محمد بركات
الحوار المتمدن-العدد: 8264 - 2025 / 2 / 25 - 22:15
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لمقدمة
لطالما أثار رابي عدم وجود أي كتاب مؤلّف باللغة العربية عن (علم الأديان)، على الرغم من أنّ هذا العلم قد قطع شوطاً أمده أكثر من قرن ونصف، بعد تأسيسه الأول على يد ماكس مولر. وعلى الرغم من الاهتمام الاستثنائي، الذي يوليه الباحثون العرب لحقل الأديان و دراستها، وعلى الرغم من الركام الهائل من الدراسات الدينية والإسلامية الحديثة، لكن أحداً لم يسأل: أين كل هذا من علم إنساني جديد يعتني عناية أكاديمية وعلمية بالأديان؟ ذلك هو (علم الأديان). الغريب في الأمر أنّ الجامعات العربية ومراكز البحوث والدراسة تهتم بكل العلوم الإنسانية من اجتماع، واقتصاد، وسياسة، ونفس... إلخ، إلا علم الأديان، فهو مهمل من ناحية بتعمد واضح ومريب، ومن ناحية أخرى، يُنظر إليه كعدو ، وليس كعلم منضبط بمناهج بحث علمية حاله حال بقية العلوم الإنسانية. الكثيرون يكتبون عن الأديان، ولكن ليس من خلال علم الأديان؛ بل هم يكتبون دراسات خليطة مما هو عقائدي، ومعياري، وذوقي، ويندر أن تنحو المنحى العلمي منهجياً؛ فهي للدراسات المعيارية، ولمحاولات البحث والتحليل العفوية الممتدة من معالجات الدفاع عن الدين، أو تسفيه الأديان الأخرى. ولعل فيما يسمّى (الدراسات الإسلامية)، ولاسيما الشكل العقائدي لها، النموذج الواضح لهذا النوع من الدراسات أما الشكل الأكاديمي، فمازال نهب أذواق ومعايير مختلفة ومتناقضة.
ولا بد من أن أكون صريحاً ودقيقاً، فأقول : إن حل اللغز الديني لا يكون إلا من خلال علم الأديان، وإن فهم الأديان، أو الظاهرة الدينية، يمكن أن يكون من خلال الدين نفسه، أو من خلال الفلسفة؛ بل من خلال علم الأديان فحسب بكل مدارسه ومناهجه، التي سيعرضها
كتابنا هذا.
الأديان والظاهرة الدينية تثير اليوم أكبر الأسئلة وتغيّر أعرق المجتمعات، وتجتاح حياتنا بأكملها، ولن نستطيع فهم ما يجري إلّا من خلال العمق العلمي والمعرفي، الذي يقدمه (علم الأديان) بشجاعة لكلّ الأديان مجتمعةً، أو لكل دين على حدة، أو للظواهر الدينية المشتركة في الأديان، وحين نصل إلى ذلك الفهم العميق سندرك وقتها، أن تاريخ الإنسان في الماضي جميع كان غارقاً في الدين، الذي ساعد الإنسان من جهة على الصمود أمام تحديات الحياة والكون، وأغرقه، من جهة أخرى، بالأوهام، التي آن الأوان لكشفها بصراحة وشجاعة.
منذ ظهور سلسلة كتبي في تأريخ الأديان)، التي وصلت إلى نحو عشرة كتب، كنت أنظر، من خلال تناولي العلمي لتاريخ الأديان، إلى علم الأديان الذي يختفي خلف الآليات، التي استعملتها في عرض تلك الأديان وأدركت أنّي لا بد من أن أعرض هذه الآليات والطرق في تحليل الأديان مع غيرها، ممّا لم أستعمله منها في كتاب شامل عن (علم الأديان)، الذي وددت أن أقدمه للمكتبة العربية في أفضل صورة أستطيعها، متجاوزاً ذلك الابتسار، وتلك التناولات السريعة لهذا العلم، سواء في المقالات السريعة عنه أم في كتب علم الأديان الأجنبية، التي أخفق الكثير منها في عرض الصورة المنهجية العميقة لهذا العلم العظيم.
الكتاب، إذاً، يتكوّن من ستة أبواب مترابطة تؤدي إلى بعضها تدريجياً، وكل باب يحتوي على عدد من الفصول، والعدد الإجمالي للفصول عشرون فصلاً. الباب الأول كان بمثابة المدخل الواسع، الذي يحاول تعريف الدين، أولاً، وتعريف العلم، الذي يدرس الدين ثانياً، وهو (علم الأديان). فقد تناول تعريف الدين بمعناه اللغوي والاصطلاحي، عربياً وأجنبياً، ومكونات الدين، ونظريات نشوء الدين، ثم تناول مكونات كل دين الأساسية والثانوية، ونظريات نشوء الدين وفي علم الأديان، تناولنا تعريف هذا العلم، وضرورته، ومكوناته، وتصنيف الأديان.
أما الباب الثاني، فقد تناول تأريخ علم الأديان، أو جذور علم الأديان، التي نشأ منها، لاحقاً، علم الأديان، ابتداءً من الحضارات القديمة، ووصولاً إلى منتصف القرن التاسع عشر، قبيل الظهور الرسمي التأسيسي لعلم الأديان، ولم تكن لتلك الجذور أهمية علمية دقيقة؛ بل كانت موقفاً خاصاً الأديان، ونقداً وتحليلاً لها. من بدأ الأمر في بدايته نقداً بين الأديان المختلفة، أو نقداً داخلياً لتلك الأديان، لكنه تطور منذ العصر الوسيط، وكان للعرب والمسلمين مساهمة كبيرة في هذا المجال، من خلال ما سمّي (علم الملل والنحل)، الذي لم يكن علماً بالمعنى الدقيق؛ بل هو أحد العلوم الدينية، التي تنظر في أحوال المذاهب والأديان الأخرى، من خلال رؤية دينية (وليست علمية) لذلك الدين. لكنّ فحص الأديان بالطريقة العلمية بدأ جدياً، مع عصر النهضة، ثم تطور منذ القرن الخامس عشر منتصف القرن التاسع عشر، ولم يتطور إلى علم إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد ماكس مولر الذي كتب أوّل كتاب عن (علم الأديان).
الباب الثالث تناول تطوّر هذا العلم منذ ماكس مولر حتى بداية القرن الحادي والعشرين، من خلال حقلين واسعين كبيرين هما ؛ أولاً : العلوم الإنسانية، التي بدأت تناقش علم الأديان، ولاسيما علم الاجتماع والأنتربولوجيا، ثمّ علم النفس؛ وثانياً : من خلال المناهج العلمية، التي بدأت تتطوّر وتزداد دقةً في التحليل والوصول إلى نتائج جديدة، ولاسيما المنهج الظاهراتي (الفينومينولوجي)، والمنهج التأويلي (الهرمينوطيقا)، وهما يتصدّران، الآن، المناهج الأساسية لعلماء الأديان. وفي هذا الباب، ناقشنا كل ما يتعلق بالأديان عبر العلوم الإنسانية، وعبر تلك العلوم ؛ لكي نتعرّف تطور علم الأديان، خلال ما يقرب من قرن ونصف من السنوات المتسارعة بالمنجزات.
والباب الثالث ذهب واسعاً في التعريف بعلماء الأديان وعلماء العلوم الإنسانية، التي اهتمت بالأديان بطريقة علمية ؛ بل بالعلوم المكوّنة لعلم الأديان التي أسهمت في تشكيل بنيته لاحقاً. وعرضنا لمنجزاتهم، وكتبهم في الحقول التي تصب في علم الأديان. ومثل ذلك فعلنا مع المؤسسين الكبار لمناهج علم الأديان التقليدية والحديثة، وعرضنا لمنجزاتهم في هذا
المجال.
في الباب الرابع، ذهبنا إلى علم الأديان المتخصص في أهم الأديان المعروفة، سواء أكانت أدياناً ظهرت في عصور ما قبل التاريخ، أم في العصور التاريخية القديمة، أم في الأديان الوسيطة (الشمولية). وعرضنا أيضاً، لمنهج ومنجزات أهم علماء هذه الأديان، ثمّ عرضنا جامعات ومراكز ومؤسسات علم الأديان في العالم.
في الباب الخامس، تطرقنا إلى علم الأديان بذاته، وشرحنا بالتفصيل مكوناته الداخلية الرئيسة والثانوية؛ التي اختص بكلّ منها علمٌ من العلوم الفرعية المكوّنة لعلم الأديان، مثل علم العقائد الدينية، وعلم الميثولوجيا، وعلم الطقوس، وعلم الإسكاتولوجيا، وغيرها. ثمّ ناقشنا العلوم الخاصة بالمكونات الوظيفية لعلم الأديان، ثم العلوم الخاصة بمكونات العلوم الإنسانية في الأديان ومناهجها، ثمّ علم المكونات الثقافية للأديان، وبهذا نكون قد كشفنا عن جوهر العلم، وماهيته العلمية الدقيقة.
الباب السادس والأخير ناقش الفرق بين ماضي وحاضر ومستقبل الأديان، والسبل المختلفة، التي يمكن لعلم الأديان دخولها لدراسة ومعالجة الأديان في الماضي، والحاضر، والمستقبل، وعلاقة الأديان بالتاريخ والعلم والعولمة والسياسة، وصراع وحوار الأديان، ومستقبل الأديان، والحركات الروحية الجديدة والأديان الجديدة وما بعد الدين، وغيرها. ولابد من التنويه إلى أننا وضعنا قوائم كاملة لمؤلفات الفلاسفة وعلماء العلوم الإنسانية، وعلماء الأديان، لنعطي صورة شاملة للمراجع المكتوبة، التي شكلت ينابيع نشوء علم الأديان،
الذي مازال في طور النضج في عصرنا هذا، وقد تتبعنا العلماء وكتبهم عبر الأحقاب التاريخية بأسمائها العلمية، فالقديم هو الذي انتهى في القرون الميلادية الأولى، والوسيط هو الذي انتهى في القرن الخامس عشر الميلادي، والحديث هو الذي انتهى في منتصف القرن العشرين، والمعاصر هو الذي مازلنا فيه.
وبذلك، نكون قد أتينا على مجمل الصورة العميقة لعلم الأديان في تأريخه، وحاضره، وأفقه، ومكوناته، وعلومه الحاضنة، أو الفرعية، وحسبنا أن نكون قد قدمنا للقارئ هذه المادة العلمية الموثقة بالمراجع ليعود إليها، فيزداد في فهم التفاصيل الدقيقة، ويتمكن من ملاحقة نموها الحالي. وحسبنا أيضاً أن نكون قد قدمنا للجامعات والأكاديميات العربية، بشكل خاص، ومراكز البحث المتخصصة في الأديان هذا التفصيل الدقيق لعلم الأديان، الذي نرى أنه سيكون أكبر علوم المرحلة القادمة لحاجة البشرية إليه لفهم الأديان، ودورها المهم في حياتنا، سواء كان هذا الدور إيجابياً أم سلبياً.
الدكتور خزعل الماجدي المملكة الهولندية
[email protected]
#محمد_بركات (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟