أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معن الطائي - الوطن... كذبة قصة قصيرة















المزيد.....

الوطن... كذبة قصة قصيرة


معن الطائي

الحوار المتمدن-العدد: 1792 - 2007 / 1 / 11 - 08:13
المحور: الادب والفن
    


اطفأ صديقي سيجارته و ارجع ظهره الى الوراء بحركة كسولة، ثم نظر نحوي بابتسامته المحايدة.

- "كما اقول لك دائما، الوطن كذبة نحن اخترعناها وصدقناها. انها نوع من الاسقاطات الكثيرة في الثقافة البشرية البائسة. نضفي على ا لاشياء الجامدة او الغير موجودة دلالة و معنى ثم نخضع بذلك لتلك الدلالات ونقدم لها القرابين البشرية في تكرار ابدي للنزاعات البدائية لفجر التاريخ البشري."

لم أكن متفاجئا من الطريقة التي يتكلم بها فقد تعودت حوراته التي يعجبه ان يطلق عليها " حفريات في الثقافة الانسانية". فقد كان مسكونا بالشك. مرتابا من كل القناعات التي تتسرب الينا كبديهيات عبر النسيج الاجتماعي و الثقافي.

- " لا يجب ان نسّلم دون مقاومة" كان يقول... " انا لا اتخلى عن ذاتي بدون قتال.. لا اندمج في العادي و المألوف.. لا اذوب كقطعة سكر في كأس القناعات الدارجة حتى اتبخر و اتحول الى اثير"

كان يضحك بتخابث ويقول مقلدا مراسلي القنوات العربية الجديدة الذين يقفون فوق جثث القتلى ببرود عجيب ليستعرضوا مهاراتهم في اللغة الاعلامية، " أنا الرقم الصعب في معادلة القناعات المدجّنة للمجتمع المغيب عقليا".
هذه المرة فاجئني بفكرة تتمادى في غرابتها.

- " صدقني ان فكرت بالامر بطريقة ديكارتية عقلية ستكتشف ان مفهوم الوطن كذبة كبيرة"

- "كيف؟ !! انك تلغي بماء كلماتك صفحات كتبت بالدم و العرق. كل ذلك النضال و الصراع و اللوعة و الاشتياق و الغربة و الحنين و الاشعار و الادبيات.. كلها تهويمات فارغة من اي معنى؟!!"
- رد مبتسما ببرود " أنظر الى نفسك ، انك تستخدم نفس المتاريس و اكياس الرمل البالية التي تستخدم عادة في الدفاع عن المفاهيم المألوفة في المعارك المتكررة من اجل الحداثة و التجديد"
- "ياأخي الوطن لم يعد مجرد كلمة او مفهوم. انه كيان يشتبك مع ذاتنا. يولد معنا ويكبر بداخلنا حتى يتجاوز وجودنا الفردي و الجمعي، حتى يتضائل و جودنا امامه و يصبح اهون علينا ان نسير نحو موتنا على ان..."

قاطعني و قد بدا عليه الضيق من منطق كلماتي التي يراها اكياس رمل بالية:
- " لا احب المفردات الفضفاضة التي يصعب الامساك بمعناها دون ان تتلاشى من بين اصابع عقلنا الفاحص. اسمع ياصديقي..
من الناحية التاريخية فقد و لد مفهوم الوطن حديثا.. انه يرجع الى الثقافة الغربية و بالتحديد الى مايعرف بعصر النهضة الاوروبية في القرن الرابع عشر الميلادي. و قد تبلورت هذه الكلمة مع انهيار الممالك و سقوط الكنيسة و ظهور الدولة القومية كتجسيد لفكرة العقد الاجتماعي .
اما من الناحية المعرفية فان كل الديانات الشمولية، بما فيها الدين الاسلامي، لا تعترف بمفهوم الوطن."

" لا اعتقد اني اوافقك في هذا"
- " المسألة ليست مسالة توافق كيفي.. انّا نتحاور حوار عقلي حر الغلبة فيه للحجة القوية التي يقبلها العقل السليم المتحرر من قيد العادي و المالوف"
" كيف لك ان ان تدعي بان مفهوم الوطن كان غائبا عن الاديان؟"

- " اكيد. ألم يقاتل صحابة الرسول الكريم (ص) جيش و طنهم مكة، و قتل المسلمون الاوائل افرادا من اهلهم. الوطن اصبح لهم, الاسلام و الاهل والاخوة هم المسلمون.

- ما اريد قوله هو ان الاديان و الافكار الكبيرة و الفلسفات تشكل النسيج العقلي الذي ننتمي اليه بارادتنا الواعية كوطن و عقيدة و هوية."

" لا اظن اني افهمك بوضوح"

- " مازال ضباب المفاهيم الراسخة اجتماعيا يعمي بصيرة عقلك.. انت تدعى انك رجل مثقف! المثقف هو الانسان الذي يملك الجرأة الثقافية على ان ينسلخ من طبقته الاجتماعية بكل تجلياتها و لا ينتمي الا الى قناعاته القائمة على الشك و التأمل و التفكير الحر"
جاء النادل بتثاقل يجرر قدميه بكسل و اضح. وضع اكواب القهوة وقنينة الماء البلاستيكية وهو يصطنع ابتسامة. ما ان ابتعد النادل قليلا حتى استعاد صديقي حماسته و استطرد كانما كان يخشى ان تضيع الكلمات في ممرات ذاكرته المكتظة بالافكار الصاخبة:
- " كل العظماء في التاريخ صاروا اكبر من اوطانهم.. ففي التاريخ الحديث غيفارا قاتل في كوبا و جنوب افريقيا و بوليفيا. و قد حارب المثقفون العرب ضد الفاشية في الحرب الاسبانية في الثلاثينيات من القرن الماضي.... باختصار و طني هو حيث افكاري. انا مستعد للموت من اجل فكرة.. من اجل عقيدة او فلسفة او مبدأ. فموتي حينها سيصبح جميلا.. ساحرا"
" ولكن اليس الوطن مبدأ.. اليس هو عقيدة."
- " الاوطان العربية باتت كأم تاكل اطفالها. عشقنا لاوطاننا صار عشقا مرضيا ماسوشتيا.. صار المثقف كلوحة التدريب على الرماية لرجال مخابرات بلده.. و نعجة للتضحية لابطال جهاد مابعد الحداثة.. وطني هو حيث حريتي و كرامتي.. وطني هو حيث امارس انسانيتي بدون خوف او قهر.. و طني هو حيث يخط قلمي كلماته دون ان اصك على اسناني بانتظار ان تخترق الرصاصة مؤخرة جمجمتي"
ارتشفت قهوتي على عجل. لو اطلت اجلوس معه اكثر فسيجرجرني الى دوامات فكره الصاخب. قلت لانهي النقاش على مبدا السياسة اللبنانية (لا غالب و لا مغلوب)

- " ربما تكون على حق. اعرف و لعك بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو و حفرياته في العقل الاجتماعي. ولكن .. على كل حال يجب ان اذهب الان. انا اسف"
ابتسم هازء و كأنه كشف دوافع انسحابي المفاجيء.
- " تدّعون الثقافة و تخافون فتح نوافذكم و ابوابكم الصدئة لرياحها و عواصفها الرعدية.. تتمتعون فقط بنسيمها الهاديء و ماأن تشتد رياحها حتى تسارعون الى الهرب و اغلاق ابوابكم دونها"
- " ارجوك لا تقف تحت مطر الثقافة طويلا حتى لا تصاب بانفلونزا حادة و تنسى دفع الحساب!!"

دفعت الكرسي الى الخلف و نهضت حتى اوقف سيل افكاره.. خرجت من المقهى. فاجئني هواء بارد تسرب الى جسدي رغم السترة السميكة التي كنت احتمي بها.
" هل حقا نحن نحتمى بسترنا السميكة خوفا من برد رياح الثقافة؟"

خطوت نحو الشارع. نظرت حولي. أصوات اغاني مرتفعة بلهجة محلية.. وجوه اناس يسرعون ذهابا و ايابا من حولي.. و جوه صغيرة و شابة و كهلة.. و جوه لأناس لا اعرفهم لكنها بدت مالوفة بسحنتها السمراء و خطوط الزمن على الجبين و حول العينين. أحسست بدفء ينتشر في انحاء جسدي. شعرت بسعادة غامرة تهبط كامطار الصيف المفاجئة.. شعور بالالفة .. أنصتّ لصوت الدم المتدفق في عروقهم.. لصوت ثرثرة احذيتهم على الرصيف و الاسفلت.

انعطفت يمينا بعد ان اجتزت سوق القرطاسية الشهير بسوق السراي. و اجهني الجسر الاخضر بظهره المحني نحو الاعلى. توقفت في منتصف الجسر. نظرت الى دجلة يمتد بتعرجاته ليلاقي الافق الرصاصي. اغمضت عيني و انصت لصوت هديله الخافت.. كان يثرر بالفة مع ضفتيه .
الوجوه.. العبارات المتقافزة من بين كلام المارة بلهجتهم البغدادية .. مواويل دجلة الحزينة.. رائحة النهر و الهواء و التراب.. كل تلك الالفة و الدفء... احساسك بالانتماء .. هذا هو الوطن.
وليذهب ديكارت و كانت و سارتر و فوكو و صديقي المتحذلق معهم الى الجحيم.
كنت في تلك اللحظة مستعدا ان اموت عدة مرات من اجل ذلك الشعور الاليف الغامض ... ذلك الشعور المسمى بالوطن
.
شمس حياتي غابت. لا يدري أحد. الحب وجود أعمى ووحيد ما من
أحد يعرف في هذا المنفى أحدًا. الكل وحيدٌ. قلب العالم من حجرٍ في هذا المنفى - الملكوتْ



#معن_الطائي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرويات الكبرى وجماليات تزييف الواقع في الثقافة الكولونيالي ...
- في اشكاليةالخطاب النقدي العربي المعاصر
- ميشيل فوكو بين التاريخية الجديدة والمادية الثقافية


المزيد.....




- ح1 جزء ثاني صلاح الدين.. تردد قناة الفجر الجزائرية الناقلة ل ...
- لبنان-.. -أبو سليم- يسقط على المسرح أثناء تكريمه (فيديو)
- مارلون براندو: -وحش التمثيل- الذي رحل قبل عشرين عاماً
- -متحف البراءة-.. بوح باموق من الصفحات إلى أعين الزائرين
- ترددات قنوات الكرتون .. تردد قناة توم وجيري الجديد 2024 على ...
- اطلع على موعد عرض مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 165 مترجمة عبر ق ...
- أغنية مصرية للأطفال تحقق مليار مشاهدة (فيديو)
- أثارت جدلا.. ليلى عبد اللطيف تتوقع مصرع فنان وتورط ممثل عربي ...
- إنزو باتشي: حرب إسرائيل هي تطهير عرقي، ونعيش مرحلة تاريخية م ...
- الليبي سعد الفلاح يهزم البلجيكي ساجورا بالضربة الفنية القاضي ...


المزيد.....

- نظرية التداخلات الأجناسية في رواية كل من عليها خان للسيد ح ... / روباش عليمة
- خواطر الشيطان / عدنان رضوان
- إتقان الذات / عدنان رضوان
- الكتابة المسرحية للأطفال بين الواقع والتجريب أعمال السيد ... / الويزة جبابلية
- تمثلات التجريب في المسرح العربي : السيد حافظ أنموذجاً / عبدالستار عبد ثابت البيضاني
- الصراع الدرامى فى مسرح السيد حافظ التجريبى مسرحية بوابة الم ... / محمد السيد عبدالعاطي دحريجة
- سأُحاولُكِ مرَّة أُخرى/ ديوان / ريتا عودة
- أنا جنونُكَ--- مجموعة قصصيّة / ريتا عودة
- صحيفة -روسيا الأدبية- تنشر بحث: -بوشكين العربي- باللغة الروس ... / شاهر أحمد نصر
- حكايات أحفادي- قصص قصيرة جدا / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معن الطائي - الوطن... كذبة قصة قصيرة