أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل ادناه
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=769879

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد عمامي - المركزية واليسار والثورة: مداخلة في ندوة -اليسار يروي ذاكرته سيدي بوزيد 6 و7 مارس 2017















المزيد.....

المركزية واليسار والثورة: مداخلة في ندوة -اليسار يروي ذاكرته سيدي بوزيد 6 و7 مارس 2017


محمد عمامي

الحوار المتمدن-العدد: 7386 - 2022 / 9 / 29 - 00:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قبل كل شيء أحيي الحضور والمساهمين في هذه التظاهرة. كما أشكر دار شامة للنشر وجمعية العفيف الأخضر على تنظيمهما لهذا اللقاء وعلى دعوتي للمشاركة فيه. (1)

مداخلتي ستكون مركزة حول موضوع مقلق أو محرج نوعا ما ربما لكثير من الرفاق، لما له من صبغة نقدية لتجربة طالما كانت ملهما رئسيا ومرجعية هووية لجزء كبير منا. والهدف من هذا النقد طبعا ليس بخس التضحيات والجهود المضنية لأجيال من المناضلين اليساريين بل هو السعي إلى تجاوز حالة من الشلل والثبوت والجمود دامت أكثر مما يجب، على ضوء إبداعات ثورات أواخر القرن 20 وفاتحة القرن 21.

منذ ستينات القرن العشرين، وخاصة منذ الثمانينات تطورت حركات اجتماعية متنوعة ومتعددة الرهانات والأشكال النضالية والتنظيمية أضافت الكثير لتجارب القرنين الماضيين. تميزت تلك الحركات في ما تميزت به، بطرحها لعدة قضايا لم تكن مطروحة من قبل، مثل القضايا النسوية والأقليات الأثنية والهجرة والمكونات الثقافية المختلفة وكذلك مطالب الشبيبة المتعلمة بداية من الحركة الطلابية والتلمذية ثم حركات المعطلين والمهمشين من خريجي الجامعات والمعاهد... كما تشكلت حركات أخرى حول قضايا محلية محددة تهم مصير الأفراد والجماعات في المحليات والجهات والأقاليم التي همشتها عولمة الرأسمال أو فرضت عليها اندماجا قصريا يفقدها خصوصيتها ويضحّي بمصالحها لصالح الشركات الكبرى الرأسمالية. وهي حركات تطالب بحقها في سيادتها على ثرواتها الطبيعية وتقاتل من أجل الحفاظ على المحيط الذي تعيش فيه وعلى أساليب إنتاجها وتبادلها التي دمرتها العولمة الرأسمالية الخ.

ولقد جعل بروز تلك الحركات الاجتماعية مسارح الصراع أكثر تنوعا وتفاوتا مما كانت عليه في السابق. ولم يعد الصراع الاجتماعي حكرا على الصراع الطبقي بل تداخلت معه، وفي بعض الأحيان طغت عليه صراعات جديدة حول قضايا لم تكن في حسبان الأحزاب والمنظمات الثورية لبداية القرن العشرين. ولقد عزز تراجع هيمنة الدولة وبروز تكتلات وشبكات عابرة لا فقط للدول القومية وللتكتلات الإقليمية لتلك الدول بل وأيضا للقارات، اتجاهات التضامن التلقائي لتلك الفئات وميلها إلى التنظم المستقل ضمن شبكات تبدأ محلية ثمة تمتد خارج الحدود، متفاعلة بعضها مع بعض باستقلالية عن التنظيمات الحزبية المركزية وعن مجمل المنظمات العمالية والبرجوازية الصغيرة التقليدية من نقابات ومنظمات غير حكومية ومؤسسات شبه حكومية...

الثورة التونسية فاتحة ثورات ما بعد القرن العشرين.

لقد أكدت الثورة التونسية التباين بين ثورتين: ثورة التّحت التي تبرز بصفة فجائية معبرة عن سخط عام من المنظومة السائدة وإرادة قوية في التخلص منها ومن القائمين على حمايتها. وهي ثورة تحمل مضامين جديدة مناقضة وفي بعض الأحيان صادمة لجل التنظيرات الثورية والبرامج الحزبية السائدة قبل انطلاقها. وهي، أيضا، ثورة تعبر خاصة عن فعل الطبقات والفئات الخارجة عن المنظومة السائدة بطم طميمها بحكامها ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية وقوانينها ومعارضتها أحزابا ونقابات ومنظمات غير حكومية.

أما الثورة الثانية، وهي ثورة ضمن الثورة أو هي "ثورة في الثورة" لو عكسنا ما قصده ريجيس دبري من هذه المقولة، فهي ثورة موجهة مبرمجة سلفا ومخطط لها ضمن برامج وخطط سياسية وتنظيمية، وفي بعض الأحيان عسكرية. إنها، إذن، ثورة الأحزاب الثورية المنظمة بشكل مركزي برلماني في أحسن الأحوال وعسكري في أسوئها، تقودها بيروقراطية ثورية في أحسن الأحوال (ثورات القرن العشرين) أو بيروقراطية إصلاحية متفاوتة التجذر، ذات توجهات نفعية بحتة واهتمامات آنية لا تملك نظرة شاملة واستشرافية (ثورات بداية القرن 21). ويختزل الهدف الثوري في تلك الثورة في وصول الحزب (الأحزاب) الثوري(ة) إلى السلطة، بالطريق الثورية (المثال الأول) أو الطريق البرلمانية (الأنموذج الثاني)2. وهكذا تنتهي في الحالتين إلى فشل في تحقيق مهامها، وتكتفي بتغيير الفريق الحاكم وبإعادة تشكيل المنظومة السابقة سواء بقيادة الحزب/الأحزاب الثوري(ة) أو بمشاركة جزئية له(ها) في السلطة(3). ويمكن أن يفضي ذلك الفشل في تحقق الثورة إلى مرحلة من الدكتاتورية الدموية أو الاستبداد الأصولي الهمجي.

اليسار الثبوتي أمام ثورة خارجة عن النموذج

تطور المسار الثوري في تونس، على مدى سنوات، في شكل موجات تتفاعل فيها حركات اجتماعية متنوعة كالشبيبة المتعلمة والمعطلة عن العمل وفئات مختلفة من ضحايا العمل الهش والنساء والمحرومين في الأرياف والقرى وأحياء البؤس المحيطة بالمدن الكبرى. ولئن لعبت فروع الاتحاد العام التونسي للشغل المحلية والجهوية وبعض الهياكل القطاعية دورا كبيرا في إسناد، وفي بعض الأحيان، احتضان بعض التحركات، فإن الاتحاد نفسه كان إجمالا خارج الموجات الثورية واكتفى بمساندتها من بعيد ومرافقة بعضها ومعارضة البعض الآخر وصولا إلى تجريد بعض النقابيين الفاعلين في الحراك الثوري بتعلة التصدي للعنف والفوضى والتحركات الخارجة عن القانون. نفس الحذر من التلقائية والراديكالية ميزت مواقف الأحزاب اليسارية من الحركات الاجتماعية التي ابتدعت أشكالا نضالية تتجاوز الأطر التقليدية وتفتح مجالا للإبداع الجماهيري (اعتصامات، استيلاء على مقرات وأملاك مؤسسات خاصة أو عمومية وتسخيرها للثورة، قطع طرقات أمام تحرك قوات القمع، شل الاقتصاد وتعطيل سيره العادي، المواجهات الليلية مع البوليس...)

الموجة الأولى انطلقت من الحوض المنجمي بجهة قفصة في 2008 ثم تلتها تحركات الجنوب (بن قردان) وفريانة (القصرين) وصولا إلى 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد الذي فتح الباب لموجات عديدة ومتكررة ومنتشرة على جل الجهات والقرى والمدن وصولا لأكبرها. طوال هذه الموجات كانت التنظيمات اليسارية على الهامش مثلها مثل كل الأحزاب والتيارات السياسية. وفعلا، وبالرغم من انخراط عدد كبير من المناضلين اليساريين في الحركة الثورية إلا أن الأحزاب التي ينتمي كثيرهم لها أو يقترب منها بقيت على حذرها الموروث من الحركات "العفوية" (أحبذ التلقائية) وميولاتها الاستقلالية وعنفها ردا على عنف الدولة وميليشيات الثورة المضادة. إنّ احتلال الميادين والساحات العامة وقطع الطرقات والسكك الحديدية والاعتصامات الوحشية والمصادمات نهارا وليلا مع قوات القمع ليس مألوفا لدى يسار تعلم أن الثورة النمطية تبدأ بإضراب عام تليه مظاهرات تتدرج في سعتها وأهميتها للضغط على الحكومة حتى تستقيل وتعوض بأخرى مؤقتة تشرف على انتخابات تأسيسية لجمهورية "جديدة". ولم يكن من الصعب تبيّن أنّ ما كان يجري على الأرض لم يكن متوافقا مع تلك الوصفة الجاهزة التي تربت عليها زعامات وأجيال من كوادر المنظمات اليسارية.

إنّ الثورة من منظور يساري مشروع معد سلفا حول برنامج مركزي يجسد الإرادة الموحدة للطبقة الثورية (الطبقة العاملة). ويعتبر الحزب (الأحزاب) الثوري(ة) تكثيفا لطليعة تلك الطبقة وتعبيرا عن إرادتها، فهو(هي) صانع الثورة وقائدها. داخل غوغاء العامة، يزرع الحزب الثوري نظريته الثورية شيئا فشيئا عن طريق جنود/دعاة يتلقون الأوامر من قيادة شديدة السلطان ومتلاحمة حول الزعيم. في نقطة الذروة يكون الحزب الثوري قد استكمل تطوره بتسليح ميليشيات أو جيش متكامل (في بعض الثورات)، وبالتالي يكون مهيئا لاستلام السلطة إما بالعنف الثوري : الاستيلاء عنوة على سلطة الدولة (البلاشفة كأنموذج) أو بفرض الأمر الواقع عن الحكومة القائمة التي تذعن إلى مطلب "المجلس تأسيسي" متيحة الفرصة للثورة كي ترفع الحزب/الجبهة الثوري(ة) إلى السلطة أو إلى موقع متميز في المعارضة يجعلها تتهيأ للدورات الانتخابية اللاحقة للوصول إلى السلطة بالطريق البرلمانية (تونس كمثال).

وبما أنّ "العامل الذاتي" أي الحزب الثوري لم يكن ناضجا لاعتلاء السلطة فقد قرر زعماء اليسار أنّ الثورة الاجتماعية لم يحن وقتها بعد وأن الثورة الوطنية الديمقراطية" هي الهدف المركزي للثورة الحالية، ثورة "مدنية سلمية" قوامها "التوافق" و"الشراكة" بين كل "مكونات الطيف السياسي" أو "القوى الوطنية"، وهو ما عبروا عنه بمسار "الانتقال الديمقراطي". لم يكن بوسع "النشطاء" الفاعلين على الميدان أن يساهموا في بلورة ذلك البرنامج إذ وحدها القيادات قادرة على ذلك. فالحزب الهرمي لا يسمح للحفارين بالمساهمة في رسم البرامج والخطط، فذلك اختصاص القيادات ومحترفي السياسة. نحن الآن في قلب المسألة المطروحة في هذه المداخلة أي المركزية وعلاقتها باليسار والثورة. فما المركزية؟ وكيف أثرت في موقع اليسار من الثورة؟

مركزية في جميع الميادين والحقول

ربما يذهب البعض إلى أنّ المركزية لدى اليسار هي مجرد مركزية تنظيمية وتكفي دمقرطة الحياة الداخلية للتنظيمات حتى يقع تجاوز تلك النقيصة. ولكن المقصود هنا هو المركزية في كل أوجه النشاط السياسي والتسيير والتصورات. طبعا المركزية التنظيمية ولكن أيضا المركزية السياسية أو ما يعبر عنها، بلغة عسكرية، بالاستراتيجا، تلك الخطة العامة التي تفضي إلى مهمة مركزية أولية ألا وهي استيلاء الحزب على سلطة الدولة كبديل عن الجماهير الثائرة وكحاكم لها منذ ذلك الحين عوضا عن الفريق الحاكم القديم. وطبعا تعود الدولة، بوصفها جهاز أجهزة ممركزة، لتتولى مهامها المعتادة في فرض النظام العام بالضبط إن أمكن وبالقمع إن لزم الأمر. لذلك يحتاج الحزب للدولة ويرفض تفكيكها ويدافع عنها وعن "الأمن الوطني" و"الجيش الوطني" و"السيادة الوطنية" التي تتجسد في مراكز السلطة السياسية الثلاثة: الرئاسة والحكومة والبرلمان.

تجد مركزية اليسار مرجعيتها طبعا في اللينينية بوصفها إيديولوجيا موجهة لمجمل اليسار التونسي ولكن أيضا في تربية مدرسية وجامعية لزعاماته وكوادره وفي تربية نقابية في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قمة المركزية وشاهد على طغيان أقلية بيروقراطية على مجمل هياكله وأطره وممتلكاته ومناضليه. فالاتحاد العام التونسي للشغل يعيش مفارقة غريبة تبدو أمرا طبيعيا لكونها دامت عقودا طويلة فاكتسبت مشروعية. 13 عضوا يكونون المكتب التنفيذي يحكمون 750.000 نقابي بقطاعاتهم وجهاتهم ومحلياتهم المختلفة لأنهم يبدون أكثر "شرعية" بعد المؤتمر من كل الهياكل بما فيها أكثرهم تمثيلية وقدرة على اتخاذ القرارات العامة مثل المجلس الوطني والهيئة الإدارية الوطنية التي من المفروض أن يكون المكتب التنفيذي نفسه تابعا لها بالنظر. ولكن لكونه منتخبا من قبل المؤتمر العام، يصبح المكتب التنفيذي الهيكل الأهم والأكثر مشروعية وسلطة بين مؤتمرين. وهكذا لا تستطيع الهيئة الإدارية حتى الاجتماع ما لم يدعها المكتب التنفيذي؛ ولا تكون قراراتها نافذة وشرعية ما لم يصادق عليها المكتب التنفيذي وبالخصوص الأمين العام، وهو الحاكم بأمره من ضمن الـ13 عضوا حتى أن بقية الأعضاء هم مجرد مساعدين له. والاتحاد العام التونسي للشغل ليس إلا مرآة أخيه/غريمه حزب الدستور. فمنذ تولي بورقيبة زعامة الحزب الحر الدستوري (ثم الحزب الاشتراكي الدستوري) تطورت في صلبه مركزية بيروقراطية وصلت إلى حد الحكم الفردي وعبادة الشخصية والزبائنية حتى تحول ذلك الحزب إلى ميليشيات تابعة للزعيم وبطانته. وذلك ما سهل على بن علي، اثر انقلابه على بورقيبة، إخضاعه لنظامه البوليسي وجعله مجرد شبكة من الوشاة في خدمة أجهزة الداخلية بعد أن أحال قياداته على التقاعد الإجباري وغير اسمه ونصب نفسه رئيسا عليه.

ولقد تأثر اليسار أيضا بهرمية الاتحاد العام لطلبة تونس الذي ورث قيادته عن حزب الدستور نفسه منذ بداية السبعينات، فضلا عن تأثره بالتيارات القومية المتمركسة وغير المتمركسة التي كانت دوما منهلا من مناهل الثقافة السياسية لليسار التونسي والعربي عموما. ونعرف كم كانت ولا زالت الحركة القومية بمختلف فصائلها شديدة المركزة والهرمية وذات نزعة عسكرية. ويكفي أن نشير هنا إلى أنّ ما يصح على الأحزاب اليسارية والاتحاد العام التونسي للشغل يصح على كثير من المنظمات غير الحكومية والجمعيات التي تدور في فلك اليسار وما يسمى بالحركة التقدمية. فالثقافة مشتركة والهدف واحد والأساليب تتقارب.

أفق الثورة في منظور اليسار

طبعا ليس من السهل الكلام عن مشروع مجتمعي خاص بمنظمات اليسار التونسي ولا حتى عن تصور واضح لمهام "المرحلة الانتقالية" (الثورة الوطنية الديمقراطية) التي كثيرا ما ينسبون لها أنفسهم. فالبون شاسع بين برامجهم الموضوعة على الرف ومثلهم العليا المتستر عنها وبين ما يعبرون عنه يوميا في المنابر السياسية والإعلامية. ولكن، لندع جانبا ما ينسب لديهم إلى التكتيك وإلى مقتضيات موازين القوى، ولننظر في برامجهم الموثقة والمخبأة والمؤجلة لأجل غير مسمى. تتلخص تلك البرامج في إجراءات حمائية وذات نزعة مركزية مشطة على جميع المستويات. وهي باختصار، استحضار "لسياسة التعاضد" التي قادها احمد بن صالح طوال عشرية الستينات من القرن الماضي، تلك التي سميت بالاشتراكية البورقيبية.

دولة قوية حمائية أبوية تتدخل في كل المستويات، تمسك بالاقتصاد وتؤمم "القطاعات الإستراتيجية" وتضعها تحت تصرف الحكومة، وتضيق الحريات الفردية والعامة وتحتكر تنظيم الحياة الإجتماعية والسياسية والروحية لمنظوريها. ذلك هو الوضع المثالي الذي يسعى فعلا يسارنا لإرسائه رغم التظاهر"بالديمقراطية" وحتى بالليبرالية المعتدلة تماشيا مع "مقتضيات الواقع".

ليس من الصعب تبين التعارض الواضح بين سياسة اليسار مع اتجاهات الثورة التونسية التي برزت منذ انطلاقها بوصفها ثورة اجتماعية شاملة لا تتوقف عند أولوية "حل الأزمة السياسية وإرساء الشرعية الديمقراطية أولا" بل تنزع إلى قلب المنظومة الاجتماعية والسياسية كاملة بعلاقات الاستغلال والنهب التي تمارسها "عصابة السراق" والدولة الكافلة للنهابين ببوليسها وإدارتها وممثليها في المحليات والجهات والقطاعات وصولا إلى هرمها. وما موجات "ديقاج" التي سادت جميع مستويات السلطة السياسية والاقتصادية إلا دليل على أنّ الشعب كان يرغب في كنس، لا فقط النظام السياسي، بل وكل المنظومة الاقتصادية الاجتماعية التي يقوم عليها. إنّ احتلال مراكز الإنتاج وتعطيل نقل المنتوج إلى مواطن الهيمنة الاقتصادية (الموانئ والمدن الساحلية المفتوحة عن التصدير) ومقرات السلطات وقطع الطرقات وتنظيم التوزيع والدفاع الذاتي والتضامن اليومي في غياب رموز السلطة امتد لفترات متفاوتة من جهة لأخرى ومن قرية لأخرى ومن مدينة لأخرى ومن حي لآخر، بحثا عن نمط من التنظيم الاجتماعي الأكثر عدلا والأنسب لضمان تولي المواطنين مصيرهم بأيديهم عوضا عن الركون إلى التسلط الاعتباطي الأبوي للدولة. إنّ ذلك النشاط الذاتي والتنظم الذاتي هو أكثر ما أرعب اليسار المركزي وجعله يواجهه، باشتراك مع الاتحاد العام التونسي للشغل، بالمسارعة إلى المشاركة في إرساء المجلس الوطني لحماية الثورة الذي يضم أغلبية معادية للثورة حفظا للنظام وحصارا لاتجاهات "الفوضى والانفلات" (اقرأ الثورة). وإذا برزت بعض منارات التسيير الذاتي ونزعات الاستقلال عن الدولة في الحوض المنجمي وسليانة والكاف وتطاوين وقبلي وغيرها من المناطق التي ضعفت فيها الدولة أكثر من غيرها فإن تجربة جمنة تبقى الأرقى والأقرب إلى التعبير عن إرادة حقيقية في التسيير الذاتي والاستقلال عن الدولة والقطع مع ثقافة التواكل/الرضوخ لسلطان الدولة/الأب/العرف/الكافل.

لم تجد نزعات الاستقلال عن الدولة والشروع في تفكيك هيمنتها انطلاقا من طوق الجهات الداخلية استجابة من يسار يعيش تحت وطأة فوبيا التذرر وانقسام الوطن وفقدان سيادة وطنية وهمية منسوبة للحكومة المركزية. وحتى حين اضطر للتفاعل مع دعوات اللامركزية تصدى لشعار الفدرالية وتمسك بالمركزية وسيادة الحكومة المطلقة على الجهات والموارد والثروات واكتفى بالموافقة على حقن جرعات بسيطة من الصلاحيات وحق التصرف للبلديات والجماعات المحلية ضمن ميزانيات ترصد من قبل الحكم المركزي وخاضعة لرقابته.

وبعد؟

من خلال ما تقدم تبدو،إذن، ثقافة المركزية الشديدة التي تربى عليها اليسار التونسي ومعارضته للمبادرة الجماهيرية والتنظيم والتسيير الذاتيين والأشكال الفدرالية في التنظيم والديمقراطية المباشرة كإحدى أهم عوائق انخراطه في المسار الثوري ومساهمته الايجابية في تطوره. ولا يعني هذا التأكيد أن المركزية هي العائق الوحيد أو الأهم في عزل اليسار عن الثورة. فالعوائق كثيرة ومتداخلة، وهي تستدعي أبحاثا تتجاوز هذه الورقة عمقا وسعة. لذلك أعتبر هذه المداخلة مساهمة بسيطة في مجهود نقدي هائل من الضروري خوضه بوصفه شرطا أوليا للخروج من الحلقة المفرغة التي لا تزال تتخبط فيها التنظيمات الثورية منذ قرنين على الأقل، وهو مأزق جعلها تساهم في أحيان كثيرة في إعاقة تحقق الثورة الاجتماعية وتخلق فرصا تاريخية لإنقاذ الرأسمالية والنظم الدكتاتورية.


(1) مداخلة ضمن فعاليات لقاء “اليسار يروي ذاكرته” بسيدي بوزيد 6 و 7 ماي 2017



#محمد_عمامي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قيس سعيد والأسطرة الخبيثة: من قال أنّ الغرب ضد قيس سعيد؟
- إسقاط المنظومة كاملة أم تنقيتها من الخوانجية؟
- مسلسل -حرقة- كما رأيته من خلال خمس حلقات
- الأستاذ الرئيس وخطاب إهانة المرأة في عيد المرأة
- مداخلة عبد المجيد بلحاج عن الجمعية المحلية لحماية واحات جمنة ...
- رسالة إلى أخي اليساري الإمتثالي
- اليسار والثورة، نحو الخروج من الزاوية: (مداخلة في ندوة مفتوح ...
- ملاحظات سريعة حول خطاب -الأستاذ-
- النصّاب
- الشعب لا يريد...
- النزيف.... نحو الحرب الأهلية
- مازوشية الزواحف الوطنية
- في الكوابح الذاتية للثورة
- أطروحات سريعة من وحي ثورة مغتصبة
- البركوس
- الثورة الاجتماعية في مواجهة مسخها -الديمقراطي-
- البرنامج المباشر للثورة الاجتماعية والسياسية بالبلاد التونسي ...
- الهبة الشعبية الجديدة ودروس 32 أكتوبر 2011
- تونس ترتقي إلى مصاف الفريسة المتميّزة
- السلطة -للكفاءات الوطنية-والشارع للشعب الكريم!


المزيد.....




- اختراق علمي.. علماء يكتشفون سبب إصابة الناس بمزيد من نزلات ا ...
- شاهد: سانتا كلوس يقدم شجرة عيد الميلاد لأسماك القرش
- مقتل ثلاثة فلسطينيين في عملية إسرائيلية في الضفة الغربية الم ...
- اجتماع في البيت الأبيض لبحث معاداة السامية في الولايات المتح ...
- خلافات عميقة - هل ستندلع حرب تجارية بين أمريكا والاتحاد الأو ...
- الذكاء الاصطناعي يكتشف الإصابة بالإسهال.. لكن كيف؟
- -الوحش القابع أسفل بركان يلوستون الهائل-.. انفجاره قد يتسبب ...
- مكوّن في الكركند يمنح أملا في صنع مانع حمل شديد الفعالية!
- هل تفرض أجندتها عليه؟.. ما وراء الاتفاق الائتلافي بين نتنياه ...
- شاب سوري وزوجته المصرية يبحثان عن مأوى بين العواصم العربية


المزيد.....

- أسرار الكلمات / محمد عبد الكريم يوسف
- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد عمامي - المركزية واليسار والثورة: مداخلة في ندوة -اليسار يروي ذاكرته سيدي بوزيد 6 و7 مارس 2017