عفيف رحمة
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8293 - 2025 / 3 / 26 - 23:53
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في ظروف قاسية تمر بها سوريا بعد سقوط نظام الاستبداد الأسدي الوراثي، تتعالى هنا وهناك أصوات تهلل بعودة الدولة الأموية وأمجادها كمقدمة لإعطاء الشرعية لاستحواذ الإسلاميين على السلطة في دمشق. فماذا يعرف هؤلاء المهللون عن الدولة الأموية التي تحولت من دولة الخلفة الراشدة إلى دولة ملكية وراثية لها ما لها وعليها ما عليها.
المفارقة أن شريحة اجتماعية واسعة من هؤلاء المهللون لا أصول عربية لهم ولا علاقة تاريخية تربطهم بهذه الدولة الأموية، وإنما جاء موقفهم في إطار الفقر المعرفي والفكر الطائفي والمذهبي المتأصل في ثقافتهم والقابع عميقاً في وجدانهم؛ فكر لا بد وأن يصب بالضرورة في صالح مشروع التنظيمات السلفية الجهادية، الحاملة لفكر القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
فما هي الدولة بالأموية؟
نشأت الدولة الأموية في دمشق بعد أن أعلن الحسن بن علي بن أبي طالب مبايعته لمعاوية (661-681 م، 21-41 هـ) أميراً للمؤمنين، وذلك بعد انهيار خلافة أبيه في الكوفة-العراق . تحولت الخلافة -الإمارة فيما بعد إلى دولة مركزية وراثية حين عيّن معاوية ابنه يزيد (680-683 م) وريثاً له في السلطة ليتوالى على حكمها من بعده أبناء الأسرة الأموية القرشية.
يعود تسمية الدولة بالأموية نسبة لأمية بن عبد مناف؛ ومعاوية أول أمرائها فهو ابن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأب الأول لقبيلة قريش، أما الهاشميين خصومهم وأبناء عمومتهم فيعودوا لهاشم بن عبد شمس ومنهم خرج النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عمرو (هاشم) بن عبد مناف بن قصي.
أما الصراع بين الأمويين والهاشميين، ومن بعدهم فرعهم الثاني العباسي (نسبة لعباس بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي، ابن عم النبي محمد)، فيعود للصراع التاريخي المتوارث بين أبناء العمومة. لم يكن هذا الصراع بين بني أمية وبني هاشم، إلا صراعاً طبقياً بامتياز، فقد عرف بني أمية بالغنى والثراء حيث مارسوا التجارة مع بلاد الحبشة واليمن وبلاد الشام. أما أبناء عمومتهم بني هاشم فغلب على تجارتهم الخاسرة، فتولوا خدمة التجار وحجاج مكة من السقاية والوفادة والرفادة وخدمة آلهة الكعبة وهي أعمال خدمية موسمية لا تغني أصحابها ولا تفقر.
تغذى هذا الصراع الطبقي بالحقد الاجتماعي المتأصل عند بني هاشم تجاه بني أمية، حيث اعتبر الهاشميون أن أمية لا ينتمي لقبيلة قريش كونه لصيقاً لعبد شمس، ويذكر في عدد من المراجع (المقريزي وأبو القاسم الكوفي والواقدي...) أن عبد شمس لم ينجب صِبيةً، وكان أمية عبداً من جارية رومية يملكها عبد شمس (ويقال يهودية من صفورية في فلسطين)، ولأنه وجد في أمية الإخلاص والفطنة والذكاء تبناه وأصبح مولى له؛ ومن عادات العرب قبل الإسلام أنه إذا أعجب سيد عربي بعبده ضمه إليه (وأصبح مولى) وإن أراد نسبه إليه، فيقال فلان ابن فلان، ويجعل له من ميراثه نصيب الذكر من أولاده. هذا التبني كان عُرفاً عند البدو العرب، وكان مقبولاً اجتماعياً حتى جاء النبي محمد وحرمه حين أراد الزواج من زينب بن جحش بعد طلاقها من ابنه بالتبني زيد بن حارثة.
إن ما ورد من روايات تشير إلى أن بني أمية ليسوا من أنساب قريش، وعدم التشريف هذا كان سبباً كافياً لتنامى التنابز والحقد والتنازع الاجتماعي الذي تحول إلى صراع دائم بين الأسرتين الأموية والهاشمية، والذي وصل إلى مرحلة الحرب بينهما. يكتب التاريخ عدداً كبيراً من المنازعات والحروب بين الأسرتين حول السيادة والنسب والشرف، لكن غالباً ما يعزى هذا الصراع إلى رفض بني أمية دعوة النبي محمد بن عبد الله للدين الجديد.
ولعل أقسى ازدراء أموي للهاشميين هو ما قام به معاوية بن أبي سفيان بعد أن أصبح حاكماً على العرب وأميراً للمؤمنين، حيث اشترى دار الندوة من الصحابي عكرمة بن عمرو بن هاشم المخزومي، (ويقال عكرمة بن أبي جهل) وفي روايات أخرى أنه اشتراها من الصحابي الجليل حكيم بن حزام بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين، ليحولها إلى مجرد مقر لإقامته بعد أن كانت مكرمة قريش ومفخرة بني هاشم.
دار الندوة هذه أسسها عام (460 م) قصي بن كلاب الجد الرابع للرسول محمد، بعد أن تولى إمارة مكة خلفاً لعمه يقظة بن مرة؛ حيث كان يجتمع فيها حكماء مكة من قبائل قريش وخزاعة وغنى وزعمائها، لتنظم وإدارة شؤون مكة، فلا أمراً يقضى إلا فيها ومنها ترفع رايات الحرب وفيها تنظم المشاورات والمعاهدات، فهي المؤسسة التشريعية التي يخضع لها كل وجهاء مكة وجميع زعماء القبائل القاطنة حولها.
لماذا اختار معاوية دمشق مركزاً له؟ هل هي مصادفة تاريخية أم رغبة ذاتية أم لأسباب موضوعية؟
يعود انطلاقة الإمارة الأموية من دمشق (عاصمة الأمويين)، بداية من تعيين عمر بن الخطاب الخليفة الثالث لمعاوية والياً عليها. هذا التكليف لم يأتي عن محاباة بل جاء كاستثمار سياسي وتجاري لعلاقة بني أمية الوطيدة مع أهل الشام ومعرفتهم بلغتها الآرامية بحكم حضورهم في هذه البلاد. يعود هذا الوجود المبكر لبني أمية في دمشق لنجاحهم في التجارة مع بلاد الشام، وبسبب اعتزالهم فيها لعشر سنوات (أي تم نفيهم لبلاد الشام) بعد أن لجأ بني هاشم وبني أمية إلى تحكيم الكاهن الخزاعي لحل خلاف نشأ بينهما حول سيادة الهاشميين على مكة والكعبة وتمنع بني أمية في المشاركة بالإنفاق على خدمة آلهة الكعبة وحجاجها.
هل كان معاوية نصرانياً أم مسلماً؟
هل اعتنق معاوية الإسلام قبل توليه الخلافة كما يرد في بعض الروايات والأدبيات التاريخية؟ هل مات معوية مسلماً كما يزعم الرواة؟ حول هذا الموضوع قيل الكثير من الروايات المتناقضة وغير المؤكدة، فقد قيل أنه أسلم هو وأبوه وأمه وأخوه يزيد يوم فتح مكة، وقيل أنه أسلم قبل الفتح وبقي يخفي إسلامه حتى عام الفتح وحين صرح بإسلامه لأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس قالت له إياك أن تخالف أباك، أو أن تقطع أمراً دونه فيقطع عنك القوت، ... فهل صحيح أنه أسلم سراً قبل فتح مكة ولم يعلن إسلامه إلا بشكل متأخر، وما معنى أن يقطع عنه القوت وهو ابن سيد من أسياد مكة؟ وهل كان سنه كاف ليملك الجرأة بمخاصمة أبيه والخروج عنه وما زال فتى لم يصلب عوده بعد ليصنع مكانته وليجد مصدر رزقه بنفسه؟ أم أن ما جاء به الرواة مجرد شبهة وتدليس لتبرير استحواذ معاوية على إمارة الدولة وسيادته على المسلمين وعلى العرب من غير المسلمين كالنصارى والصابئة وغيرهم من الأقوام التي كانت تعيش في ظل حكمه؛ وكم شبهات الزمن الغابر يشبه التدليس في زمننا، حيث نقرأ بأن النجاشي ملك الحبشة قد مات على الإسلام وأن حاتم الطائي قد مات على الإسلام وغيرهم من الأعلام قد ماتوا على الإسلام وليختم القائل بعبارة والله أعلم...، منهج تدليس واستعلاء لفاقد الشيء بما يشبه ما يمارس في يومنا هذا، كالقول بأن رائد الفضاء نيل آرمستروغ قد اعتنق الإسلام، وأن عارضة الأزياء (س) قد اعتنقت الإسلام، وأن والزعيم السياسي (ع) قد اعتنق الإسلام بعد أن كان عدواً له، وغيره الكثير من التدليس الذي يمارس حتى يومنا من قبل رواد الدعوة للإسلام كما يروج لسلعة يراد بيعها.
لنستقرئ مذهبية معاوية، لا بد وأن نعود إلى دمشق بلاد الشام.
تاريخياً، كانت السريانية كلغة آرامية مكتوبة هي اللغة السائدة في بلاد الشام حيث ظلت بعد بيزنطة لغة الدواوين وهيئات الدولة منذ تولي معاوية الولاية حتى عهد عبد الملك بن مروان (685-705 م) الذي آثر على تعريب الدواوين والاعتماد على رجال من بيئته لإدارة شؤون الدولة.
وبحكم مكانة معاوية الاجتماعية في دمشق، استطاع أن يبني علاقات وطيدة مع نخبها واستعان بهم في حكمه فكان طبيبه مسيحياً ووزير ماليته مسيحياً وشاعر بلاطه كذلك وغيرهم الكثير، كما عيين ابن آثال المسيحي والياً على حمص ولعل منصور بن سرجون التغلبي، واحداً من أهم رجالاته وهو مسيحي، حيث عين في منصب وزير البلاط (661-680 م) وكان بيت أسراره؛ تابع ذات المهام في عهد يزيد بن معاوية (680-683 م)، واستمرّ في منصبه حتى عهد عبد الملك بن مروان (685-705 م).
خلفه في هذه المهام ابنه يوحنا بن منصور المعروف لاحقاً بالقديس يوحنا الدمشقي والملقب بدفاق الذهب لحكمته وفصاحة لسانه. لم يكتفي يوحنا بتولي مهمة إدارة البلاط وحفظ أسرار الأمراء، فثقة الأمراء بعلمه وحكمته وفلسفته أعطته المساحة الواسعة للمشاركة في مناظرات فكرية وفلسفية حول القرآن والإسلام، ومن أشهر كتبه كتاب De Haeresbius الهراطقة الذي وصف فيه الإسلام صراحة وبشجاعة كإحدى الهرطقات المسيحية، رأي لا يتقبله من وجد في الإسلام عقيدة له. مع بداية عهد هشام بن عبد الملك (724- 743 م) ورغم الصداقة الوطيدة التي جمعته مع يوحنا بن منصور إلا أن يوحنا قرر الاعتزال فدخل دير القديس سابا قرب القدس في فلسطين ليعرف بعدها بالقديس يوحنا الدمشقي، تاركاً وظائفه في البلاط ليحل مكانه ومكان أقرانه بدائل من العرب المسلمين بما ينسجم مع التحولات الفكرية والعقائدية التي شهدتها الدولة الأموية الثانية مع التعاقب الوراثي لبني أمية على إمارة الدولة.
أما الدلائل التاريخية التي ترجح نصرانية معاوية ما ذكره كل من المؤرخ فيليپ حتّي وهنري لامانس (Henri Lammens) وفريد ماكيجرو دونر (Fred McGraw Donner) أن الزوجة الأولى لمعاوية ميسون بنت بحدل الكلبية كانت مسيحية سريانية أرثودوكسية، ويقال أنه تزوج أيضاً ابنة عمها نائلة بنت عمارة الكلبية، ولربما سيقول قائل بأن هذه الدلائل ليست بحجة على نصرانية معاوية فالنبي محمد تزوج ماريا القبطية، حسناً سنأتي على ما هو أكثر دلالة.
مجمل هذه الشهادات إن دلت على شيء إنما تدل على وساعة صدر الخلفاء الأمويين الأوائل وعدم انحيازهم للدين الجديد، ولعل ما نسب لهم من أصول رومية غير عربية يؤكد الرأي بأنهم لم يكونوا يوماً متحزبين للإسلام دين خصومهم الهاشميين، وما يدعم هذه الفكرة هو ما أوردناه حول مناظرات القديس يوحنا ابن منصور في عهد الخلفاء حول الإسلام والقرآن، ونقده للإسلام دون خوف، ومدى التسامح لا بل التشجيع الذي لاقاه من الخلفاء ليعلن رؤيته صراحة من الدين الجديد.
أما ما يعزز هذه الفكرة فهي الوثائق التاريخية التي كانت تذكر كلمة أمير المؤمنين لا أمير المسلمين، وهو مصطلح لم يظهر إلا بشكل متأخر في الأدبيات الإسلامية؛ كما أن المراسلات والأوامر الرسمية الصادرة من البيت الملكي لم تكن تفتتح بالبسملة، أضف إلى ذلك كشاهد على عدم تحزب الأمويون الأوائل للإسلام وعن لا إسلامية معاوية هو ما وجد من نقود ذهبية في عهده حملت اسمه ورموزاً مسيحية مثل الصليب، وكلمة بسم الله، وربي بركة، والممجد، وغيرها من الإشارات التي استخدمت في المسيحية والتي تؤكد لا إسلامية النظام السائد في عهد معاوية ومن بعده من الأمراء حتى عهد الدولة الأموية الثانية منذ الخليفة عبد الملك بن مروان (685-705) حيث بدأت المسكوكات النقدية، الذهبية والفضية، تأخذ صيغتها الإسلامية مع ذكر محمد رسول الله، وشهادة التوحيد، وبدء المراسلات بالبسملة واستبدال العاملين في إدارة الدولة بالعرب المسلمين.
هل كانت الدولة الأموية في بداياتها تدين بالإسلام أم بالنصرانية الحجازية، وهل جاء الحضور الإسلامي متأخراً مع التعاقب الزمني للأمراء الأمويين؟
ما يرجحه الكثير من الباحثين الجادين أن معاوية كان نصرانياً، وتأتي الحوليات المارونية لتؤكد ذلك وتتحدث عن تتويجه ملكا على العرب في تلة الجلجلة بأورشليم حيث صلب المسيح، يضاف إلى ذلك علاقاته الوطيدة مع رهبان كنيسة القيامة وعمله لاسترداد كفن المسيح بعد إخفائه من اليهود، وما يعزز هذه الرأي ويؤكد لا إسلامية معاوية هو توليه مناظرة لحل خلاف بين أتباع الكنيسة السريانية الأرثودوكسية اليعقوبية مع أتباع الكنيسة المارونية حول طرق اتحاد طبيعتي المسيح (خلاف تفجر في أعقاب مجمع خلقيدونية عام 451 م)، حيث أقر معاوية رأي الموارنة ومنحهم كنائس كانت تابعة للأرثودوكس في حمص وحماه ومعرة النعمان، وأمر السريان اليعاقبة بدفع عشرين ألف درهم كل سنة لكي لا يتخلى عنهم، فكيف لرجل مسلم أن يحكم في خلافات تتعلق بعقائد المسيحيين؟
في النهاية ورغم ما أوردناه من قرائن مستمدة من دراسات وأبحاث موثقة حول لا إسلامية معاوية، إلا أن شخصية معاوية بن أبي سفيان تبقى شخصية قيادية تاريخية، حيث عرف عنه ثقافته الواسعة والحنكة السياسية والبراغماتية، إضافته لوساعة عقله والحيادية في تعامله مع مختلف الأطياف العقائدية من دون تمييز، وحسن استثماره لما خلفته الدولة البيزنطية من أنظمة للدواوين والمحاسبة والمراسلات والبريد والشرطة والعسكر، حيث سمح له كل ذلك بإدارة دولة وليؤسس دولة قوية مترامية الأطراف امتدت من خرسان شرقاً إلى إفريقيا غرباً واليمن جنوباً إلى جورجيا شمالاً.
ويبقى السؤال، هل يشبه معاوية بن أبي سفيان من حمل رايته وعلمه اليوم ونادى باستعادة الحكم الأموي في بلاد الشام؟
#عفيف_رحمة (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟