الوحدة الكردية، فتم في 1946 إعلان دولة "ماهاباد" غرب إيران لكنها انهارت بعد عام فقط، وطرح آخرون فكرة بناء أنظمة كنفدرالية تكرس الاستقلال الذاتي للأكراد ضمن الدول القائمة، فيما اتجه البعض إلى الدفاع عن فكرة الاندماج داخل المجتمعات القائمة خاصة بحكم وحدة العقيدة (أغلبية الأكراد مسلمون سنة) التي تيسّر هذا الاندماج. و مثلما ظهر مفكرون وحركات يتحركون في سياق الأمة الكردية الباحثة عن اكتمال شروط تشكلها، اختار آخرون التحرك ضمن حدود الدول القائمة (أكراد تركيا،أكراد العراق...). وككل مجتمع شقت الشعب الكردي التناقضات الطبقية والسياسية، وقد قادت جزء من الحركية الكردية عائلات تقليدية ذات نفوذ ديني واجتماعي مثل عائلة البرزاني التي قادت المساعي التفاوضية مع السلطان العثماني ثم مع المحتل الانقليزي لبعث الكيان الكردي، كما قادت التمردات السلمية والعنيفة (1907/1914) ثم (1931/1933) ،علما وان انقلترا كانت تنوي بعث دولتين كرديتين إلا أنها تخلت عن ذلك بإلحاق الأكراد بأقطار تواجدهم في إطار التعاطي معهم كورقة للتدخل والابتزاز وهو ما استمر إلى اليوم. ويعتبر مصطفى برزاني أب الحركة القومية الكردية المعاصرة، سواء لجهة توحيد الأكراد حول قضيتهم سواء من جهة الجهد الكبير لطرح المسـألة الكردية على العالم، ففضلا عن تأسيس "الحزب الديمقراطي الكردستاني" الذي وحّد عديد الفصائل، استطاع طرح المسألة الكردية أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة بدعم من الاتحاد السوفياتي سنة 1963، كما قاد عديد التمردات والانتفاضات الكردية في مختلف بلدان التواجد وخاصة شمال العراق حيث تم الاعتراف بالحقوق الكردية بعد عديد النزاعات المسلحة والانقسامات في الأحزاب الكردية ومنها ولادة "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة جلال طالباني، وقد ركز الحزبان عملهما في العراق أين تمكنا في تسعينات القرن الماضي من تكريس حكم ذاتي شمال وشرق العراق بدعم من أمريكا وبريطانيا ودول إقليمية في إطار الصراع مع نظام صدام حسين. وفي الجانب التركي وبعد فشل الانتفاضات والمساومات، تأسس "حزب العمال الكردستاني" سنة 1978 كمنظمة ثورية تعمل من أجل إقامة الوطن الكردي المستقل اعتمادا على الكفاح المسلح، علما وأن نضال المعاصر لأكراد تركيا اتسم غالبا بالانتفاضات والتمردات المسلحة (انتفاضة 1920، 1925،1930، 1931،1937...) والتي قابلها الحاكم التركي بالحديد والنار والمجازر الوحشية والإبادة. اعتمد حزب العمال أسلوب حرب العصابات واستهداف مراكز السلطة التركية وأيضا الكردية (قادة القبائل المرتبطين بالدولة التركية)، وشكل صموده البطولي أمام سلطة الانقلاب العسكري سنة 1980 التي استطاعت تفكيك كل القوى المعارضة التركية والكردية، نقطة تحول مهمة جعلت من الحزب قوة صاعدة استطاعت بداية التسعينات بعث نواتات الكيان الكردي في مناطق الارتكاز شرق تركيا التي تم تحريرها من قبضة الدولة التركية. في نهاية التسعينات بدأ الحزب يتعاطى بايجابية مع فكرة النضال من أجل افتكاك الحقوق الثقافية للأكراد التي بدأت السلطة تلوح بإمكانيتها (خاصة مع تورغوت أوزال). وقد أدى الضغط التركي على سوريا إلى طرد عبدالله أوجلان منها ليتم إيقافه سنة 1999 في كينيا من قبل المخابرات التركية أن حكم عليه بالسجن المؤبد. في الأثناء أعلن الحزب كم من مرة الهدنة، كما استأنف القتال. واعتمد أيضا على الأحزاب الكردية السلمية التي وصلت البرلمان وسيطرت على بلديات الشرق من أجل التعبئة لتطوير المكاسب التي تم تثبيتها في الدستور التركي بالاعتراف بالخصوصية الثقافية للأكراد كمكون من مكونات المجتمع التركي. ـ الأكراد أقليات مضطهدة ومستبعدة لقد عاش الأكراد في تركيا كأقلية مضطهدة وغير معترف بخصوصياتها الثقافية حتى وقت قريب، ولئن استقطب حزب العمال جزء مهما من الشعب الكردي، فان البعض اتجه في العقود الأخيرة إلى النشاط السلمي السياسي والبرلماني والبلدي من أجل تثبيت وتوسيع مجال التمتع بحقوق الهوية (اللغة،العادات...). وقد استطاع أكراد العراق الحفاظ على الحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية الاتحادية الذي أصبح تحت السيطرة الكلية لعائلة برزاني (مسعود ثم ابنه نتشرفان) المرتبطة بتحالفات اقليمية ودولية لا تخدم مصالح الأكراد وطموحاتهم. و قد كوّن جزء من أكراد سوريا سنة 2015 جناحا مسلحا تحت اسم "قوات وسريا الديمقراطية" وهو إطار موسع ل"قوات حماية الشعب" التي انبعثت للتصدي لعصابات داعش والنصرة والقاعدة في كوباني/عين العرب خاصة بعد 2011. و ارتبطت "قسد" بالدعم الأمريكي والصهيوني في إطار مخطط تفكيك سوريا وتقسيمها على أسس عرقية و طائفية، وقد أمضى زعيمها مظلوم عبدي يوم 10 مارس الجاري اتفاقا مع الجولاني للاندماج في هياكل الدولة السورية الجديدة. أما في إيران فان علاقة الأكراد بالدولة المركزية فقد ظلت عموما قائمة على العنف والاضطهاد رغم تمثيلهم ل15°/° من السكان، ويعبر الأكراد عن أنفسهم من خلال تعبيرات سلمية رسمية (التواجد في البرلمان ضمن الحصص الطائفية) أو المسلحة مثل "حزب الحياة الحرة الكردستاني" الذي يعتبره نظام الملالي امتدادا لحزب العمال الكردستاني. ـ الأكراد وتحولات المنطقة اليوم تعرف المنطقة منذ 2011 تحولات متسارعة لم تكن كلها في صالح شعوب المنطقة ولا مكوناتها المتعددة. لقد هبت ريح ثورية نهاية 2010 /بداية 2011 انطلقت من تونس التي ثار شعبها طلبا للتغيير بعد أن عاش عقودا متتالية تحت حكم دكتاتوري استبدادي، ولما نجح في إسقاط نظام بن علي شهدت المنطقة انعطافة ثورية تعكس طموح الشعوب إلى الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية فنهضت الشعوب من ليبيا إلى تركيا مرورا بمصر و اليمن والبحرين و سوريا. لكن النظام الرسمي مدعوما من الامبريالية العالمية والكيان الصهيوني تدخل بكل الأشكال والأساليب لتدمير انتفاضات الشعوب واختراقها وحرفها عن مطالبها الأصلية. وقد تحرك الأكراد مع أشقائهم في سوريا وتركيا والعراق من أجل التغيير الديمقراطي. لكن عصا القمع واختراق دول البترودولار للمسارات النضالية حول القرار إلى المطابخ الاستخبارية العالمية والإقليمية. لقد تحرك أكراد سوريا ضد العصابات التكفيرية وقاوموها في "كوباني" رافعين شعارات ديمقراطية تقدمية، لكن سيرورة التعقّد التي وسمت الأوضاع وتحولاتها حرفت تحرك الفصائل الأساسية لأكراد سوريا نحو الربط مع الأمريكان ثم مع الصهاينة حتى يكون لهم نصيب من التمويل والتسليح والحماية مثلهم مثل بقية القوى المرتبطة بتركيا وقطر أو بالسعودية والإمارات والتي استثمرت مجتمعة أموالا قادرة على القفز بالعالم العربي قرنا إلى الأمام. لقد أساءت "قوات سوريا الديمقراطيةـ قسد" إلى القضية الكردية والى المطالب العادلة لأكراد سوريا الذين حرموا لعقود من أبسط حقوقهم المدنية تحت حكم عائلة الأسد. لقد فرضت الأوضاع المستجدة على النظام السوري تقديم "تنازلات" للأكراد تعترف بخصوصياتهم الثقافية، لكن ذلك كان في سياق الحرب الأهلية الرجعية التي قابلت بين قوى محلية مسنودة اقليميا ودوليا على حساب الشعب السوري بكل مكوناته العرقية والدينية، وقد فرضت هذه الحرب بالوكالة تقاربا بين قوات النظام السوري وقوات"قسد" أكثر من مرة للتصدي للعصابات التكفيرية المسنودة تركيا وقطريا. وهكذا استمرت القوى الكردية في وضع ظلت تعيشه لعقود كامتداد لقرون مضت، وهو أنها ورقة في غيرها للابتزاز والتدخل والتحكم. لقد غازل نظام بشار "قسد" ووعدها بتوسيع مكاسب الأكراد لا لقناعة مبدئية ولإيمان بحقوق هؤلاء، بل كان ذلك ورقة من ورقات الصراع مع النظام التركي الذي ظلت الورقة الكردية الورقة التي تقسم ظهره بحكم حجمهم في تركيا وثقلهم السياسي والعسكري من خلال "حزب العمال" الذي اشتغل لسنوات من أرض سوريا وتم طرده منها في إطار ترتيبات بين النظامين شملت بعض الصفقات والتي تهم أساسا مياه الفرات بعد أن لوحت تركيا بالتدخل العسكري شمال سوريا لضرب قوات " أوجلان " الذي غادر إلى كينيا أين تم إلقاء القبض عليه، فيما تحولت قواته إلى غرب العراق وجبال شرق تركيا أين لا زالت تتحرك إلى اليوم وهو ما فرض عليها أكثر من مرة تغيير خطابها الذي أصبح أقرب إلى الخطاب القومي على شاكلة خطاب "مسعود برزاني" الحاكم بأمره في "كردستان العراق". لقد فرضت التحولات الجارية في المنطقة على النظام التركي بالخروج من "التابو" التاريخي والاعتراف للأكراد بذاتيتهم ضمن وحدة تركيا في إطار التعديلات الدستورية التي قام بها أردوغان الذي لم يتخلى عن الخيار القمعي والمواجهة العسكرية والأمنية في القوت الذي استعاد العقيدة العثمانية الطورانية كإطار سياسي لدور تركيا الإقليمي والدولي . كما تم الاعتراف بأحزاب كردية وصلت إلى البرلمان وترشحت للرئاسة (حزب الشعوب الديمقراطي) فضلا عن بلديات الجبال الشرقية مما غذى لدى أكراد تركيا الذين تحركوا لعقود في إطار النضال العسكري فكرة ضرورة مراجعة أسلوب العمل نحو العمل السلمي، وقد وجد العديد منهم في دعوة أوجلان إطارا لتشريع تحركهم. بالتوازي مع مستجدات المنطقة طيلة الخمس عشر سنة الماضية، ثبت البرزاني قبضته على إقليم كردستان في إطار الدولة الاتحادية التي ثبتت قادة "الاتحاد الوطني الكردستاني" على رأسها في إطار نظام برلماني لا دور فيه للرئيس، فيما فرض البرزاني ابنه خليفة له، وخلق ديكورا من الأحزاب للتحكم في البرلمان والحكومة ودخل في نزاعات مع الحكومة المركزية حول النصيب من الريع النفطي، وقد تحولت أربيل إلى نقطة استقطاب للمخابرات الأمريكية و الصهيونية خاصة في إطار الصراع مع الجار الإيراني. أما أكراد إيران فقد طلوا عموما أقلية مضطهدة تحركت كلما أمكن ذلك وكانوا صوتهم عال في التحركات المدافعة عن حرية المرأة وعن الحريات الديمقراطية التي يغرقها النظام في الدم وتغرقها الدوائر الغربية في التوظيف الرخيص للضغط على النظام في ملفات إقليمية ودولية. وجبت الإشارة إلى أن الدعوات إلى توحيد الصف والمطالب الكردية ظلت أصواتا محتشمة ومحدودة التأثير في الحركة، فقد انحصرت تقريبا في دعوات المثقفين والحقوقيين الأكراد خاصة الذين يعيشون في أروبا. ـ دعوة أوجلان: واقعية أم استسلام؟ اختطفت وسائل الإعلام الدعوة الأخيرة لعبد الله أوجلان لحزبه بحل نفسه وإلقاء السلاح والانخراط في عملية سلمية، واشتغلت الآلة الأردوغانية لتسويق ذلك كنصر مبين للخليفة العثماني الذي دكّ نظام الأسد ووضع اليد على سوريا من خلال تنصيب حالكم موال له أمضى اتفاقية مع "قوات قسد" لتشريكها في منظومة الحكم الجديدة بما يعني إلغاء لأي مطالب استقلالية أو انفصالية كردية آتية من سوريا.وتشكل الأوضاع المستجدة في المنطقة وضعا ملائما لبسط هيمنة الدولة التركية كلاعب إقليمي أساسي مع وعي عميق إن لعب هذا الدور الإقليمي هو بوابة الدخول إلى نادي الكبار دوليا، فالمنطقة بمعادلاتها الصعبة والمعقدة هي إحدى بوابات صياغة الموازنات الدولية. ويعمل أردوغان الذي يسهل التواصل غير المباشر مع أوجلان عبر النواب الأكراد مستفيدا من "التحول النوعي" في خطاب أحد غلاة النزعة الطورانية "دولت بهتشلي"، زعيم الحركة القومية التركية، وهي حزب قومي متطرف وهو في الأصل منظمة شبه عسكرية، يساند الحزب أردوغان في نزعته القومية اليمينية ويعادي الأكراد. ويعتبر التحول المهم في ممارسة هذا الحزب هو التقاطه لدعوة أوجلان واعتبارها فرصة تاريخية لطيّ الملف الكردي نهائيا، لذلك دافع عن نداء أوجلان ويطالب اليوم بحماسة لإطلاق سراحه حتى يتولى (أي أوجلان) تنفيذ فكرته باعتبار شخصيته الكاريزماتية لا وسط أكراد تركيا فحسب، بل ضمن كل الأكراد في المنطقة والعالم. هذا ولا يزال أردوغان يعتمد الازدواجية في التعاطي مع دعوة أوجلان، فمن جهة يشجعها ويريد استثمارها وفي نفس الوقت لازال يقمع حزب العمال ويصفه بالمنظمة الإرهابية ولازال في خطابه يقول أنه أعطى أقصى ما يمكن من الحقوق للأكراد وما عليهم وعلى قادتهم سوى الاندماج في الشعب التركي، وهو خطاب يحمل رسالتين، فمن جهة يريد مزيد انهاك حزب العمال في وضع اقليمي موات له وغير موات للأكراد بعد مستجدات الوضع السوري، ومن جهة لا يريد أن يخلق مساحات حرة لأوجلان ولأنصار الحل السلمي، فمنطق أردوغان هو منطق الإخضاع والسيطرة والاذلال وتحقيق انتصار ولو ظرفي في ظل معادلات إقليمية متحركة. لذلك يتجه عديد الملاحظين في تركيا وفي المنطقة أن اروغان بصدد إضاعة فرصة ذهبية إذ أنه بسلوكه الأرعن بصدد تعزيز موقف رافضي دعوة أوجلان و المشككين في إمكانية انجاز هكذا مساومة مع دكتاتور توسعي. لقد تلقى الشارع الكردي في تركيا دعوة الزعيم أوجلان بحماس ضعيف جدا. وللعلم فان أوجلان كان قد دعا سابقا إلى اعتماد الخيار السلمي لكن صواريخ أردوغان كانت تنسف هذه الدعاوي. ويتجه أنصار دعوة أوجلان إلى أنها تعاذي واقعي مع تحولات عميقة مست المنطقة والعالم، وأن أوجلان كان سيكرس هذا الخيار لو بقي طليقا. إن موازين القوى الدولية لا يمكن أن تعطي اليوم دولة كردية مستقلة، بل لا تعطي أكثر من الحفاظ على الذاتية القومية والخصوصيات الثقافية ضمن مسار معقد من النضال السلمي السياسي والثقافي. لكن المعضلة اليوم ليست في تأثير أوجلان الذي يعد الزعيم الوطني والقومي للشعب الكردي وتضاهي قيمته قيمة مصطفى البرزاني في بداياته، لكن التخوف من أنصار القضية الكردية هو أن ينتهي أوجلان إلى ما انتهى إليه مصطفى البرزاني قبل وفاته بتحوله من زعيم وطني إلى قائد شوفيني وزعيم قبلي رضي أن يحول قضية شعبه إلى ورقة ابتزاز بين أنظمة رجعية استبدادية. ـ الحل الديمقراطي للمسألة الكردية لقد ظلت المسألة الكردية لقرون تتراوح بين الاعتبار المبدئي الذي يقوم على حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وبناء وحدته كأمة لها مميزاتها الخاصة، وبين التعاطي الميداني الذي تأثر بكل المتغيرات السياسية والجيواسترتيجية التي تحكمت في الملف الكردي كما بالملف العربي بما حكم على القوميتين بأن تبقيا إلى اليوم مضطهدتين وتابعتين للقوى الإقليمية والدولية التي لا تراعي مصالح هذه الشعوب، بل تراعي فقط مصالحها التي تقتضي الإبقاء على العرب قومية مجزأة ومضطهدة والإبقاء على الأكراد موزعين بين أربع أقطار تحكمها أنظمة رجعية وعميلة. إن الحل الأمثل للمسألة الكردية هو الحل الديمقراطي الذي يعترف بالكرد أمة متمايزة لها حق تقرير مصيرها بما في ذلك حق الانفصال وبناء الدولة- الأمة كما بنتها الدول الحديثة، وعلى الشعوب العربية أكثر من غيرها أن تعي أن للأكراد حق بناء ذاتيتهم بما فيها الانفصال، وهو حق يجب أن يسحب على العرب الذي تم تدمير مسار تطورهم وبناء دولتهم كأمة موحدة. إن مصلحة الشعبين الكردي والعربي هي في التآزر والتحالف من أجل الأهداف المشتركة في التحرر والانعتاق والوحدة، وحدة الشعب الكردي وبناء دولته/ أمته المستقلة وذات الأمر بالنسبة للشعوب العربية ببناء دولتها/أمتها الديمقراطية التقدمية على أنقاض التقسيمات الاستعمارية. إن الأكراد أحرار سواء بالاندماج في المجتمعات الحرة وفي إطار دول ديمقراطية تعترف بخصوصياتهم وحقوقهم بما فيها ممارسة الحكم الذاتي أو الانفصال. إن التلاعب بالقضية الكردية يأتي اليوم في سياق وضع إقليمي تتصارع فيه كواسر الامبرياليات من أجل تأبيد الهيمنة على المنطقة ومقدراتها. إن الخطوة الأولى التي تعني القوى التقدمية والوطنية هي توحيد الجهد من أجل إجهاض الأهداف الاستعمارية وفي مقدمتها مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يريد تكريس السرطان الصهيوني ومزيد تفتيت الأقطار القائمة وليدة اتفاقيات سايكس ـ بيكو الاستعمارية. 29 مارس 2025
#علي_الجلولي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرفيق فيليب نودجينومي، الأمين العام للحزب الشيوعي بالبنين:
...
-
الرفيق فتحي فضل، الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني ل
...
-
الرفيق ممدوح حبشي،القيادي بالتحالف الشعبي الاشتراكي المصري ل
...
-
في الذكرى 53 لحركة فيفري1972 المجيدة، أو ملحمة استقلالية ودي
...
-
حوار مع الرفيق حنا غريب،الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني
...
-
حوار مع الأسيرة المحررة المحامية ديالا عايش: الانتقام من الأ
...
-
حوار مع الأسيرات المحررات،الرفيقة عبلة سعدات والرفيقة دانيا
...
-
حوار مع الرفيق فهمي شاهين، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الف
...
-
من الضّفّة الغربيّة، الرفيقة ماجدة المصري، نائبة الأمين العا
...
-
مستجدات الوضع السوري وتداعياته على القضية الفلسطينية
-
الشعبوية والمرفق التربوي: الشعارات الخاوية عوض الا
...
-
الشعبوية والقيم: وهم الأخلقة ينكشف أمام التدهور والسقوط
-
التونسيون والقضية الفلسطينية: ما سرّ هذا التراجع؟
-
في الذكرى الأولى لطوفان الأقصى: بعض الدروس وبعض العبر
-
فلسطين ولبنان في قلب معركة العالم ضد الهمجية والعربدة.
-
على هامش العودة المدرسية والجامعية: أوضاع التربية و التعليم
...
-
خالدة جرار أيقونة فلسطينية واقفة رغم ضيق التنفس.
-
في حوار شامل مع -صوت الشعب-: الصحفي المقدسي -راسم عبيدات- يق
...
-
محمد الغول من قلب النار، من غزة: من وسط الألم يصنع الفلسطيني
...
-
حوار مع الرفيق فهد سليمان،الأمين العام للجبهة الديمقراطية لت
...
المزيد.....
-
الولايات المتحدة تعتبر ألبانيز غير مؤهلة لشغل منصب المقرر ال
...
-
أونروا: المجاعة ستحدث في غزة خلال أيام.. رغيف الخبز غير موجو
...
-
نتنياهو يزور المجر في أول رحلة خارجية بعد مذكرة اعتقال الجنا
...
-
نتنياهو يتحدى المحكمة الجنائية الدولية بزيارة هنغاريا
-
دبلوماسيون: إجبار منظمات غير حكومية دولية على تعليق أنشطتها
...
-
اليمن مفخرة حقوق الإنسان (3من3)
-
الجزائر تؤكد ضرورة تفعيل القرار 2730 لحماية المدنيين وعمال ا
...
-
منظمات دولية في موقف محرج بعد كشف الأمن الليبي تورطها في قضا
...
-
مجلس حقوق الإنسان يدين استئناف إسرائيل الحرب ويطالبها بمنع و
...
-
طبيب شرعي: الاحتلال أعدم عمال إغاثة فلسطينيين ميدانيا
المزيد.....
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
-
الأحزاب الكردية والصراعات القبلية
/ بير رستم
المزيد.....
|