بوتان زيباري
الحوار المتمدن-العدد: 8265 - 2025 / 2 / 26 - 14:34
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
في أرضٍ تمزّقت أوصالُها بين ظُلم الطغاة وجحيمِ الغُزاة، لم يكن الصباحُ يومًا نذيرَ خيرٍ، بل رسولَ مأساةٍ تتجدد، وجرحًا يأبى الالتئام. دمشقُ تنفضُ رمادَ استبدادها، فلا تجدُ إلا نيرانًا جديدةً تُضرَمُ في الهشيم. هناك، بين أنقاضِ أوهامِ العدالةِ، ووسطَ خرائبِ الرجاءِ، يرفعُ الجلادونَ راياتٍ سوداءَ ويُرددونَ شعاراتِ الخلاص، لكنّهم ليسوا سوى ظلالٍ متبدّلةٍ للوحشِ ذاته.
أما في الشمال، حيث تنبضُ قلوبُ أمةٍ لم تُكسر رغم السيفِ والنار، يَستلّ الغاصبونَ سهامَهم، ويُطلقونها نحو أطفالٍ لم يعرفوا يومًا سوى لغةِ الأمواجِ والشّمس. دمٌ على ضفافِ نهرِ الفرات، وصدى أنينٍ بين أزقةِ عفرين، وتاريخٌ يُعيدُ نَفسَه كما لو كان لعنَةً في سفرِ البشَرِ الأبديّ.
تركيا، سيدةُ المكرِ، تتلوَ بيانَ السلامِ بلسانٍ تقطّرت منه الحروب، وتُقدمُ غصنَ زيتونٍ تخضّبَ بدماءِ المصلوبين. أيُّ سلامٍ هذا؟ سلامٌ يطمسُ الأسماءَ، ويمحو الأوطانَ، ويزرعُ الخوفَ بدلًا من الأمل؟ لو كان للجبالِ ألسنةٌ، لنطقت بالعهدِ القديم، عهدِ الذينَ وقفوا بينَ السّيفِ والسّلاسلِ وقالوا: "لا".
أما الغربُ، فيرى ولا يُبصر، ويسمعُ ولا يصغي، يتقنُ فنّ الصمتِ حين يكونُ الكلامُ ثمنًا، ويمدُّ يدَ العونِ حين لا يكونُ للعونِ حاجة. يُحاربُ الإرهابَ حينَ يكونُ بعيدًا عن حدوده، وحينَ يكونُ جاثمًا فوقَ صدورِ من لا صوتَ لهم، يغضُّ الطرْفَ ويُشيحُ بالوجهِ، كأنَّ العدالةَ حكرٌ على من يملكُ ميزانها!
لكن، هل تنكسرُ الريحُ حينَ تعاندُها الصخور؟ أم تهدأُ النيرانُ حينَ تتكاثرُ عليها الأيدي الخائنة؟ لا، بل يشتدُّ العزمُ حين تشتدُّ المحن، ويولدُ الفجرُ من رمادِ ليلٍ ثقيلٍ، وترتفعُ راياتُ الذينَ لم يَقبلوا أن يكونوا ظِلًّا في أرضِهم، ولا شتاتًا في أوطانِ غيرهم.
وإن كانت السياسةُ لعبةَ المصالحِ، فإنَّ التاريخَ لا يحفظُ سوى من رفضوا أن يكونوا قطعًا على رقعةِ الشطرنج، أولئك الذين لا يخضعونَ، ولا ينحنونَ، حتى وإنْ تآمرتِ الأرضُ والسّماءُ عليهم.
يا عالمًا يتبارى في تقسيمِ الغنائمِ، أليسَ من العارِ أن تظلَّ دماءُ الأبرياءِ وقودًا لآلةِ الحربِ؟ أليسَ حريًّا بكم أن تتعظوا من دروسِ الماضي؟ فالتاريخُ سَيَحْكُمُ على ضمائرِكم: إمَّا أن تكونوا سدًّا منيعًا في وجهِ الظلام، أو شركاءَ في جريمةٍ تُكتبُ بحروفٍ من دمٍ على صفحاتِ القرنِ. فاخترْوا طريقَكم، واعلموا أنَّ دورةَ الزمنِ قد تعيدُ إليكم ما صنعتْ أيديكم.
#بوتان_زيباري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟