مصطفى حقي
الحوار المتمدن-العدد: 1772 - 2006 / 12 / 22 - 11:48
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
عنف الحكاية وسلاستها تحركها المرأة عشقا وهياماً ووجداً تخترق الحدود وتقرب مابين المسافات والمعتقدات في صخب الرماد ، وضجيج الروح ، والقادمة من الشرايين ، والذي ترك المدينة ( ولم يتركها) ومشاهد منقوشة في ذاكرة متعبة
( ولكنها مبدعة ) وهكذا يتنقل بنا القاص الأديب بين محطات عناوين إبداعاته وعبر نظارته القاتمة في حكاياته من عالم القصة القصيرة ، ،عالم مضمخ بالعشق ، يرسم لوحات سريالية ينمنها برشقات عطر من ( الفنتازيا) الفراتية العشقية التي تتجاوز الحب العذري والتي تغلغل في الروح والجسد و يؤطرها بعواطف إنسانية جياشة تقدّس المرأة ويجنبها الخطيئة ويتحمل الوزر لوحده كناسك في ديره المهجور يصلي ويبتهل لأجل حواء الرائعة ...! ومن ضمن باقة من الزهور التي تحمل عناوين أنثوية نحاول زيارة بعضها وقد نتعداها إلى مناحٍ أخرى من عالم الدسوقي القصصية 0000
( لن أغير هذا الصباح ياسوسن ...؟ ارتعاشات اللقاء ... الموتى وأنا ويداها ... حكايات لامرأة تريد الفرح ... قالت له ... وتواعدنا .... رسائل من امرأة ساحلية ... تلك المرأة .... هو وهي .... ويوميات امرأة .... بطيئاً يجيئني موتها .. )
ونارا ... هي البطلة في معظم قصصه وملهمته ويبحث عنها وتبحث عنه .. ولكن ليس عن امرأة عادية .... انها نـــــــارا شريكة وَحْيه عندما ينام البشر ويعوم المبدع في أحلامه . ونبدأ من مجموعته ضجيج الروح ونوجز قصة ( تلك المرأة ....)
... حمل أحزانه وقرر الرحيل في البلاد بحثاً عنها .. عن يديها وفمها وعينيها القادرتين على عزف أنشودة الحياة حوله ... ... من تكون ؟ ... كان يشعر في كل وقت أنها هنا وهناك ، في مفترق تنتظره .. ولابدّ من لقاء .. كانت تقف بعيدة عنه ، تمد يديها من خلال الغيوم ..... ثم تهطل عليه طوفان حبٍ لا ينضب غاسلة جسده من قهره وغدر الأصدقاء . .... لوّحت له بيدها من بعيد فابتسم ... امتدت يدها فتلامست الأيدي في عناق طويل .. توغل في أعماقها ، فتح صدره وخبأها فيه .... ابتسمت الشمس وهي تلاحق الالتحام الأبدي .... همس لها بحب : أيتها المرأة انتشري في خلاياي .... تابعها بترقب يشبه العذاب ، جاءته من صقيع العمر ، ومدت يدها الدافئة لتداعب أحزانه وتبعثرها .. رحلة قصيرة جمعتهما فاتحدا .... أشارت إليه أن يتبعها ، حكى لها عن دفاتر حبه التي سُرقت ، وحكايات عشقه التي ضاعت ، ولحظات الفرح فشل في اصطيادها .. ارتعش وهو يهمس لها ..
: نارا .. أيتها الرائعة .. لماذا أنت ..!؟
: أيها الرجل الحزين .... لماذا أنت ...!؟
والتحما .... تشبث بها ، لحظات اللقاء تقترب من نهايتها .. الوداع يعزف سيمفونيته القاتلة .... تسارعت دقات قلبه وهو يناشدها
: تعالي نسرق هذه الليلة قليلاً من الفرح ... لنقض ليلتنا الأخيرة معاً ...
ذهبت لتنام وتركته وحيداً ساهراً مع فيروز ومعها ... أجهش داخله ببكاء متقطع ، ابتعد عنها مترنحاً يحمل فتات قلبه ...
عشرات المرّات وهو يدور في الشوارع بحثاً عن عينيها اللتين أصبحتا تسكنان بين وجهه وبين الوسادة وصرخ ...
: نصف قلبي لنارا ... والنصف الباقي لها ....
دق الأبواب ، سأل عنها رفاقه ... الإجابات مغلفة بالحيرة والتعجب ..
: من هي نارا .. المرأة التي تبحث عنها ....؟؟؟
: انها المرأة التي قضيت الرحلة معها ...
ابتسموا برثاء ..
: لقد حذرناك مراراً من الوحدة ، حاولنا جاهدين دفعك إلى مشاركتنا بهجة الرحلة ومرحها ... ولكنك بقيت وحيداً ..
: ونارا .. المرأة التي أدمنت عشقها
: لم تكن هناك امرأة اسمها نارا .. ولم تتحدث طوال الرحلة مع امرأة .... !
ونختزل من قصة الكاتب العاشق ( الموعد ) من مجموعته القادمة من الشرايين لنشاركه في كأس من المتعة العشقية .
......ورنّ هاتفها ... قلت : مساء الخير 000 أحبك أيتها المرأة التي تسكن خلايا الجسد أحبك بقواك.. بقواي ، أحبك كأمي كطفلتي ، أحبك تنامين قربي ( لأغرق) في نشوة عينيك النائمتين (الحالمتين) ....نارا أيتها الحبيبة .. أنتظرك غداً في الزمان والمكان ..مضت ساعات الليل بطيئة وأنا أنتظر قدوم الصباح ...
... صعدت الدرجات القليلة .. فتحت لها الباب إلى المكان الوحيد الذي تعشق الاستلقاء عليه عند وصولها .. أشعلت المدفأة ، اتجهت إلى المطبخ لإعداد الشاي
( على أمل لحاقها بي) واحتضانها ومداعبتها شعري وتوزيعها القبل من رأسي إلى ظهري إلى ... ( ولكنها لم تحضر..) لعلها ( سبقتني ) إلى غرفة النوم .. توقعت أن تكون هناك عارية كما أحب ، صدمني فراغ الفراش ....صرخت
: نارا ... أين أنت ... وماسمعت حتى الصدى ، كتبي وأوراقي مبعثرة بإهمال ، تلمستها ، شعرت بدفء يتسرب إلى داخلي (عدت إلى الغرفة) فوجئت أن مكانها لازال فارغاً .... ارتفع صوت فيروز ..( أنطر شي إيد تسلم على شي صوت عم بيقول مسا الخير )
ملأت كأسها وانهمكت في احتساء كأسي وناديت : نارا .. أين أنت ... تعالي
كأسها كان بارداً ، بحثت عنها في غرفة النوم ، المطبخ ، سمعت صوتاً في الحمام ، لابد انها تستحم ، فتحت الباب ، حطمني الفراغ ... نارا ...نارا ... واحتل محيّاها جدران شقتي تبتسم ، تغني وجسدها الرائع يرقص يتمايل ، تتعرى (وتنشد حوريات البحر نشيد عشقنا) ... ولكني تأكدت أني وحدي في الشقة منذ الصباح ... وبكيت ؟
ومن مجموعة صخب الرماد نترع من مذاق كأس (شتات القلب)
.. قلت : عليّ أن أباغت حزني بلقاء امرأة .. حضّرت كل مايلزم لاكتمال الحلم، أخرجت دِنان الحزن المعتقة من داخلي ، أعطيت لقسمات وجهي أوامر صارمة بالابتسام ، وأبلغت عصافير قلبي إشارة البدء للمناداة باسمك ، وأفسحت لها الفضاءات كي تطير بأشواقي إليك ...
(( نارا)) أيتها العصية البعيدة .. القريبة ..؟ همست للأشجار مداعباً وسائلاً إياها عنك ، فجاوبتني : انها تبحث عنك .. وتابعت بحثي المحموم ... في الشوارع الفرعية ، كانت مقفرة كروحي الجائعة العطشى إلى لمسة حنانك ... أفرغت في جوفي زجاجات مختلفة الألوان والطعم والرائحة ... قالت زوجتي : أنت ثمل 0 وأدرت لها ظهري 0 أبحث عن أنثى بحجم عذاباتي ، وامرأة تستوعب جوعي لها ......
وعند مفترق طرق تسمّرت قدماي ، لمحتها تعبر الشوارع مسرعة ... كانت هي المرأة التي رسمتها وحلمت بها : لقد أتعبتني خلال بحثي الطويل عنك ... عمري مندور لأسعادك ... جذبتها إلى فمي ، طالت القبلة مختصرة عذابات انتظاري ، شدّتني إلى صدرها ، وبعثرت شعرها على وجهي ، كنت أتوق إلى قبلة ، أبعدتني معاتبة : أنت تدرك أن موعد اللقاء مقدس .. فَلِمَ تأخرت ..؟
شددتها إلى صدري ، دفعتني بعيداً مشيرة إلى الآخرين ، همستُ لها بودٍ
: حتى في أحلامنا نخشى عيونهم وعتابهم 0 أسكتت أصابعها الرقيقة تدفق كلماتي
: الحلم جمعنا .. لكن الواقع سيفرقنا .. لاتنس َهذه الحقيقة ...
خمرتي أمامي تتلاشى في الكأس وهي تمعن التحديق في فنجان قهوتها بحثاً عن إشارات غيبية تهبها السعادة ، قلت لها يائساً ..
: ((نـــارا)) أنت مندورة لوقف انهياري . همست باستجداء ..
: كفى سيتوقف قلبي عن خفقانه . وبمواجهة البحر صرخت ..
: ياألله .. هل هذا هو البحر .. أم أنا في حلم ...؟؟ فغصّت بضحكتها ...
: إنه البحر .. ولازلت في حلمك ..
: ابتسمي يا صديقتي كي ترحل هذه الغيوم الداكنة . أبعدت نظراتها .. عاودت حصاري لها ..
: أنت امرأة جديرة بأن أعطيك مفاتيح قلبي . اغرورقت عيناها بالدموع ، رفّت شففتاها بكلمات متقطعة ..
: وداعاً ...نلتقي ..؟
: حين أسمع لهاث البحر وهو يتمطى في طريقه إلى صحرائي ... سألتقيك مجدداً . شدّت انتباهي نقاط دمٍ تتساقط على الأرض .... وتتسرب إلى مياه البحر . وما استطعت الإجابة عن تساؤلها العذب المحيّر ..
: من جرَحَ الآخر ...؟!
إلا أنني كنت متيقناً أن الدماء استمرّت في هطولها ، ولا زالت ، وأنا ضعت في حلمي ، وما عدت أستطيع تلمس طرق العودة إلى اليقظة ، أو حتى رؤية حبيبتي
((نــــارا)) مرة أخرى ...
ان الأديب الدسوقي له أسلوبه المتميز ، فهو لا يقلد وله مدرسته الخاصة به في التعبير المباشر والصعود بالقارئ على متن أحلامه بيسر وسهولة بحيث لا يشعر بالمسافات ولا بعقدة الثقافات ، فيخرج من حكايته بانشراح إنساني غير معقد ..
بالرغم من التوجه العشقي للأنثى فان أديبنا الدسوقي يتجاوز المرأة كثيراً ليخوض في مجالات اجتماعية وسياسية وبأسلوبه المتميز ، وسنفرد لتلك المواضيع في دراسة لاحقة
#مصطفى_حقي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟