|
الدين و رغيف الخبز !
خليل قانصوه
طبيب متقاعد
(Khalil Kansou)
الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 16:13
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
من نافلة القول أن نعت ما يجري في سورية " بالثورة " يعبر قصدا أو جهلا أو نكاية عن عدم التزام بالمصداقية . فمن جهة لم نشهد في سورية على هامش عملية " طوفان الأقصى" في قطاع غزة و لبنان ، ثورة و ثوارا مظفرين استحقوا من الناس أكاليل الغار و من جهة ثانية لا نستطيع القول أن الحاكم المهاجر تنكر للناس و قامر بمصيرهم . فلو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن المسألة معقدة أكثر مما نتصور حيث تجمعت في سورية جميع خيوط المسألة المشرقية التي نشأت في فترة تداعي الإمبراطورية العثمانية ، الامر الذي أثار أطماع الدول الاستعمارية الأوروبية و روسيا في ميراثها ، فكانت تتربص بالفريسة متحيّنة الفرص المناسبة للانقضاض عليها . لا نجازف في الكلام أن حركة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر في سنة 1928 ، تمددت باكرا إلى سورية ، حيث لاقت في أغلب الظن ، ظروفا محلية و إقليمية ملائمة لا نستطيع في هذا البحث الغوص في تفاصيلها ، فنقتضب لنقول أن هذه الحركة قامت و لا تزال من أجل قيام " الدولة الإسلامية " في سورية بكل الوسائل بما فيها القوة المسلحة اهتداء بمبدأ " الإسلام هو الحل " ، فكان طبيعيا أن يقع صدام بينهم من جهة و بين سلطة الدولة السورية من جهة ثانية ، تحت أية ذريعة . خذ إليك مثالا على ذلك اعتراضهم في سنة 1961 ضد رحلة طلابية من جامعة دمشق لزيارة مدينة حماة ، بحجة ان بعض الطالبات ارتدين البنطلون ، وقرار أتخذه رئيس الدولة أديب الشيشكلي في سنة 1952 بحظر تنظيمهم . و لكن ما لبثت هذه الصدامات أن تحولت أحيانا إلى معارك حربية ، لا سيما بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في آذار 1963 . منها على سبيل المثال الانتفاضة المسلحة في مدينة حماة في نيسان أبريل 1964 ، تحت شعار " الله أكبر البعث أو الإسلام " حيث اضطر رئيس الحكومة آنذاك ، امين الحافظ لإصدار الامر باستخدام الأسلحة الثقيلة لاستعادة السيطرة على المدينة من أيدي الإخوان المسلمين بعد عدة أيام من الاشتباكات الضارية . لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد ، حيث أن قيادات في الحركة تأثرت بأفكار الإسلامي المصري سيد قطب المتشددة الذي راح يدعو إلى الجهاد المسلح "فريضة على المؤمنين " ضد السلطة في مصر و سورية . تجسد ذلك عمليا بإعلان الإخوان المسلمين الحرب على الدولة في السورية ، لمقاتلة حزب البعث "الإلحادي " و ما زاد الطين بلة أن" علويا كافرأ " بحسب مفهومهم ، تزعمه .فشرعوا الاغتيالات على الهوية ، حيث كان ابرزها مجزرة مدرسة ضباط المدفعية في مدينة حلب التي قتل فيها عدد من خريجيها " العلويين " ، على أيدي مسلحين استقدموا من خارج المدرسة و استطاعوا اللجوء إلى تركيا . هذه لمحات عن بعض فصول حرب حركة الإخوان المسلمين وفروعها و تشعباتها التي نعتقد أنها موفيّة في سياق السيرورة التي أطلقتها في بداية سنوات 1960 ، في سبيل تحقيق الدولة الإسلامية ،ضد حزب سياسي علماني من حيث المبدأ ، هو حزب البعث ، علما أن الانضواء في تنظيم علماني هو عمل سياسي و طني يجتذب بوجه عام ،الفئات الواعية عموما من ذوي الأصول الطائفية و المذهبية الأقلوية ، بالضد من الذين ينقصهم الوعي فتستسهل جماعات الطوائف الأكثرية إغوائهم جذبهم و تجييشهم . لم تخبو نار هذه الحرب الهمجية قبل نهاية 1980 و على الأرجح أن مرد ذلك كان لأساليب السلطة التي بطشت بهم بالإضافة إلى المصالحات و المساومات التي توصل إليها النظام مع الجهات الخارجية ، العربية و الأميركية ـ الأوروبية التي كانت تمد الإخوان المسلمين بأموال و فيرة و كميات من السلاح كبيرة ، امتلأت بها المخازن و الاقبية في المدن السورية القديمة ، مما أتاح لهم إلى جانب التزمت و تكفير الخصوم ، خوض قتال ضار ضد الدولة . هنا ينهض السؤال عما يُطلق عليه في الأدبيات السياسية أو الجيوسياسية "الصراع على سورية " و لكننا لا نستطيع هنا الدخول في هذا الموضوع ، فنكتفي بالقول أنه لا بد من أن نأخذ بالحسبان أننا حيال منطقة قسمها المستعمرون البريطانيون و الفرنسيون ، و أن الدول المجاورة لسورية تسعى لأن تكون الدولة فيها ضعيفة متقلقلة و بعضها يطمع بقسمة منها . يحسن التذكير بهذا الصدد أن سورية شهدت بين عامي 1949 و 1970 ، عشرين انقلابا عسكريا . جملة القول أن مقاتلي الإخوان المسلمين و بعض قادة الانقلابات على السلطة ، كانوا يتلقون الدعم المادي و الإعلامي من الدول العربية و الأوروبية ، كما كانوا يلجؤون إليها إذا فشلوا . أما لماذا استطاع النظام في سورية التغلب على الإخوان المسلمين في نهاية 1980 ، على عكس ما جرى بعد 2011 وانخراط الإخوان المسلمين ، كرأس حربة في حملات " الربيع العربي الغربية " ، و صولا إلى نهاية 2024 و قرار السلطة السورية التوقف عن المقاومة وهجرة أركانها من البلاد ؟ يطول الكلام بهذا الصدد ، لذا نكتفي بإجابة مختصرة : " الخبز و الفساد " . إن الناس في سورية لا يحتملون حربا ثانية عبثية ، بعد حرب الخمسين عاما الماضية التي تركت بالتأكيد ، كما في لبنان ، أثرا كبيرا و عميقا ، في الأذهان و في الأخلاق و المعتقدات و العقائد ، تفرض عليهم فرضا . كيف يقاتلون و هم ممنوعون من الدفاع ، لا يملكون الخبز و المأوى و الكساء و السلاح و العقيدة و الأمل !
#خليل_قانصوه (هاشتاغ)
Khalil_Kansou#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الضفة الغربية نموذجا !
-
المسألة الشيعية
-
حرب تلامذة جابوتنسكي
-
الرجل المريض و الحملات الغربية
-
الهزية و عقدة البيرق !
-
الدولة المستحيلة
-
الوطن للمواطنين !
-
أنا شارلي ,, أنا ثوري
-
جيوش بلا دول تتصدى لدول بلا جيوش ! !
-
هويات موسمية و أوطان مؤقته !
-
حصان طروادة في سورية
-
أكثر من حرب طائفين و أقل من ثورة و طنية !
-
دولة الرئاسة و دولة الخلافة !!
-
داوها بالتي كانت هي الداء !!
-
الحل الأفغاني و الحل الغزاوي !
-
ثورة أو استثارة ؟
-
ثورات الجملة
-
أما و قد سقط الرئيس !
-
السياسة الدينية !
-
تأملات في متغيرات جبل الجليد !
المزيد.....
-
أطماع الاحتلال تتصاعد في الذكرى الـ31 لمجزرة المسجد الإبراهي
...
-
إدانات فلسطينية لاستيلاء الاحتلال على صلاحيات بالمسجد الإبرا
...
-
صار عنا بيبي..تردد قناة طيور الجنة بيبي على نايل سات وعرب سا
...
-
حركتا حماس والجهاد الاسلامي تستنكران العدوان الاسرائيلي على
...
-
اسلامي: برنامجنا النووي يخضع لإشراف الوكالة الدولية للطاقة ا
...
-
المتطرف يهودا غليك يقود اقتحام المستعمرين للمسجد الأقصى
-
حماس تدعو لإفشال مخططات الاحتلال الرامية للسيطرة على المسجد
...
-
كل عام والأمة الاسلامية بخير .. الآن إمساكية شهر رمضان 2025
...
-
بيان من حماس بشأن قرار إسرائيل بحق المسجد الإبراهيمي
-
الفاتيكان: البابا فرنسيس لا يزال في حالة حرجة لكن مستقرة
المزيد.....
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
-
مقالة الفكر السياسي الإسلامي من عصر النهضة إلى ثورات الربيع
...
/ فارس إيغو
-
الكراس كتاب ما بعد القرآن
/ محمد علي صاحبُ الكراس
-
المسيحية بين الرومان والعرب
/ عيسى بن ضيف الله حداد
المزيد.....
|