ملهم الملائكة
(Mulham Al Malaika)
الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 17:34
المحور:
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
يتغزل المهاجرون (وبخاصة الشيوعيون منهم) بشوق لا يريم بأوطانهم التي غادروها منذ عقود، ولكنهم رغم الشوق والأماني لا يفكرون قط في العودة لها.
"نوستالجيا" العشق الوطني وما ينجم عنها من توترات عاطفية "محببة" لا ينبغي لها قط أن تجد سبيلاً إلى التحقق على الأرض، وإلا انهار كل ما صنعه المهاجر عبر عقود الاغتراب او الاستشراق (والاغتراب أو الغربة وصف يقع في الأصل على من اتجه غرباً في هجرته بحثا عن وطن، أما من يتجه شرقاً بحثا عن مهجر يأويه فيقال له مستشرق، ثم تطور الوصفان إلى أشياء أخرى نعرفها اليوم).
إنها لعمري مفارقة باذخة عجيبة، فأطرافها لن تلتقي، ولا يراد لها أن تلتقي، ولكن الجميع يريدون لها أن تبقى في مرتبة المفارقة وليس أكثر! الناس (في الظاهر الأعم) يحبون أوطانهم، ويدافعون عنها، ويفخرون بالانتساب لها، فلماذا يهاجرون؟ وبعد الهجرة يشرعون بالدفاع عن الهجرة وتبريرها، وبالدفاع عن حقوق المهاجرين في بلدان المهجر، ثم يشرعون في الدفاع عن أوطانهم الخربة التي فارقوها مضطرين!
لعل مدافع عن المفهومين سيبرر التناقض بالقول إنّ الوطن والحب له لا يتناقضان مع الهجرة أو الدفاع عن حقوق المهاجرين، فهذه قضايا معقدة تتشكل بفعل عوامل متعددة. ولعله يمضي قدما شارحاً جوهر وتفاصيل هذه المفارقة المدهشة:
*فقد يحب الفرد وطنه، لكنه يهاجر بسبب ظروف معيشية صعبة (مثل البطالة، الفقر، أو غياب الخدمات الأساسية). الهجرة هنا تكون بحثًا عن فرص اقتصادية أو تعليمية أو صحية غير متوفرة في الوطن الأم، دون أن يعني ذلك تخلّيًا عن الانتماء.
*أو قد يُجبر الناس على الهجرة بسبب الحروب أو الاضطهاد السياسي أو الديني أو الاجتماعي. ولكن دفاعهم عن حقوقهم المستحدثة في بلد المهجر لا ينفي حبهم لوطنهم ولا يتناقض معه، بل يعكس رغبتهم في العيش بكرامة حتى لو اضطروا إلى مغادرة الوطن.
*يسعى المهاجرون غالبًا إلى الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية في البلد الجديد، مما يدفعهم للمطالبة بحقوق تُسهّل اندماجهم دون التخلي عن جذورهم. هذا النضال لا يتعارض مع فخرهم بانتمائهم الأصلي.
*الوقوف على ضفتين، وهذا أصعب ما في المفارقة الجديدة، فالإنسان حين يقف على نهر، عليه انتخاب ضفة واحدة للوقوف عليه، سوى بعض المهاجرين المشتاقين إلى إلغاء هجرتهم فهم يحاولون الوقوف على ضفتين في وقت واحد!؟ وهذا محال واقعياً، لكنهم يسعون له نظرياً، مبررين مساعيهم بالوصف أنه "يمكن للإنسان أن ينتمي إلى أكثر من مكان في وقت واحد". ومشرعنين مساعيهم بالقول "إنّ حب الوطن لا يمنع تكوين روابط إنسانية مع المجتمع الجديد. والدفاع عن حقوق المهاجرين قد ينبع من الإيمان بقيم العدالة العالمية، وليس بالضرورة من رفض الانتماء الأصلي".
*ينتقد بعض المهاجرين (وخاصة الشيوعيين) أوضاع بلدانهم الأصلية وما ينخرها من فساد وتهميش للمكونات الصغرى، وتمكّنهم الهجرة من إحراز هذه المساحة الواسعة للنقد، لكنهم يظلون مرتبطين عاطفيًا بتلك الأوطان، آملين أن نقدهم قد يكون دافعًا لإصلاحها، أو للبحث عن حياة أفضل دون تناقض مع الفخر بالهوية.
*يتفق أغلب الشيوعيين المهاجرين على أنّ الدفاع عن حقوق المهاجرين ينطلق من مبادئ إنسانية شاملة، مثل رفض العنصرية أو الدعوة إلى المساواة. هذه القيم لا ترتبط بجغرافيا محددة، بل بفطرة الإنسان الساعية للعدل.
*الهجرة، كما يأمل أغلب المهاجرين، قد تكون مؤقتة لتحقيق أهداف مثل الدراسة أو العمل، مع الاحتفاظ بنية العودة لاحقًا. خلال هذه الفترة، يطالب المهاجرون بحقوقهم لضمان معاملة عادلة تسمح لهم بالإسهام في الوطنين، وهنا تبلغ المفارقة أشدها.
في عالم مترابط، أصبحت الهجرة جزءًا من حركة الأفراد بحثًا عن الذات. الانتماء اليوم يمكن أن يكون "مرنًا"، حيث يتبنى الفرد قيمًا عالمية دون التخلي عن محليته.
في النهاية فإنّ "حب الوطن" ليس جامدًا أو حصريًا، فالإنسان كائن معقد، قادر على التكيف مع ظروف جديدة والدفاع عن قيم تتجاوز الحدود، بينما يحتفظ في داخله بجذور عميقة. الهجرة قد تكون تعبيرًا عن الأمل في غد أفضل، وليس تنكرًا للماضي.
في عصر العولمة أصبحت الهجرة حقاً، وباتت الأوطان خياراً سيئاً للحياة
تحوُّل الهجرة إلى "حقٍّ" مرتبط بتطور المفاهيم الإنسانية والقانونية، بينما فكرة أن الأوطان أصبحت "خيارًا سيئًا للحياة" تعكس اختلالات بنيوية في العديد من الدول. لقد أصبحت الهجرة حقًّا بسبب ظهور الاتفاقيات الدولية وشيوع مبدأ حقوق الإنسان. فقد اعترفت المواثيق الدولية (مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية اللاجئين لعام 1951) بـحق الفرد في طلب اللجوء هربًا من الاضطهاد أو الحروب.
وتطور مفهوم "الهجرة الآمنة" حتى بات جزءاً من حق الانسان في حياة كريمة، خاصة مع تصاعد الأزمات الإنسانية (مثل الحروب في سوريا واليمن وغزة ولبنان وغيرها).
وكما أسلفت، فقد تحوَّلت حقوق المهاجرين إلى جزء من خطاب العدالة الاجتماعية العالمية، خصوصًا مع تعرُّض الكثيرين للاستغلال أو العنصرية في بلدان المهجر. وصار نشطاء حقوق الإنسان يروجون أن حرية التنقُّل مكفولة أخلاقيًّا، حتى لو لم تُكرَّس قانونيًّا بشكل مطلق.
ساهم في رواج هذه المفاهيم، ضغوط ديموغرافية واقتصادية تتعرض لها بلدان أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، فهذه الوجهات هي دول غنية تعاني شيخوخة سكانية (كما الحال في أوروبا والولايات المتحدة إلى حد ما) وقد فتحت أبوابها لاستقبال مهاجرين لسدّ عجز اليد العاملة، مما عزَّز فكرة أن الهجرة "مصلحة مشتركة".
وساهم انتشار القوة الناعمة التي بثتها منظمات المجتمع المدني في ظهور منظمات مثل "أطباء بلا حدود" أو "هيومن رايتس ووتش" في تسليط الضوء على معاناة المهاجرين، بحيث تحوَّلت قضيتهم إلى شأنٍ عالمي، مما فرض على الحكومات التعامل معها كـ "حقوق" وليس مجرد "أزمة".
هل باتت الأوطان خيارًا سيئًا، ولماذا؟
إلى حد كبير هذا صحيح، فقد فشلت الدولة في توفير أساسيات العيش، وفي بلدان كثيرة، لم تعد الحكومات قادرة على توفير العمل، الصحة، التعليم، أو حتى الأمن (مثل لبنان مع الانهيار الاقتصادي، أو السودان أو اليمن مع الصراع، أو سوريا قبل وبعد انهيار نظام الاسد). وهذا يدفع المواطنين إلى اعتبار الهجرة متنفَّسًا وحيدًا للنجاة من الانهيار.
كما أن الاستبداد السياسي وقمع الحريات، وتكريس عبادة شخصية الحاكم، وإلغاء كيان الشعب، وتهميش وتقزيم كل المواطنين إزاء الطبقة الحاكمة وبطانتها، قد مكّن كثير من الأنظمة الشمولية من تحويل الوطن إلى سجن كبير، حيث يُحرم الشباب من حرية التعبير أو المشاركة السياسية، مما يجعل الهجرة بحثًا عن الحرية خياراً أخلاقياً، وليس مجرد هروب.
وقد كشفت العولمة ووسائلها وتطبيقات الذكاء الاصطناعي عن تفاوت الفرص الشاسع بين الناس، حتى بات واضحاً للجميع أن هوة سحيقة تفصل بين العالمين، فشباب الجنوب العالمي (ويضم بلدان أفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية) يرون عبر وسائل التواصل كيف أن العيش في دول الشمال يضمن لهم مستوى معيشيًا أعلى، فيصبح الوطن رمزًا للحرمان مقارنة بـ "الحلم الغربي".
وبسبب تراكم الإهمال والفساد وما نتج عنه فقد تفاقم تأثير الكوارث البيئية مثل التصحُّر، الجفاف، أو الفيضانات الناتجة عن التغير المناخي ما بات يجبر الملايين على النزوح (كما في أهوار جنوب العراق، ومناطق الجزيرة غرب العراق، وفي مناطق باكستان وأفغانستان والصومال وموزمبيق ودارفور وجنوب السودان وغيرها)، مما يكرس فكرة أن "الوطن لم يعد صالحًا للحياة".
وبسب الفساد وهدر الموارد في أوطان غنية بالموارد (مثل العراق أو نيجيريا أو إيران)، فقد دأبت النخب الحاكمة على نهب الثروات ما صار يخلق شعورًا بالغبن، ويجعل الهجرة احتجاجًا على الظلم، وليس مجرد سعيًا للراحة.
وكل ما سلف يجعل المرء يتساءل هل الهجرة حقٌّ مطلق؟ وهل الأوطان حقوق فاشلة؟ بماذا كان يتغزل الشيوعيون إذا؟ أين هو عشق الأوطان، وعن أيّ إنسان يتحدث الشيوعيون؟ الانسان المهاجر بحثا عن أمنه ورفاهيته، أم الانسان المتمسك بالوطن المتساقط حتى الموت، فيذهب هو وتغيب سلالته دفاعاً عن وطن يسرقه الحاكمون؟
لكن، وفي الجانب الآخر من المفارقة، فإنّ الهجرة ما زالت ليست "حقًّا مطلقًا"، ولا تزال الدول تتحكَّم بسياسات الهجرة وفق مصالحها، لكن الضغوط الإنسانية تدفع نحو تقنين الهجرة "كحقٍّ مشروط"، خاصة للفئات الهشَّة (لاجئون، ضحايا حروب).
المشكلة ليست في "فكرة الوطن" ذاتها، بل في أنظمة الحكم التي تسببت في تدهورها. دول مثل الإمارات أو رواندا أثبتت أن الإصلاح ممكن عندما تُدار الموارد بشفافية. ولكن السؤال الأكبر هو أليس حكام الدول هم أبناؤها، فمن نلوم، ومن يسرق من، ومن يخرب الأوطان؟
إنّ هجرة الكفاءات (هروب الأدمغة) وهجرة الأموال (هروب الاستثمارات) والأعداد الهائلة من الشباب غير المؤهل المهاجر، تُرسل رسالة واضحة للحكومات: إما الإصلاح أو الخروج من التاريخ. فقد تحولت الهجرة إلى حقٍّ بفعل فشل الأوطان في تحقيق العدالة، وليس بسبب ضعف الانتماء. المشكلة ليست في حبّ الوطن، بل في غياب الوطن الذي يستحق الحب. ومع ذلك، تظل الهجرة حلًّا فرديًّا مؤقتًا، بينما الحل الجذري يكمن في إصلاح الأوطان نفسها، ولكن كيف؟
#ملهم_الملائكة (هاشتاغ)
Mulham_Al_Malaika#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟