أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد علي سليفاني - الاحتفال بين الهروب والتحدي: تساؤلات حول معنى الفرح في ظل المعاناة














المزيد.....

الاحتفال بين الهروب والتحدي: تساؤلات حول معنى الفرح في ظل المعاناة


خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)


الحوار المتمدن-العدد: 8208 - 2024 / 12 / 31 - 20:15
المحور: المجتمع المدني
    


أنا أؤمن تمامًا بحق الناس في الحرية الكاملة في اختياراتهم وسلوكياتهم، طالما أنهم لا يتجاوزون الحدود المسموح بها. ومع ذلك، تساؤلي هو: من الطبيعي أن تحتفل الشعوب التي تقدمت ونهضت بأوطانها، فهذا يعكس إنجازها واستحقاقها للفرح. لكن ماذا عن الشعوب المتأخرة، التي لا تزال ترزح تحت وطأة التخلف والمعاناة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟ شعوب تتحمل، في جزء كبير، مسؤولية هذه الأوضاع بسبب أنماط تفكيرها وسلوكياتها. كيف لها أن تجد مبررًا للاحتفال، وما الأساس الذي تقيم عليه أعيادها؟

الهروب من الواقع: هل هو الخيار السهل؟
عندما تعيش الشعوب عامًا بأكمله في معاناة، وتعجز عن كسر قيود الفقر والظلم والقهر، قد يتحول يوم الاحتفال إلى ما يشبه هدنة مؤقتة مع الألم. إنه استراحة من التفكير في صراعات الحياة اليومية، مساحة يتراجع فيها ثقل الواقع أمام أضواء الزينة وضحكات الأطفال. لكن إذا تأملنا بعمق، نجد أن هذا النوع من الفرح قد يبدو كأنه يختبئ وراء ستار من السكينة المؤقتة. فهل هو في الواقع هروب من الألم، أم مجرد استراحة من معركة الحياة؟ هذا القبول يشبه أحيانًا محاولة تخدير الوعي الجماعي بدلًا من إيقاظه. فعندما تتحول الاحتفالات إلى مجرد وسيلة لنسيان الألم بدلًا من مواجهته، يصبح السؤال ملحًا: إلى أي مدى يُسهم هذا الهروب في تأخير التغيير الحقيقي الذي تستحقه الشعوب؟

الاحتفال كتحدٍّ للحياة واستحقاقها
على الجانب الآخر، يمكن أن تكون الاحتفالات تعبيرًا عن إرادة الحياة التي تتحدى كل شيء. عندما يختار شعب ما أن يحتفل رغم الفقر والظلم والحروب، فإنه يرسل رسالة صريحة: "نحن هنا، وسنعيش رغم كل شيء." هذه اللحظة من الفرح قد تكون بمثابة إعلان وجود، وشهادة على قوة الإنسان في التمسك بالحياة حتى في أحلك الظروف. الاحتفالات ليست مجرد أغانٍ ومظاهر، بل هي طقس رمزي يعكس الإصرار على الاحتفاظ بالإنسانية في وجه القسوة. إنها لحظة تعبر فيها الشعوب عن حلمها بحياة أفضل، وتُذكّر نفسها بأنها تستحق الفرح، وأن الظلم والمعاناة ليسا قدرًا محتومًا.

مصير الشعوب بين الإرادة والقدر
لكن السؤال الأعمق هنا: لماذا تقبل الشعوب بالمعاناة في 364 يومًا لتحتفل بيوم واحد؟ وهل يمكن اعتبار هذا القبول نتيجة حتمية للظروف الخارجية، أم أنه انعكاس لإرادة داخلية غير مكتملة بعد؟ الشعوب تصنع مصائرها، وهذا لا يعني أنها قادرة على تغيير الواقع بسهولة، بل يعني أن المسؤولية الأولى تقع على عاتقها في تحديد الاتجاه. الاحتفالات، رغم جمالها، يمكن أن تصبح خطيرة إذا تحولت إلى وسيلة لتمجيد الاستسلام أو التعايش مع الظلم. وفي المقابل، يمكن أن تكون بداية وعي جماعي، شرارة تدفع الناس للتساؤل: لماذا نفرح ليوم واحد فقط؟ وهل يحق لشعب كونه صانع واقعه المرير أن يحتفل؟
إذا كان الشعب نفسه مسؤولًا عن خلق واقعه المرير عبر التهاون أو التعايش مع الظلم، يبرز سؤال فلسفي عميق: بماذا يحتفل؟ على ماذا يحتفل؟ هل يحتفل بعجزه عن التغيير، أم بقدرته على التكيف مع معاناته؟ إن الاحتفال، في هذه الحالة، قد يبدو كأنّه محاولة لتبرير الفشل أو تزيين واقعٍ مليء بالتناقضات. من هنا، ينبغي للشعوب أن تعيد تقييم مفهوم الاحتفال، ليصبح لحظة وعي بحجم المسؤولية بدلًا من كونه مجرد قناعٍ للهرب.

نحو احتفالات تصنع التغيير
لتتحول الاحتفالات من مجرد هروب إلى أداة تغيير، يجب أن ترافقها إرادة حقيقية لإعادة صياغة المصير. يوم الفرح يمكن أن يكون منصة لتذكير الشعوب بقوتها وقدرتها على تجاوز المحن، وليس فقط للتنفيس عن ضغوط الحياة. يجب أن تصبح الاحتفالات رمزًا للإصرار على بناء مستقبل مختلف، لا مجرد غطاء يُخفي عيوب الواقع.

الخاتمة: الاحتفال كمرآة للوعي الجمعي
الاحتفالات، في جوهرها، ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا؛ فهي مرآة تعكس الوعي الجمعي للشعوب. إذا كانت وسيلة للهروب، فإنها تعكس ضعف الإرادة الجماعية، أما إذا كانت تعبيرًا عن التحدي، فهي شهادة على حياة مليئة بالأمل والإصرار. بين الهروب والتحدي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحتفل لأننا نستحق الحياة أم لأننا نخشى مواجهتها؟ الإجابة تكمن في قدرتنا على تحويل هذه اللحظات إلى دافع حقيقي للتغيير.



#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)       Khaled_Ali_Silevani#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دور المهرجانات السينمائية في دعم القضايا القومية والوطنية: د ...
- الأنظمة القمعية تسقط، لكن الفكر القمعي يبقى إرثًا متجذرًا
- سارع إلى تعلم السباكة قبل غيرك: متغيرات قادمة والمستقبل مجهو ...
- فلسفة السرد الروائي: الأخطاء التي تشوّه البنية الأدبية
- التفاهة: نظام بين التافه والأتفه
- بوصلة التيه
- الدكتاتوريات الصغيرة وسياسة الفصل الطبقي في المؤسسات الحكومي ...
- لا تساوم: نحو مجتمع يتبنى القيم الحقيقية
- كوردستان في التاريخ المعاصر: استكشاف الأبعاد السياسية والاجت ...
- قراءة في كتاب سياسة الحكومة العراقية في كوردستان (1975-1991) ...
- خطاب التغيير وزيف الممارسة: المثقف بين النظرية والتطبيق
- النفاق الانتخابي: ظاهرة اجتماعية تزداد تعقيداً مع اقتراب موع ...
- بين بَيْنَيْن بَيْنٌ
- طقوس بناء النصوص
- كذبة نيسان
- شاهد عيان على نوم القمر
- مقامات السليفاني- وعاظ الأمير
- عزم الكردي
- شعب العجائب
- مفاتيحُ الضباب


المزيد.....




- منظمات حقوقية إسرائيلية: تل أبيب ترعى التهجير القسري للفلسطي ...
- الأونروا: 1.9 مليون شخص مشردون قسرياً في غزة
- الاحتلال يستهدف النازحين الهاربين من القصف المكثف على غزة + ...
- الحكومة السورية تابعت بـ-اهتمام- تقرير منظمة العفو الدولية ب ...
- المكتب الإعلامي الحكومي بغزة يطالب بفتح تحقيق دولي في جريمة ...
- الأونروا: نحو 1.9 مليون فلسطيني نزحوا قسريا بشكل متكرر منذ ب ...
- محافظة القدس: 5 شهداء و(239) حالة اعتقال خلال الربع الأول من ...
- منظمات حقوقية إسرائيلية: تل أبيب ترعى التهجير القسري للفلسطي ...
- أدب الأسرى في فلسطين.. ولد في السجون ليستحثّ الخُطا إلى الحر ...
- حوادث ترحيل -بالخطأ- تثير الذعر بين المهاجرين في أميركا


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد علي سليفاني - الاحتفال بين الهروب والتحدي: تساؤلات حول معنى الفرح في ظل المعاناة